تعتبر العلاقة الجدلية بين الأخلاق والدين من أهم مقولات فلسفة الدين، ومن أهم الإشكالات التي يحاول فلاسفة الدين الإجابة عنها في هذه الثنائية، البحث عن منشأ الأخلاق والدين، وأيهما يتفرع عن الآخر، وبيان الرابط الذي يجمع بينهما والعلاقة الكامنة بينهما، ثم دراسة إمكانية تقاطعهما أو تفرقهما، ومن المعلوم أن الفكر الفلسفي لطه عبد الرحمن –صاحب النظرية الائتمانية- اتسم بالصبغة الأخلاقية المُؤطَّرة بالعمل الديني، مما جعله يعطي لثنائية الدين والأخلاق حقها ويوفِيها قدرها، ولا شك أن هذه العلاقة بين الأخلاق والدين أرهقت تفكير الفلاسفة، وأتعبت عقولهم حتى أرخت عقالهم، فمنهم من وصل، ومنهم من فصل، حتى صارت هذه العلاقة تتسم بالتذبذب بين هذا الفيلسوف أو ذاك، مما يجعلنا نتساءل عن الزاوية التي تم النظر من خلالها لهذه العلاقة، فهل تناول الفلاسفة علاقة الأخلاق بالدين من جهة العلاقة التاريخية التي تبرز ما وقع بين الدين والأخلاق من أطوار وأحداث؟ أم من الجهة السوسيولوجية التي تكشف عن دورهما في تنظيم العلاقات الاجتماعية بين الناس وتحديد مصالحهم المشتركة؟ أم من الجهة السيكولوجية التي تُولِّد عند الإنسان أحاسيس ومشاعر مخصوصة؟ أم من الجهة الابستمولوجية التي تبرز أنهما ينطويان على قواعد ومعايير تنزل منزلة الأصول التي يتفرع عنها ما سواها؟ أم من الجهة المنطقية التي تظهر أن لهما خصائص صورية تزودهما بقدرات استدلالية معينة؟ أم من الجهة الأنطولوجية (الكيانية) التي تدل على أن العلة في وجودهما مشرع إلهي أو مشرع إنساني يحرص على ضمان النفع للأفراد والجماعات؟

  • تبعية الأخلاق للدين (أصالة الدين وتبعية الأخلاق)

إن الفلاسفة اهتموا بوجه واحد من الأوجه التي تحتملها علاقة الأخلاق بالدين، وهذا الاتجاه يدرس العلاقة من طرفين: هل الدين هو الموجه للأخلاق؟ أم أن الأخلاق هي الموجهة للدين؟ أم أنه لا أحد فيهما يوجه الآخر؟

ومن الذين تقرر لديهم أن الأخلاق تابعة للدين القديس “أوغسطين” والقديس “توماس الأكويني”، حيث يستندان في هذا القول لأصلين اثنين: الأول “الإيمان بالله” والثاني “إرادة الله”.

ومن النتائج التي توصل إليها القائلين بأن أساس الأخلاق هو الدين ما يأتي:

– الدين أبلغ في تحقيق غرض الأخلاق الذي هو رسم خريطة الحياة الطيبة للإنسان.

– انبناء الدين على الإيمان بالإله يجعل العباد يحصلون على عونه ورحمته وشفقته وفضله للوصول إلى الحياة الطيبة.

– يعتبر الأخلاقيون المسيحيون أن رأس الفضائل الدينية ثلاث خصال: الإيمان والرجاء والمحبة، لكون هذه الخصال هي سبيل تحقيق الخلاص، أما باقي الفضائل الطبيعية والعقلية فهي متفرعة عنها.

ويتضح مما سبق أن هذه الفلسفة الأخلاقية التي تجعل الأخلاق تابعة للدين، تتأسس على أصلين اثنين، وهما: الإيمان بالله وإرادة الإله، الأمر الذي يجعلها تستند إلى الغيبيات في إثبات الخلق، وهذا هو الشكل الأول من أشكال العلاقة بين الأخلاق والدين، ومن القائلين به القديس أوغسطين والقديس توماس الأكويني.

  • تبعية الدين للأخلاق (أصالة الأخلاق وتبعية الدين)

من أبرز القائلين بتبعية الدين للأخلاق في الفلسفة الحديثة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي يعتبر من أشهر فلاسفة الأخلاق الذي رسموا نظرية فلسفية في الدين، وفتح العقل على الدين والدين على العقل باعتبارهما يدوران على مركز واحد، ومهمة الفيلسوف هي الكشف عنه، لكن ذلك في نظره لا يتسنى إلا لمن قبل بفرضية وجود دين عقلي محض، وبنى نظريته على مبدإ الإرادة الخيرة للإنسان، أي أنه لتأسيس الأخلاق لا بد من صدورها عن شيء هو خير بإطلاق، بحيث يكون شرطًا سببًا في كل قيمة أخلاقية، وتتميز هذه الإرادة الخيرة بكونها إرادة عاقلة بعقل محض، وهو الذي يحث على الأفعال الصالحة ويذم الأفعال الطالحة، فهي خيرة لكونها منضبطة بهذا العقل الذي يجعل منها خيرة ابتداء، أي بنفسها لا بغيرها.

ولكون هذه الإرادة الخيرة إرادة عاقلة بعقل محض، فلا تنظر إلا للأفعال التي تأتي على وفق ما سماه بالواجب كما يحدده هذا العقل، وبذلك يتشكل القانون الأخلاقي، وهذا ما أكد عليه بقوله: “العقل المحض هو وحده عملي من تلقاء نفسه ويعطي الإنسان قانونًا عامًّا، نسميه القانون الأخلاقي”.

فهذه الإرادة الخيرة لا تحكمها غاية أخرى أو توجهها اعتبارات معينة، إذ لا مطمع فيها لا لثواب ولا لعقاب، ويمكن القول أنها تكتفي بفعل الواجب لذات الواجب، كما لا يتلقى أوامر خارجية لكونها مشرعة بنفسها؛ أي من داخلها، فهي تتمتع بكمال الحرية.

ويظهر أن كانط اعتمد على مبدإ الإرادة الخيرة لبناء صرح نظريته الأخلاقية التي استغنى فيها عن قاعدتي الإيمان بالله وإرادة الله المطلقة اللتان انطلق منهما القائلون بتبعية الأخلاق للدين، فهل يمكن القول إنه استغنى عن الدين لبناء أخلاق الواجب؟

نجد الجواب على هذا السؤال في تصديره لكتابه “الدين في حدود مجرد العقل” حيث قال: “إن الأخلاق من جهة ما هي مؤسسة على مفهوم الإنسان، بما هو كائن حر، ولكن هو بذلك تحديدًا ملزِم لنفسه بنفسه من خلال العقل بقوانين لا مشروطة، هي لا تحتاج إلى فكرة كائن آخر فوق الإنسان حتى يعرف واجبه ولا إلى دافع آخر غير القانون نفسه حتى يلاحظه.. وذلك لأن ما لا يصدر من ذات نفسه وحريته، لن يمنحه أي عوض عن النقص في خُلقيته. -وهكذا فإن الأخلاق لا تحتاج أبدًا فيما يتعلق بذاتها (سواء موضوعيًّا، فيما يخص الإرادة أو ذاتيًّا فيما يخص الاستطاعة) إلى الدين، بل بفضل العقل المحض العملي، هي مكتفية بذاتها. إذ من أجل أن قوانينها تُلزم عبر الصورة المجردة للشرعية الكلية للمسلمات التي ينبغي أن تؤخذ طبقا لها بوصفها الشرط الأعلى (غير المشروط هو ذاته) لكل الغايات، فإنها بعامة لا تحتاج أبدا إلى أي سبب مادي لتعيين المشيئة الحرة، أي إلى غاية، لا من أجل أن تعرف ماذا يكون، ولا أن تحض على القيام به: بل هي حتى تستطيع ويجب عليها، حين يتعلق الأمر بالواجب، أن تتجرد من كل الغايات”.

ومفاد هذا القول إن الأخلاق تستغني عن الدين، بل تكتفي بذاتها بفضل العقل المحض العملي، كما أن هذا الواجب لا تحكمه غايات محددة، إنما فعل الواجب لذاته، وبين الفيسلوف طه عبد الرحمن أنه يجوز “بموجب مبدإ الإرادة الخيرة، أن تستتبع الأخلاق الدين كما يستتبع الأصل الفرع، ذلك أن العقل الذي تنضبط به هذه الإرادة والذي يأمر بطاعة الواجب، يتطلع إلى تحقيق الجمع بين الفضيلة التي تصحب أداء الواجب وبين السعادة التي لا تصحب بالضرورة الفضيلة، وهذا الجمع هو الذي يُدعى بالخير الأسمى”.

يتبين مما تقدم أن كانط أسس نظريته الأخلاقية على فكرة الواجب، وهذا يجعلها فارغة من كل العواطف الرقيقة التي تجعل النفس ترتقي في سلم الكمال الأخلاقي، كما يمكن التساؤل عن طبيعة هذه التبعية: هل هي تبعية حقيقية تجعل الدين لا يتزحزح أبدًا عن رتبة الفرع أم هي تبعية ظاهرة قد ينقلب فيها الفرع أصلا؟

كما أن هناك أخلاقًا من تقرير الدين المنزل، فكذلك ينبغي أن تكون هناك أخلاق من تقرير العقل المجرد، وكما أن الإله في الأولى هو الذي يشرع القوانين، فكذلك الإنسان في الثانية هو الذي ينبغي أن يتولى تشريع هذه القوانين؛ وكما أن الإله في الأولى منزه عن العلل والمصالح في وضع شريعته الإلهية، فكذلك الإنسان في الثانية ينبغي أن يتجرد عن كل البواعث والأغراض في وضع شريعته الإنسانية؛ وكما أن قوانين الخالق في الأولى موضوعة للخلق قاطبة، فكذلك ينبغي أن تكون قوانين الإنسان في الثانية شاملة للبشرية كلها؛ وكما أن أوامر الإله في الأولى طاعتها واجبة، فكذلك أوامر الإنسان في الثانية العمل بها واجب؛ وكما أن الأفعال في الأولى تكون خلُقية بموجب طاعتها للأمر الإلهي، فكذلك الأفعال في الثانية تكون خلُقية بموجب عملها بالأمر الإنساني”.

كل هذا يؤكد أن كانط أسس نظريته الأخلاقية على أصول عقدية وقواعد دينية مع علمنتها وإدخال التعقيل والصنعة عليها، وإحلال الإنسان بدل الإله حتى يستحق الإنسان العيني للتعظيم بدل الإله الغيبي، ويستجيب بذلك لمقتضى التنوير أو مقتضى الحداثة، ما يجعل نظريته ليس لها من حظِّ العَلمانية سوى الظاهر، على الرغم من محاولة إخفائه للحقائق الإيمانية التي بنى عليها نظريته في الأخلاق في ثوب علماني.

 إن كانط في تأسيسه لنظريته الأخلاقية اقتبس بعض المعاني الدينية ثم قام بعلمنتها مع إدخال التعقيل عليها، إن تحليلا وإن تنظيرا، حيث استدعى الدين في نقد الدين وقطع الصلة به.

  • استقلال الدين عن الأخلاق

من أبرز الذين ذهبوا إلى الطرح الفيلسوف الإنجليزي دافيد هيوم، حيث انطلق من مسألة عويصة أشار إليها في كتابه “رسالة في الطبيعة البشرية” وهي: “في كل الأنساق الأخلاقية التي صادفتها إلى حد الآن، لاحظتُ دائمًا أن المؤلف يسلك خلال بعض الوقت الطريق المألوف في الاستدلال، مثبتًا وجود الإله أو مبديًا ملاحظات متعلقة بالأمور الإنسانية، لكن سرعان ما أفاجأ بأني لا أعود أظفر بقضية لا تقترن ب “يجب” وليس يجب” بدل الرابطتين الوجوديتين المعهودتين في القضايا، أي: “يوجد” و”ليس يوجد”؛ وهذا التحول لا يكون مشعورًا به، لكنه، مع هذا، يكتسي أهمية بالغة؛ ذلك أنه لما كان اللفظ: “يجب” أو “ليس يجب” يعبر عن علاقة أو حكم جديد، كان ينبغي أن تُلاحظ هذه العلاقة وتُفسَّر وفي نفس الوقت أن يبين سبب هذا الذي يبدو غير معقول تمامًا، وهو كيف يمكن أن تَلزم هذه العلاقة الجديدة من أخرى تختلف عنها اختلافًا كليًّا”.

ومن خلال هذا النص يمكن استخراج مجموعة من الأفكار التي رأى بأنها الأسس التي انبنت عليه نظرية هيوم، ونعرضها كالآتي:

-أن أصحاب الأنساق الأخلاقية يقومون، وهم لا يشعرون، بانتقال غريب بين أنواع مختلفة من القضايا.

– أن هذا الانتقال الغريب هو عبارة عن تحول من قضايا وجودية إلى قضايا وجوبية

– أن هذا التحول من الوجود إلى الوجوب يتخذ صورة لزوم منطقي.

– أن هذا اللزوم الخاص يخالف المقتضى المعهود في اللزوم، وهو الانتقال من الوجود إلى الوجود.

– أن العمل بهذا اللزوم يستوجب الإتيان بتعليل له.

– أن حصول هذا اللزوم بغير تعليل هو أمر غير معقول البتة.

ويتحصل مما سبق أنه “لا نتيجة أخلاقية يجوز أن تلزم من قضايا خبرية أو، بمعنى أعم، لا نتيجة أخلاقية يجوز أن تلزم من قضايا غير أخلاقية كما إذا قال القائل: “في العلم منفعة للإنسان، فطلب العلم واجب (أو على طريقة المنطقيين: توجد في العلم منفعة للإنسان، فإذن يجب طلب العلم).

ومن ثم، تقرر أن “هيوم” يعارض كل تأسيس للأخلاق على أصول خبرية أو أصول غير أخلاقية، وبالتالي أنه أول من يدعو إلى استقلال الأخلاق”.

من خلال تحليل نظرية “هيوم” التي تدعي استقلال الأخلاق عن الدين، يتبين أن مفهوم الحس الأخلاقي الذي تقوم عليه هذه النظرية هو عبارة عن اقتباس لمفهوم الفطرة من النصوص المقدسة أو من نصوص رجال الدين، وهذا بموجب فلسفة هيوم التي تقر بأنه لا يمكن للعقل إدراك القيمة، مما يجعلنا نتساءل من أين أتى بها؟ وكيف أوصله عقله إلى إدراك أصل القيم جميعها (أي ما سماه الحس الأخلاقي)؟ وبعد أن وضح تناقض هيوم مع نفسه وعدم انسجام فلسفته مع قواعدها، لا يبقى إلا الاعتراف والتسليم بأن الخبر الإلهي هو المصدر الحقيقي للعلم بالقيمة الخلقية كما أن الفعل الإلهي هو السبب الحقيقي للشعور بها في الوجدان، لذلك صرح بأن هيوم وقع فيما يشبه تأليه الإنسان وتأنيس الإله، ومن هنا يتأكد أن فعل “هيوم” ليس عن فعل “كانط” ببعيد، حيث قام كل منهما بإلباس الدين ثوبًا علمانيًّا يخفي حقيقة وجوهر الحقيقة الإيمانية المؤسسة للأخلاق.

  • صلة الدين بالأخلاق

بعد أن اتضحت صلة الأخلاق بالدين في الفلسفة الغربية، تأكد أنها تقوم في فصلها على مبادئ ثلاثة، وهي:

– مبدأ التوجه إلى الإنسان، ومقتضاه ترك التوجه في التصورات والتصرفات إلى الإله والاقتصار فيها على التوجه إلى الإنسان، لكون هؤلاء يعتقدون أن الإنسان قادر على أخذ زمامه بيده دون الحاجة إلى قوة غيبية، وفي هذا دعوة إلى الانفصال عن الإله.

– مبدأ التوسل بالعقل، ومقتضاه ترك التوسل في الأفكار والسلوكيات بالوحي والاقتصار فيها على التوسل بالعقل، لاعتقادهم بأن العقل سلطان داخلي يملكه الإنسان لا حاجة له بسلطان خارجي يوجهه ويهديه، وفي هذا دعوة إلى الانفصال عن الوحي.

– مبدأ التعلق بالدنيا، ومقتضاه ترك التعلق بالأعمال والمعاملات بالآخرة والاقتصار فيها على التعلق بالدنيا، لاعتقادهم بأن الدنيا هي مستقر الإنسان ومآله، وفيها يكون صلاحه وفلاحه، وذلك بفضل ما يحقق من تقدم التقدم العلمي، أما الآخرة فيعتبرونها مجرد تضليلات ينبغي تخليص العقول منها عن طريق تنويرها، وفي هذا دعوة إلى الانفصال عن الآخرة.

فعن طريق هذه المبادئ الثلاثة أزالوا حجاب الدين عن الأخلاق، وألبسوها لباسًا دنيويًّا لا يناسب مقاسها فضلاً عن أن يناسب حقيقتها، لاعتقادهم بأن الأخلاق الدينية لا تتصف بالعقلانية والإنسانية كما لا تهتم بالدنيوية، لهذا نفوها عن الدين وأثبتوها للادين عن طريق علمنة المفاهيم الدينية.

إن قيمة الشعائر تُستمد من قيمة الآثار التي خلفتها تلك الشعائر، سواء أكانت جلية أو خفية، ومعقولية الآثار تتحدد بها معقولية الشعائر، وقيمة الشعيرة تتعلق بقيمة الخلق المنطوي تحتها، كما أن قيمة أداء الشعيرة مرتبطة بمدى تحقق الخلق في سلوك مؤديها، ومن هنا يتضح أن الأصل في الدين حفظ الأخلاق المنطوية تحت الشعائر، ومن ثم فإن الأخلاق ضرورات تتحدد بها هوية الإنسان ووجوده، لا كمالات يمكن الاستغناء عنها، فمعلوم أن خليقة الإنسان تتكون من الخَلق والخُلق، بحيث لا انفكاك لأحدهما عن الأخبار في تحديد هويته، من هنا يتأكد أن منبت الأخلاق الأصلي هو الدين.