التغذية العلاجية عند ابن سينا

يمكن تعريف علم الطب وما يتفرع عنه من علوم، كعلم وظائف الأعضاء (الفسيولوجي) من واقع ذلك المنظور العام الذي حدده ابن سينا، وهو المنظور الذي لخصه في كتاب “القانون في الطب” الشهير، والذي اعتبر أن القلب وما يتفرع منه من شرايين رئيسية، هي المحددات العامة لصحة الإنسان. وذلك بمعنى أن تدفق الدم من القلب بشكل منتظم، هو المعيار الرئيس الذي تنبني عليه الحالة الصحية العامة للإنسان. وذلك من قبيل أن انتظام جريان الدم في الجسم، هو الكفيل وحده بتخليص الجسم من ثلاثة أرباع السموم التي تصيبه مع الغذاء والهواء غير النقي، بما يؤدي لوقاية الجسم من ثلاثة أرباع الأمراض التي يمكن أن تصيبه، وذلك على اعتبار تلك القناعة التي توصل إليها ابن سينا، من أن ربع ما يصيب الجسم البشري من أمراض، يكون بفعل اعتلال عضو ما من أعضاء ذلك الجسم نتيجةً لتباطؤ فعله الحيوي، وأن الثلاثة أرباع الأخرى مما يصيب جسم الإنسان من أمراض، يكون بفعل التسمم، والذي عرفه ابن سينا بأنه ذلك العرض الضار الذي ينتج عن مخالطة الجسم كله أو بعضه موادًا تخالف في فعلها العضوي ما اعتاد عليه الجسم، بما يؤدي لخلل عضوي.

وعلى ذلك، فإن فلسفة الطب التي أسس لها ابن سينا، تكاد تنحصر بين أمرين لا ثالث لهما، وهما الوقاية من الآفات، وصيانة القلب وما يتبعه من ذلك الجهاز الدوري المرتبط بعمله. وهو ما تأسس عليه -بالتالي- ذلك الذي يعرف بـ”الطب الحديث”، والذي لا يزال يحتفظ بتلك الأسس التي أسس عليها ابن سينا علم الطب في عصره، ووضع في تلك الأسس كتابه “القانون في الطب”، وهو الكتاب الذي لا يزال يعدُّ قانون البحث العلمي في كافة أفرع الطب حتى يومنا هذا.

فقد ابتكر ابن سينا -على سبيل المثال- وسيلة تنقية الجسم من السموم بطريق ما يعرف اليوم بـ”التغذية العلاجية”، وهي الطريقة في التغذية التي تعتمد تناول الفواكه الطازجة أول شيء في الصباح، وقد علل ابن سينا ذلك، بأن الألياف التي تحتويها الفواكه الطازجة، تؤدي لانتظام سريان الدم في الشرايين. كما أن تلك الألياف تؤدي لتقوية جدار المعدة بما يؤدي لتقليل احتمالات الإصابة بقرحة المعدة، إضافة لسهولة هضم تلك الفواكه التي تؤكل على الريق صباحًا، علاوة على سهولة امتصاص “سكر الفركتوز” الذي تحويه تلك الفاكهة، وذلك من حيث كونه سكرًا ثنائيًّا يؤدي امتصاصه في الدم إلى تنقيته وانتظام جريانه في الدورة الدموية.

الأسس الطبية في “القانون في الطب

يمكن التعبير عن الطب قبل ابن سينا، والطب فيما بعد ابن سينا، تمامًا بالفارق بين عصري الجاهلية والإسلام، وذلك مع الفارق طبعًا على اعتبار أن الفارق الأول هو فارق بين الجهل بالشيء والعلم به. وهو ما يختلف تمام الاختلاف عن ذلك الفارق العقدي بين عصر ما قبل النبوة وعصرها، الذي أخرج الإنسانية من الظلمات إلى النور. ولكني قصدتُ أن ما قبل ابن سينا، كان سلسلة من المعتقدات الكارثية فيما يتعلق بمزاولة الطب. ويمكن القول إن أول تلك المعتقدات الكارثية، كان اعتبار أن البشر يفترقون في أمزجتهم وقواهم العقلية والجسدية تبعًا لأجناسهم، وهو ما فنده الحديث الشريف المروي في الصحيحين من أنه “لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى”، وهو عين ما ارتكز عليه الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا من أن الفيصل فيما يتعلق بأخلاق البشر وطباعهم إنما يرجع بالأساس إلى البيئتين المناخية والطبوغرافية، وهي تلك المتعلقة بطبيعة التربة، إذ إنهما يعدّان في نظر ابن سينا، المحددان الرئيسيان للتركيبة الجينية العامة، التي يتحدد على أثرها كلٌّ من الطبيعة الأخلاقية للفرد وأيضًا طبيعته المزاجية، أي تلك الطبيعة المتعلقة بأنماط التفكير والعادات اليومية، وأيضًا ذلك الوازع العام المحدد لتصور الحياة وقيمتها لدى الفرد البشري بما يؤدي لتحديد كيف يزاول كل فرد عاداته اليومية، بما يؤدي -دون شك- لاستنتاج أي من الأمراض يمكن أن يصيب كائنًا بشريًّا ما يعيش في مكان ما. وقد توصل ابن سينا وفق تلك المحددات -مثلاً- إلى أن سكان الجبال قلما يصابون بمرضي السكري وضغط الدم، وذلك على أساس أن انحدار الأرض في المناطق الجبلية، تفرضان على السكان الصعود والهبوط باستمرار، كما أن طبيعة الحياة في المرتفعات، حتى ولو كانت تلك المرتفعات تقع ضمن البلاد ذات المناخ الحار، تحتم على ساكني تلك المناطق تناول أقصى قدر من المواد الدسمة ذات السعرات الحرارية العالية. وهو ما يعني أن سكان الجبال لا يقبلون في طعامهم على تلك الأنواع من المقليات أو الأطعمة المطبوخة، التي يمتزج فيها السمن مع الخضروات والتوابل.

كما لاحظ ابن سينا أن من يتناولون الحليب صباحًا دون معالجته بطريق الطبخ أو التخمير، يعدون أكثر صحةً ذهنية وجسدية، بفعل احتواء سكر اللاكتوز الذي يحتويه الحليب الطبيعي على مادة ثنائية الأمينات تساعد على نقاء البشرة وتنقية الأمعاء من الفضلات والأبخرة العفنة، التي تتراكم في الجهاز الهضمي بفعل الخلط غير المنظم بين الأطعمة المختلفة.

لم يكن “القانون في الطب” مجرد جمهرة لمجموعة من المعلومات الطبية التي أصلها ابن سينا -رحمه الله- من واقع كشوفاته الطبية على مرضى من مختلف الفئات العمرية. وهي تلك الكشوفات التي زادت على أربعة آلاف كشف أجراها ابن سينا في السنوات الخمس عشرة الأولى فقط من مزاولته لحرفة الطب. ولكن ذلك الكتاب، كان ثمرة مجموعة من الأبحاث الطبية لـ”جالينوس” و”أبي القاسم الزهراوي” وغيرهما من نوابغ الأطباء اليونانيين والعرب. بمعنى أن ابن سينا أصل في “القانون” مجموعة من المعارف الحاوية لما صار يعرف حاليًّا بـ”الأسس الفسيولوجية العامة المنظمة لحركة الجسم البشري في شتى مراحله العمرية”، إذ قد صار من المعروف -على سبيل المثال- أن وظيفة الكبد بالنسبة للطفل، هي تسريع امتصاص المواد الدهنية التي يتناولها ذلك الطفل في طعامه، بينما تكون وظيفة ذلك العضو بالنسبة للفرد البالغ، هي تسريع امتصاص الأملاح الزائدة في الجسم، بما يؤدي لتنقية الدم من زوائد الأملاح التي يمكن أن تؤدي لمشاكل في الدورة الدموية. وتتطور وظيفة الكبد لدى الطاعنين في السن، إلى تنقية الجسم كليةً من السموم التي تتراكم داخله بفعل عدم كفاءة بقية أعضاء الجسم مع تقدم العمر. ولم تكن وظائف الكبد لتتحدد على النحو السابق، لولا كشوفات ابن سينا الذي أسس من خلال “القانون في الطب” لعلم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا)، وهو العلم الذي انبنى عليه الطب الحديث في مجمله.

التغذية العلاجية عند ابن سينا

وقد حدد ابن سينا في قانونه الجامع في الطب، اثني عشر منتوجًا غذائيًّا، تقي في مجموعها من خلل الأعضاء في أداء وظائفها المختلفة. وكانت تلك المنتوجات، هي “حبوب القمح”، و”اللبن منزوع الدسم”، و”الزيت الطيب”، و”العنب البكر” -المعروف في مصر بالعنب البناتى- و”زيت السمك”، و”ثمرة الأفوكادو” -التي تنبت في فارس وبلاد ما وراء النهر “آسيا الوسطى” والأندلس- “والبصل والثوم المطهوين”، و”اللحم الأحمر”، و”البطاطا”، و”السمك المشوي”، و”عشبة الريحان”، و”ثمرة الزنجبيل”.

وقد ثبت من واقع الطب الأوربي الحديث، الذي بدأ في التبلور منذ القرن السادس عشر، أن سلامة الجسد من الناحيتين الحيوية “البيولوجية”، والوظائفية “الفسيولوجية”، تتحدد وفقًا لثلاثي سلامة ضخ الدم من القلب، وانتظام توارد الموجات العصبية من داخل المخ، إضافةً لانتظام تصريف الفضلات من داخل الجسم. كما وثبت أيضًا، أن ذلك الثلاثي يتحقق وفق انتظام تناول العناصر الاثني عشر السابقة. حيث إن حبوب القمح إذا ما أُكلت غير مطحونة، تؤدي إلى انتظام تدفق الدم عبر العضلة الرئيسية للقلب الموجودة أسفل الشريان التاجي، وذلك بفضل احتواء حبات القمح قبل طحنها على عناصر أمينية ثنائية وثلاثية تتكسر وتفقد قيمتها الغذائية إذا ما طحن القمح. وتعد تلك العناصر الأمينية الثنائية والثلاثية، الأساس في سلاسة جريان الدم في الجسم عمومًا، كما وأن اللبن المنزوع الدسم، يؤدي إلى تنقية الدم والأمعاء من أي شوائب، مثل زيادة نسب الدهون والأحماض الثنائية والثلاثية، وأيضًا زيادة نسبة أملاح الماغنيسيوم الضارة، حيث إن تناول اللبن المنزوع الدسم بانتظام -بحسب ابن سينا- يؤدي إلى ملاشاة تلك المواد السالفة الذكر، مما يؤدي لانتظام وسلاسة جريان الدم الذي هو سر الصحة المنتظمة، حيث إن انتظام جريانه في قول ابن سينا، هو الفارق بين الصحة التامة واعتلال البدن باثني عشر مرضًا، أدناها خمول الجسد وأعلاها مرض القلب. وقد عرف عن العرب قديمًا إدخال الزيت في أطعمتهم، كما كانت وفرة زيت الزيتون في بلاد الأندلس، سببًا في استعماله في طهي غالب طعام الأندلسيين، مما أدى لسلامة أدمغتهم وثقوب أذهانهم، حتى أثر عن أهل قرطبة أنهم قلما كانوا يتشاجرون أو يلجؤون للتقاضي. كما أن لقب “القرطبي” قد حمله اثنا عشر عالمًا من علماء الإسلام. ويبدو أن احتواء زيت الزيتون على كميات كبيرة من مضادات الأكسدة، كان له الدور الأكبر في قلة إصابة الأندلسيين بتقرحات المعدة وسرطانات الأمعاء، وأيضًا تلك النزلات الدماغية “الجلطات”، التي تنتج عن عدم انتظام توارد الدم لخلايا المخ بفعل الإسراف في تناول البروتينات والزبد. كما أن الزنجبيل هو المنقي الرئيسي للدم من الأملاح الضارة كأملاح الماغنيسيوم، التي تؤدي زيادتها في الدم لإجهاد الكليتين والحالب، وإلى تكون الحصوات فيهما. وقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبه لأكل العنب. وكان عليه الصلاة والسلام يأكل ما يعادل رطلاً من العنب يوميًّا إذا ما اشتد الحر، حيث إن القيظ يستطيل في شبه الجزيرة العربية لأكثر من خمسة أشهر سنويًّا. وقد كشف الطب الحديث عما سبق وأن دونه ابن سينا في “القانون”، من أن كل الفاكهة تحوي ذلك السكر الثنائي المعروف بـ”سكر الفركتوز”، ولكن العنب وحده يحوي ذلك السكر في صورة متلازمة عضوية، بمعنى أن ذلك السكر لا يتحلل داخل الجسم سوى بعد مرور أربع ساعات على تناول العنب الحاوي له، بما يعني أن تناول العنب يؤدي لضبط نسبة الجلوكوز في الدم لفترة طويلة، كما يساعد أيضًا على الاحتفاظ بطراوة الأمعاء في ذلك الجو الصحراوي الحار. ومعلومٌ أن طراوة الأمعاء لازمةٌ لتيسير عملية الهضم أيًّا ما كانت طبيعة المادة المراد هضمها. أما فيما يتعلق بالسمك، فقد كان الأندلسيون هم أول من طهوه باستعمال الريحان، الذي كان ينبت بكثرة في شبه الجزيرة الإيبيرية “إسبانيا والبرتغال الحاليتين”. وكانت جزر البليار – الواقعة في عرض المتوسط شرق إسبانيا- مركزًا لصيد أربع وعشرين نوعًا من السمك، لا تتوافر أبدًا في منطقة أخرى من العالم. ومن الطريف أن الريحان كان يستخدم من قبل الأندلسيين في طهي تلك الأربع والعشرين نوعًا من السمك. وقد ذكر بأن خشب شجر الليمون كان يفضل عند الأندلسيين في شيّ الأسماك.

ومن ذلك، تتضح حقيقة أن منظومة العلاج عند المسلمين، كانت تبتدئ من الطعام الصحي الذي كانوا يأكلونه في بلادهم المعتدلة المناخ، التي توسطت الأقاليم الجغرافية السبعة، حيث إن دولة الأثلام قديمًا كانت تمتد فيما بين الصين وشمال إسبانيا، أي إن تلك الدولة كانت تمتد في الأقاليم المناخية الثالث والرابع والخامس المشهورة باعتدالها واعتدال أمزجة أهلها، وأيضًا اعتدال تركيبات الثمار النابتة في بلادهم.

كان الطب عند الشيخ أبي علي ابن سينا ينطلق من اعتبارية ثلاثة ثوابت رئيسية في تأصيله لمعارفه الطبية، وكانت تلك الثوابت الثلاث، هي طبيعة المزاج العام للإنسان من حيث الضعف والقوة، وطبيعة المناخ “الهواء” الذي يعيش فيه الفرد البشري، ومدى النشاط الذهني والبدني الذي يمارسه ذلك الفرد البشري. وقد حدد ابن سينا أن العربي -على سبيل المثال- أقوى مزاجًا وأكثر احتمالاً لتغير الهواء من الزنجي أو الهندي اللذين لا يستطيعان في أغلب الظروف، تحمل التقلبات المناخية ولا العيش في إطار الهواء البارد. كما حدد ابن سينا أن أغلب الأوبئة تتفشى في المناطق الحارة، وهي تلك المناطق التي تزدهر فيها اليرقات الحاوية للجراثيم المسببة بدورها للأوبئة.

 

(*) كاتب وباحث مصري.

المراجع

(1) مجموعة مقالات بالفرنسية عن كتاب القانون في الطب.

(2) موسوعة “الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة”، لابن بسام الشنترينى الأندلسي.