علاجات ثورية غيرت مفاهيم الطب

في ليلة استثنائية من ليالي أبريل 2025م، احتضنت مدينة سانتا مونيكا فعاليات حفل توزيع جوائز “بريك ثرو” (Breakthrough Prize). ولم تبرق الأضواء هذه المرة احتفالاً بنجوم السينما أو لاعبي كرة القدم، بل انسكبت دفئًا للاحتفاء بنجوم من نوع آخر؛ ثمانية علماء وباحثين قادوا بحوثًا أحدثت تحولاً جذريًّا في قدرتنا على مواجهة أمراض ظلّت لعقود تمثّل تحديًا وجوديًّا للإنسان، من السكري والسمنة إلى التصلب المتعدد والاضطرابات الوراثية.. وقد غيّرت هذه الإنجازات تعاملَنا مع المرض والشيخوخة والمصير البيولوجي للإنسان، لتُعَد بمثابة “اختراق” للمستقبل، ومن أكثر الإنجازات العلمية جرأة وتأثيرًا في القرن الحادي والعشرين.

يسلّط هذا المقال الضوء على ثلاث رحلات علمية مثّلت تقاطعًا رائعًا بين البيولوجيا الجزيئية والهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي، وأنها بدأت بأسئلة فضولية بسيطة وانتهت بعلاجات تغيّر حياة البشر، وأن الإجابات جاءت من أماكنَ غيرِ متوقعة إطلاقًا.

ثورة أدوية GLP-1

كيف روّض العلم السمنة مرض العصر؟ حاز العلماء الخمسة (دانييل دراكر، لوتي بييري كنودسن، جينس جول هولست، سفيتلانا موجسوف، وجويل هابينر) على الجائزة، لتطويرهم هرمون GLP-1، وهو اسم لعائلة دوائية تفرض اليوم نفوذًا عالميًّا في سوق الدواء، مثل دواء “أوزمبيك” (Ozempic) و”ويجوفي” (Wegovy).

أحدث هذا الاكتشاف انقلابًا جذريًّا في المفاهيم، إذ نقل السمنة من خانة “ضعف الإرادة” إلى “الخلل البيولوجي”، حيث يعمل هذا الهرمون كجسر تواصل ذكي بين الأمعاء والدماغ للتحكم في الشبع وإبطاء الهضم، ليعيد رسم علاقة الإنسان بالطعام إلى الأبد.

رحلة GLP-1: من أعماق البحار إلى قمة سوق الدواء

بدأت رحلة اكتشاف هرمون GLP-1 بمحض الصدفة في ثمانينيات القرن الماضي، من مكان غير متوقع تمامًا هو “بنكرياس سمكة الصياد” (Anglerfish)، حين اكتشف العالم “جو هابينر” تسلسلاً جينيًّا غامضًا أثناء استنساخه جين هذا الهرمون في تلك السمكة، أُطلق عليه اسم “الببتيد الشبيه بالغلوكاجون” (GLP).

تابع فريق البحث الدراسة بالتعاون مع الكيميائية “سفيتلانا موجسوف”، التي أثبتت أن أحد أشكال هذا البروتين (GLP-1)، يعمل كمستشعر ذكي، إذ لا يحفّز إفراز الإنسولين إلا عند ارتفاع مستوى السكر، مما يضمن أمانًا عاليًا ضد الهبوط المفاجئ. وبالتوازي، توصّل “ينس جول هولست” في الدنمارك إلى النتائج نفسها في أبحاث مستقلة باستخدام الخنازير، وأكد صحة الاكتشاف. وهكذا، تحوّل الفضول العلمي تجاه سمكة في أعماق المحيط إلى واحدة من أعظم الطفرات الطبية في العصر الحديث.

تحدي الدقيقتين وسمّ السحلية

واجه العلماء عقبة كبرى تمثلت في قِصر عمر هرمون GLP-1، إذ يتلاشى في الجسم خلال دقيقتين فقط، مما جعل استخدامه طبيًّا شبه مستحيل. لكن الحل جاء من سحلية سامة تُعرف باسم “وحش جيلا”، تنتج هرمونًا مشابهًا لـGLP-1، لكنه أكثر استقرارًا ويدوم لساعات. ومن هذا الاكتشاف تم تطوير أول دواء معتمد من هذه الفئة، هو دواء إكسينتايد.

وفيما بعدُ، قدّمت “لوتي كنودسن” حلًّا أكثر تطورًا عبر هندسة هرمون بشري يدوم مفعوله أسبوعًا كاملاً (دواء سيماجلوتايد).

هذا الابتكار لم يعالج السكري فحسب، بل أحدث ثورة في علاج السمنة عبر التأثير في مراكز الشبع في الدماغ. وبحلول عام 2025م، امتد أثر هذا “المفتاح الذكي” ليحمي القلب والكلى، ويفتح آفاقًا لعلاج الإدمان ومرض ألزهايمر، محوّلاً العلاج من مجرد إدارة للمرض إلى استئصال لأسبابه الأيضية.

لغز التصلب المتعدد (MS)

كيف أثبت الباحثون علاقة فيروس إبشتاين-بار بالمرض؟ في زاوية أخرى من المشهد، وتحت تصفيقٍ هزّ أركان القاعة، كُرّم العالمان “ألبرتو أسشيريو” و”ستيفن هاوزر”، لفكّهما لغزًا استعصى على الطب منذ عام 1894م، وهو إثبات أن فيروس إبشتاين-بار (EBV) هو المتهم الرئيس وراء الإصابة بالتصلب المتعدد (MS).

تطلّب هذا الإثبات تجاوز عقبة إحصائية معقدة: كيف يمكن لفيروس يصيب 90% من البشر، أن يكون سببًا في مرض نادر؟ بذكاء بحثي لافت، تتبّع العالمان ملايين الأصحاء لسنوات طويلة في دراسة وُصفت بأنها “شبه مستحيلة”، مستفيدين من مصدر بيانات فريد من نوعه.

وبالتالي، تمكّن “ألبرتو أسشيريو” وفريقه من الوصول إلى قاعدة بيانات وزارة الدفاع الأمريكية، التي تضم عينات دم لأكثر من 10 ملايين عسكري جُمعت على مدار 20 عامًا، وكانت محفوظة بعناية. وقد شكّل ذلك كنزًا علميًّا حقيقيًّا.

أتاحت هذه البيانات للباحثين متابعة أفراد كانوا أصحاء في بداية حياتهم، ومقارنة عينات دمهم بسجلاتهم الطبية عبر عقدين من الزمن. ويمكن تشبيه هذا الإنجاز بالتحقيق في حريق مدينة عبر العودة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة التي ترصد لحظة اندلاع الشرارة الأولى، وهو ما مكّن العلماء من تحديد الفيروس بوصفه السبب المباشر بثقة عالية.

نهاية لغز دام 130 عامًا

أظهرت نتائج الدراسة أن خطر الإصابة بالتصلب المتعدد يزداد بمقدار 32 ضعفًا بعد الإصابة بفيروس إبشتاين-بار، وهو رقم ضخم في علم الأوبئة، يُعد دليلاً قاطعًا على العلاقة السببية لا مجرد ارتباط عابر. وقد فتح ذلك الباب أمام تطوير لقاحات للوقاية من المرض. لكن تفسير السبب لا يكفي لفهم آلية المرض، وهنا جاء دور “ستيفن هاوزر” ليُحدث تحولاً جذريًّا في فهمه.

لفترة طويلة، ساد الاعتقاد بأن الخلايا التائية (T-Cells) هي المسؤولة عن مهاجمة غلاف المايلين الذي يحمي الأعصاب. غير أن “هاوزر” أثبت أن هذا التصور كان مضللاً، وأن الخلايا البائية (B-Cells) هي الفاعل الحقيقي في الهجوم المناعي الخاطئ.

وقد أدى هذا التحول في الفهم، إلى تغيير جذري في إستراتيجيات العلاج، حيث حققت العلاجات الجديدة نتائج مكّنت المرضى من استعادة حركتهم والحفاظ على وظائفهم العصبية، مما جعل عام 2025م عامًا استثنائيًّا لمرضى التصلب المتعدد.

التعديل الجيني الدقيق

– قلم رصاص يمسح الأمراض الوراثية: بينما تعمل تقنية “كريسبر” (CRISPR) التقليدية كـ”مقص جزيئي” يقطع شريطي الحمض النووي، مما قد يسبب أخطاءً جينية غير مقصودة أو يعجز عن معالجة خلايا الدماغ، رأى الفائز بجائزة “بريك ثرو 2025م” “ديفيد ليو” أن استخدام “مقص” لإصلاح “خطأ مطبعي” في حرف واحد، هو مجازفة تشبه استخدام مطرقة لتصحيح خطأ إملائي. من هنا برز إنجازه العبقري في تحويل التعديل الجيني من لغة “القطع العنيف” إلى لغة “التحرير الدقيق”، حيث يمكنه الآن محو الخطأ وتصحيحه دون المساس بسلامة البناء الجيني.

– من المقص إلى القلم الرصاص: ابتكر “ديفيد ليو” تقنية “تحرير القواعد” (Base Editing)، التي تشبه التصحيح باستخدام قلم رصاص مُزوَّد بممحاة؛ فالقلم هو نسخة غير حادة من أنزيم “كريسبر” تمسك بالحمض النووي، والممحاة أنزيم كيميائي يحوّل قاعدة نيتروجينية واحدة إلى نظيرتها مباشرةً، دون كسر عمود الحمض النووي. وتُعد هذه التقنية أدق وأكثر أمانًا، لكنها محدودة نسبيًّا، إذ يمكنها تصحيح نحو 30% فقط من الطفرات المسببة للأمراض الوراثية المعروفة. فماذا عن النسبة المتبقية؟

لم يتوقف إبداع “ديفيد ليو” عند هذا الحد، فمن أجل معالجة الـ70% المتبقية، طوّر مع الباحث “أندرو أنزالون” تقنية “التعديل الأولي” (Prime Editing)، وهي وظيفة حيوية موازية لخاصية “البحث والاستبدال” في برامج النصوص. هذه الأداة لا تكتفي برصد الخطأ، بل تحمل معها “النص الصحيح” لتمحو التسلسل المعيب وتكتب التصحيح مباشرة مكانه. وقد أسهمت هذه التقنية في تقليل مخاطر الطفرات الجانبية بدرجة كبيرة، كما أنها أكثر دقة وتنوعًا من تقنية التعديل القاعدي، ويمكنها نظريًّا إصلاح معظم أنواع الأخطاء الوراثية الصغيرة. ويشبه ذلك امتلاك خريطة دقيقة لمدينة معقدة، ثم ابتكار أدوات هندسية لإصلاح أعطالها دون هدم المباني المجاورة، وهو ما يفتح الباب نظريًّا لعلاج معظم الأخطاء الوراثية البشرية.

هذا وقد أسهم التعديل القاعدي بالفعل في إنقاذ حياة فتاة في السادسة عشرة، من سرطان الدم، كما استُخدم للتخفيف من معاناة مرضى فقر الدم المنجلي وارتفاع الكوليسترول الوراثي. ومؤخرًا حصلت شركة “برايم ميديسن”، التي أسسها “ليو وأنزالون”، على الموافقة لبدء أولى التجارب السريرية لعلاج مرض وراثي نادر. وبذلك أُعلن رسميًّا عن ولادة “الطب التصحيحي”، وهو جيل جديد من المعالجة لا يكتفي بتهدئة الأعراض، بل “يحرر” الشفرة الوراثية للإنسان، فيمحو منها الأمراض قبل ظهورها.

(*) طبيبة متخصصة في علم الميكروبيولوجيا الطبية والمناعة / مصر.

المراجع

(1) Drucker, D.J. et al. Glucagon-like peptide I stimulates insulin gene expression and increases cyclic AMP levels in a rat islet cell line. Proc Natl Acad Sci USA 84, 3434–3438 (1987).

(2) Holst, J.J. et al. Truncated glucagon-like peptide I, an insulin-releasing hormone from the distal gut. FEBS Lett 211, 169–174 (1987).

(3) Eng, J. et al. Isolation and characterization of exendin-4, an exendin-3 analogue, from Heloderma suspectum venom. Further evidence for an exendin receptor on dispersed acini from guinea pig pancreas. J Biol Chem 267, 7402–7405 (1992