فن الكاريكاتور بين الصعود والهبوط

إن فن الكاريكاتير ظل يتأرجح ما بين الصعود والهبوط على مدى تاريخه الطويل وما بين القبول والرفض في المجتمعات كافة وفي الوقت نفسه لا يزال هناك قراء للصحف يحرصون بشدة على متابعة الرسوم الكاريكاتورية، وكأنهم يبحثون عن متنفس قد يرسم الضحكة، أو العكس، فيثير البكاء في ظل الإرهاصات الإخبــارية اليومية.

مر فن الكاريكاتور عبر عصوره بمراحل تطور كثيرة، وتأثر بجميع الثقافات، وكانت العرب قد استخدمت فن الكاريكاتور بطريقتها الخاصة، وذلك عن طريق الصورة الشعرية والكلمة المدونة حيث كانت براعتها لا توصف في الأدب، كما جاء في بعض القصائد التي تصف المظهر الخارجي لشخص ما فتثير لدى المتلقي شيئًا من الظرف والفكاهة، وكان الهدف منه اجتثاث أو استئصال العادات السيئة والآفات الاجتماعية الضارة كالبخل والكذب والفتنة، عن طريق إبراز التلميحات الساخرة حول الموضوع.

أما في العصر الحديث فقد انتقلت الرسوم الكاريكاتورية إلى أعمدة الصحف والشبكة العنكبوتية والتلفاز  كبرامج الرسوم المتحركة، ووجبات كاريكاتور ما بعد الأخبار على بعض القنوات العربية لترويج بعض الأفكار، أو الحث على انتقاد كافة الممارسات الخاطئة، سواء من المجتمع أو الحكومات على حد سواء، ولعل الرسوم المتحركة أو ما يعرف بفن “الكارتون” الذي يقدم التسلية للأطفال، هو نوع آخر من الكاريكاتور، إذ إنه يعالج ما يتعلق بحياة الأطفال بتقديم  قصص مشوقة تجذبهم فيقبلون عليها بحب وتعلق بما تطرحه من موضوعات وأفكار تسهم في تربيتهم و تنشئتهم بشكل ما. 

واليوم أصبح فن الكاريكاتور في العالم العربي ملحقًا بماكيت الجريدة أو المجلة كي يلون الصفحة بمادة بصرية غير الصورة الفوتوغرافية، أو ليخفف من جهامة أعمدة النصوص (وهما عادتان قديمتان لا يزال العمل يجري بهما رغم تغير الأحوال).

إن الشكل في حد ذاته لا يهم لكنه لا ينفصل عن الرأي في الكاريكاتور، والرأي الساخن يخلق شكلاً مقبولاً، والرأي الصادر عن العاطفة يعبر عنه بكاريكاتور عامر بالعاطفة المتدفقة، ولا يمكن أن تكون معارضًا وترسم كاريكاتورًا خاليًا من الحرارة يضج باستعراض المهارات وبقدرتك على تقليد رسوم الخواجات الأجانب! فالكاريكاتور الجديد يخلق أشكالاً جديدة للتعبير، مثلما يفتح العقول، ويهز الثوابت، ويدفع إلى مراجعة الأحكام والآراء المستقرة.

في أوروبا توجد مهنة “كاريكاتور” مستقرة راسخة لكن أغلبها يُرسم بشكل “احترافي” فيه مقدرة وذكاء، دون أن يغير أشياء أساسية في العقول والأرواح، أو يفجر الأفكار الراسخة، وفيه تكرار وكأن هناك برامج معدة سلفًا للكاريكاتور، ورغم عدم وجود حدود أمام الرسام الأوروبي، والطريق أمامه مفتوحة ليطيح بكل الثوابت إن أراد، وإذا تحمل النتائج أنظر مثال سنيه sine لكن تركيبة المجتمع الرأسمالي تجعل الرسام يقيم الحدود على نفسه بنفسه.

وعلى الرغم من المنافسة الشديدة التي فرضها البث الفضائي والشبكة العنكبوتية “الإنترنت”، يبقى للكاريكـاتور – عبر الصحافة المطبوعة – فرصة للانتشار والاستمرار، فخصوصية فـن الكاريكاتور الصحفي لها نكهة خاصة، لن تستطيع أى وسيلة أخرى أن تمنحنا إياها كقراء، لأن هذا الفن يعد بحق لسان حال الجماهير، وصوتهـــم المعبر الحاضر، وهو في وطننا العربي زادًا يوميًّا يقتات عليه المتابع العربي.

متاحف عربية للكاريكاتور

إن فن الكاريكاتور في الصحافة العربية ما زال صامدًا وصاعدًا وقد صار له أجيال متعاقبة تتوالد وتتلاقح وتنتج المبدعين في كافة مجالاته، ففي مصر واصل الفنان التشكيلي محمد عبلة جهوده في التوثيق لهذا الفن العريق عن طريق الحصول على مجموعات كاملة من الرسوم الكاريكاتيرية لأجيال مختلفة من الساخرين الذين أثروا الصحافة المصرية بعد أن أسس أول متحف للكاريكاتير ويقع في قرية تونس بمحافظة الفيوم.

هذا المتحف جزء من مركز الفيوم للفنون الذي أسسه عبلة منذ سنوات قليلة ويطل على بحيرة قارون في الفيوم الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب غربي القاهرة. وقال عبلة إن المتحف الذي يضم رسومًا منذ بدايات القرن العشرين “هو الأول من نوعه في العالم العربي” حيث يضم مجموعة نادرة لأصول رسوم الكاريكاتير في الصحافة المصرية منذ بدايات القرن الماضي.

صدر عن المتحف كتاب يضم مختارات من مقتنيات المتحف لرسامين منهم الفلسطيني زهدي العدوي والكسندر صاروخان المنحدر من أصل أرمني ومن المصريين محمد عبد المنعم رخا “الأب المؤسس لفن الكاريكاتير العربي” وصلاح جاهين الذي ربط الكاريكاتير بالصور الشعرية الخالدة، وأحمد طوغان الذي اختار له الكتاب رسمًا تبدو فيه صورة امرأة معلقة على جدار بالقرب من زوجها الذي يقول لصديقه بتأثر ” معذور في مبلغ.. الناس اللي خطفوا المدام بيهددوني إذا ما كنتش أدفع لهم حيرجعوها لي..”

في الشام افتتح الفنان علي فرزات أول صالة عرض عربية للفن الساخر، من حيث الأفكار التي تطرحها أو حجم الانتشار أو تكريسها كثقافة بين شرائح المجتمع.  وصالة تقع في قلب العاصمة دمشق وكانت المقر السابق لجريدة “الدومري” الساخرة“. 

وصالة الفن الساخر تحوي رسومًا كاريكاتورية وسينما ساخرة وأفلامًا متحركة وفنًّا تطبيقيًّا أي أنها مشروع متكامل وفريد من نوعه في العالم العربي بغية المحاولة الجادة لإبراز دور السخرية في مواجهة تحديات الواقع.

فكرة العرض هي تكريس حضاري يمتد لحوالي عشرة آلاف سنة قبل الميلاد حيث كان الفيلسوف السوري القديم لقيان يمثل مدرسة مشابهة لمثل هذه المدرسة الساخرة، مشيرًا إلي أن فلاسفة عالميين كبارًا استفادوا من فن لقيان مثل سقراط، وجذبت الصالة مئات المثقفين والإعلاميين المهتمين بهذا الفن وتدور حوارات حول ابرز اللوحات الكاريكاتورية لفنانين من كل الأقطار العربية.

توالد أجيال توالد الموهوبين

وإذا طرنا إلى العراق سوف نطالع معارك شبه يومية يخوضها بشجاعة فرسان الكاريكاتور ضد الحكومة والأحزاب الطائفية ومروجي العنف، فالريشة في مدن العراق تواجه بصلابة البندقية العمياء.

إن معاناة رسامي الكاريكاتير العراقيين لم تزل مستمرة فعدم تفهم السياسي الطائفي لرسالة الكاريكاتور، فضلاً عن هجرة رسامين بسبب تلقيهم تهديدات بالقتل بسبب أعمالهم الناقدة، فيما لم يخف زميل له خشية تناول الأحداث الراهنة للسبب نفسه برغم ما شهده هذا الفن من انطلاقة جديدة بعد عام 2003م.

لقد ظهر جيل من الموهوبين في فن الكاريكاتير على امتداد الوطن العربي وظهرت مجلات متخصصة من بينها مجلة “البعكوكة” التي كانت توزع 200ألف نسخة أسبوعيًّا في الأربعينات، وحاولت أن تصمد مجلة “كاريكاتير” برئاسة مصطفى حسين في مواجهة المتغيرات وقد أغلقت مجلة “الدومري” الساخرة في دمشق لأنها تعدت الخطوط الحمراء وطاردت السلطات العراقية فانيي مجلة “ريشة” في المحاكم.

ومن أشهر رسامي الكاريكاتير يوسف عبدلكي “سوريا” وأمية جحا فلسطين، والتي أثبتت بريشتها أن الكاريكاتير ليس فنًّا ذكوريًّا أو حكرًا على الرجال، وستافرو “لبنان” وعبد العزيز صادق” البحرين” وعبد الغني دهدوه “المغرب” وعمرو سليم “مصر” والأخير واحد من جيل الموهوبين الجدد علمًا بأن مصر هي الأغزر في إنتاج الموهوبين في الكاريكاتور.

ربما بسبب ميل المصريين للسخرية ظهرت مدارس في فن الكاريكاتير في الصحافة واستمرت، خاصة في ” روز اليوسف” و” أخبار اليوم” اللتين شكلتا ثورة في فن الكاريكاتور، ومن هنا بدأ التفكير في إنشاء تجمع يضم رسامي الكاريكاتور المصريين فتم إنشاء الجمعية المصرية للكاريكاتور وهي أول جمعية في الوطن العربي تهتم برسامي الكاريكاتير.

فن لا يموت

هناك ثنائيات شهيرة في عالم الكاريكاتور، ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين، عندما عقدت هيئة تحرير مجلة “كراكاديل” الروسية الكاريكاتورية اجتماعات سميت بالغامضة أو السرية شارك فيها رسامون وأدباء ونقاد وكان محور هذه الاجتماعات التفكير في موضوعات الكاريكاتير وخرجوا بعد تفكير مضنٍ بتسمية “مبدع الفكرة” وهو الشخص الذي عليه أن يفكر في موضوع يحاكي الواقع ويشرح للفنان ما يجب عليه عمله وقد ظهرت ثنائيات عربية أشهرها الكاتب الساخر أحمد رجب والفنان مصطفي حسين اللذان أبدعا معًا ولفترة طويلة مئات وربما آلاف اللوحات الساخرة.

إن الكاريكاتير فن لا يموت، وهو ينتعش في مناخ الحرية حيث تتسع رقعة النقد السياسي والاجتماعي، وقد انتشر في الصحف العربية العامة والخاصة وبات يجذب قطاعات واسعة من الناس ويشتبك في قضايا المجتمع، ويصنع نجومًا، كما اقتحم مجال التليفزيون في الأعوام الأخيرة وقد كان هناك برنامج أسبوعي في التليفزيون المصري قدمه الفنان جمعة يعرض فيه نماذج من فن الكاريكاتور في العالم.

أيضًا لجأت نشرات الأخبار في بعض المحطات الفضائية إلى تلخيص الموقف السياسي من خلال رسم كاريكاتوري على نحو ما كان يفعل ستافرو في إحدى محطات لبنان”، فيما تلجأ قناة الجزيرة إلى تقديم رسومات كاريكاتورية منقولة عن الصحف العربية في برنامجها “الجزيرة هذا الصباح “واتسعت استخداماته في خدمة العمل الصحفي سواء في التصميم وفي إغناء المادة الصحفية ليكون جزءًا منها وليس عملاً مستقلًّا بذاته فقط، وما زال الكاريكاتور هو أول ما يطالعه القارئ مع فنجان القهوة لكي يبتسم في الصباح.

لقد لقيت الشخصيات الأخرى التي أبدعها فنانوا الكاريكاتور نفس النصيب من النجاح لأنها كانت تمثل رجل الشارع ونبض الجماهير، بدأت على صفحات جرائد حرة لم تكن تتبع الأهواء، ولا تمثل إلا قارئها، ولا تنحاز لأي تيار سياسي أو حزبي، وأبقت مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

إن فن الكاريكاتور ينمو ويزهو عندما يكون هناك احتياج حقيقي له، عندما نريد أن نكشف أنفسنا لنتغير، وأن نقلب الأمور رأسًا على عقب لنكتشف الوضع الصحيح، ولننعش عقولنا وقوبنا وننمو.. عندها نفكك الراسخ ونهدمه من أجل بناء الجديد.

ففي بلادنا العربية التي يتراجع فيها دور الناس لصالح دور الحكومات وتتبدل المعطيات التي تملي على الكاتب أو الرسام موقعه واتجاهه مما يدفع هذا الأخير إلى تجاهل مطامع الناس ومزاجهم ودورهم، ويحول المثقف من مواطن إلى موظف من الدرجة الثالثة.. في واقع كهذا من الضروري أن يكون هناك كاريكاتورًا مميزًا، خاصة وأنه ما يقرب من أربعة عهود مضت جرت ” بهدلة ” كل قضايا المجتمع العربي الكبرى، فلم تعد الشعارات التي حركت الجماهير في الخمسينات والستينات من القرن الماضي تستجلب سوى الهزء والحسرة. 

في الختام نقول ليس التطرق إلى فن الكاريكاتور العربي مهمة سهلة في هذه الحقبة التاريخية الحبلى المعاشة والمليئة بالمطبات وحقول الألغام والشعارات التي تقول في العمق ما تجاهر به لفظًا، حيث سقوط الكذب والاستبـداد وصعود الصدق والمثل العليا، لكن مهما هربنا من السؤال فهو يطاردنـا ويطرح نفسه بقوة وإلحاح ودون مواربة، أين الكاريكاتور العربي اليوم بين تحديات المرحلة ومتطلباتها من جهة وآفات التعب والتدجين والتكرار أين سلاح السخرية وحرية الرأي من النزوع الدونكيشوتي المستشري لضرب طواحين الهواء، وإغفال العدو الحقيقي وهو “غيـاب الديموقراطية” في العالم العربي.

مراجع:

1- د.  أمير ذكي – ناجي العلي – كاريكاتور النزوح الدائم – دار المدى – دمشق 1999 م.

2- د. عبد الحميد يونس – الكاريكاتور.. عبء الامتياز وريشة القلب – القاهرة -1990م.

3- طلال فهد الشّعشاع – فنّ الكاريكاتير/دراسة علميّة نظريّة وتطبيقيّة. منشورات النّادي الأدبي بحائل ودار الانتشار العربي

4- عمرو فهمي – الكاريكاتير.. الفن المُشاغِب/ تاريخه ومدارسه- منشورات مكتبة الدّار العربيّة للكتاب