يشير عدد من الدراسات إلى أن مستويات النرجسية -التي أدرجتها جمعية الطب النفسي الأمريكية بديلاً لجنون العَظَمة في عام ١٩٦٨- قد تزايدت في الأجيال الجديدة، ولا سيما جيل الألفية الحالية، مقارنة بالأجيال القديمة كجيلَي السبعينيات والثمانينيات، وأن ثمة علاقة إيجابية وثيقة بين ارتفاع مستوى النرجسية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا “فيسبوك” و”تويتر” و”إنستغرام”، التي باتت منصات للترويج للذات والاستعراض وسلوكيات جذب الانتباه؛ طلبًا للذة ناتجة عن التفاخر، والإعجاب الشديد بالذات، والخصال المميزة.

وهناك دراسة “ساديا مالك” و”ماين خان” (٢٠١٤م)، التي توصلت إلى أن الفيس بوك يعمل على إبراز النرجسية وتعزيزها، من خلال الخدمات التي يقدمها للفرد، لتجعله محط أنظار الجميع، وتشبع حاجاته الاستعراضية، وأن الإفراط في استخدام الموقع لدرجة الإدمان عليه، يزيد من مستوى نرجسية الفرد. كما جاء في دراسة “كاربنتر” (Carpenter) ٢٠١١م أن الأشخاص الذين تحصلوا على درجات مرتفعة في مقياس النرجسية، هم أكثر رغبة في استعراض أنفسهم والبحث عن الاهتمام من خلال إضافة عدد كبير من الأصدقاء الغرباء وإدراج صورهم، ويركزون على تحديثات الحالة والاطلاع على كل تعليق أو إعجاب فيما يخص مشاركاتهم.. كما أنهم أكثر عدوانية اتجاه التعليقات السلبية، ويشعرون بقلق عندما لا يحصلون على الاستحقاق والثناء والإعجاب من طرف الآخرين، فهم يرون أنفسهم يستحقون السند والدعم الاجتماعي من طرف أصدقائهم دون تقديمه لهم.

  • النرجسية كاضطراب في الشخصية

توصف النرجسية (Narcissism) بأنها حب النفس أو الأنانية، وهو اضطراب في الشخصية حيث تتميز بالغرور، والتعالي، والشعور بالأهمية ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين. الأمر الذي لا بد أن يذكّرنا بالأسطورة اليونانية، حيث يقع نرسيس أو نرجس في حب صورته المنعكس على سطح ماء البركة، فينشغل بها وينعزل عما حوله. وقد جسد عالم النفس المشهور Freud هذه القصة واستعرضها في كتابه الذي نشر عام ١٩١٤م بعنوان “Introduction on Narcissism” والذي يعد نقطة تحول في التحليل النفسي، وتأكيده أن الإنسان النرجسي يتميز بالغيرة من الآخرين والعجرفة عليهم.

وتشمل النرجسية مجموعة من الصفات الشخصية التي ربما يكون لدى أيٍّ منّا بعض منها، ولكن في الحالات الأكثر تطرفًا، يتم تشخيصها في خانة الصحة العقلية بأنها “اضطراب الشخصية النرجسية”.

١- السطحية في تناول الأمور.

٢- محاولة استغلال نقاط الضعف.

٣- حرص دائم على تجميل صورة الذات بشتى الطرق.

٤- الشعور بأهمية الإنجازات والمواهب التي يمتلكها إلى حد الاعتقاد بأنه فريد من نوعه.

٥- الشعور بالاستحقاق، أي توقعات غير معقولة من معاملة خاصة.

٦- حب استغلال الآخرين والاستفادة منهم لتحقيق أهداف خاصة.

٧- الافتقار إلى التعاطف مع الآخرين وإنكار احتياجاتهم والغيرة من نجاحات الآخرين.

ووفقًا لهذه السمات، تصبح الشخصية النرجسية شخصية معقدة نفسيًّا وسلوكيًّا، ولهذا يشار إلى أنها من أكثر “الشخصيات التي يصعب إرضاؤها أو التعامل معها حتى ولو من خلال الخضوع لها ولطلباتها”. لذا ينصح علماء النفس الاجتماعي بتجاهلها وعدم الخضوع لها، أو لمطالبها الزائدة عن الحد التي تثير “فيها حبها لذاتها، فلتتعلم هذه الشخصية العطاء قدر الأخذ”.

كما يصاحب الشخصية شعور غير عادي بالعظمة، يسيطر على صاحبها حب الذات وأهميتها، وأنه شخص نادر الوجود، أو أنه من نوع خاص فريد لا يمكن أن يفهمه إلا خاصة الناس. ينتظر من الآخرين احترامًا من نوع خاص لشخصه وأفكاره، وهو استغلالي ابتزازي وصولي، يستفيد من مزايا الآخرين وظروفهم في تحقيق مصالحه الشخصية.. وهو غيور، متمركز حول ذاته، يستميت من أجل الحصول على المناصب لا لتحقيق ذاته وإنما لتحقيق أهدافه الشخصية. ويميل النرجسيون نحو إعطاء قيمة عالية لأفعالهم وأفضالهم، والبحث عن المثالية في آبائهم أو بدائل آبائهم من حيث المركز والعطاء.

تظهر النرجسية أكثر، في مرحلتي الطفولة المبكرة والمراهقة؛ فالطفل في بداية حياته يركز على ذاته ومن ثم يعتمد على الآخرين، وهذا ما يعمل على ثبات النرجسية السوية. ومن ثم نجدها في مرحلة المراهقة كميزة طبيعية نتيجة التغيرات المهمة، خاصة التي تتعلق بصورة جسم المراهق وتكوين هويته ومفهوم ذاته، لذلك يحتاج المراهق إلى درجة من النرجسية، من أجل زيادة ثقته بنفسه، وتقديرها بشكل إيجابي. وفي هذه الحالة تعتبر نرجسية صحية، وخاصية مميزة من خصائص المرحلة، إلا أن هذه السمة قد تنحرف لتصبح اضطرابًا في الشخصية تتميز بتعظيم الذات والتركيز عليها فقط، بمعنى المبالغة في حب الذات وإنجازاتها.

فهناك خيط رفيع بين النرجسية وحب الذات المرضي، والثقة بالذات التي تعطي الإنسان التوازن الذي يحتاجه في الحياة دون التأثير سلبًا على علاقاته الإنسانية. فالشخصية النرجسية في الغالب، هي شخصية ينمو فيها حب الذات بشكل كبير، ليتحول إلى نوع من الإدمان. كما أن النرجسي هو من يبالغ في تقييم أفعاله مهما كانت بسيطة. ولا تجيد هذه الشخصية -عادة- بناء علاقات إنسانية سليمة، فكل ما يحتاجه صاحب هذه الشخصية ممن حوله، هو تعزيزهم لشعوره بالتميز والنجاح والجمال.

  • أنواع النرجسية

١- نرجسية المهمة: حيث يأتي إعجاب النرجسي بذاته من قدرات فكرية أو مهارات مميزة يمتلكها أو إنجازات متفوقة، فيتوقع جذب متابعيه نتيجة لذلك.

٢- نرجسية اجتماعية: حيث يُعجب النرجسي بنفسه من خفّة ظله وقدرته على سرد الحكايات المسلية، وعادة ما يهتم هذا النوع من النرجسيين بعرض الصور والتفاخر بجوانب سطحية في الحياة.

٣- نرجسية الجسد: حيث يعجب النرجسي بمظهره ويهتم بالجمال بصورة متطرفة كمشاهير هوليوود، وربما يجري البعض من فئة النرجسيين هذه، عمليات تجميل بمئات الآلاف من الدولارات لينالوا مزيدًا من الرضا والإعجاب.

ويحرص النرجسيون على إبراز الوجه الجميل والمثالي لحياتهم، بعرض صور وتفاصيل تبيّن -على سبيل المثال- نظامًا غذائيًّا صحيًّا، وممارسة يومية للرياضة، وصورًا أخرى للاحتفال بمناسبات اجتماعية، تساهم في إبراز علاقات متينة ومتميزة مع أفراد الأسرة والأصدقاء والمقربين.

ويعرف النرجسي جيدًا أنه لكي يصبح مشهورًا وجذابًا، لا بد من تجميع أكبر قدر من الأصدقاء والمعجبين، حتى لو كانوا غرباء وسطحيين. ولتحقيق مثل هذا الهدف، فإنهم ينفقون الكثير من الوقت على تعديل صورهم وإعدادها قبل نشرها.

  • النرجسية في عصر التواصل الاجتماعي

وفقاً لدراسات أُجريت عبر عقود، تصل النرجسية إلى الذروة في السنوات المبكرة من البلوغ، حيث يظهر التمركز حول الذات كمَلمح واضح لهذه المرحلة العمرية. كما تسجل العشرينيات من العمر درجات عالية من النرجسية، ولهذا يستخدم الشباب وسائل التواصل الاجتماعي بصورة أكبر، بوصفها مصادر لتعزيز الميول النرجسية. وفي الوقت الذي يفضل النرجسيون الصغار “تويتر”، يفضّل النرجسيون الكبار “فيسبوك”.

وكشف تحليل لعشرات الدراسات التي تناولت علاقة تقدير الذات والشعور بالوحدة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وعلاقة ذلك بالنرجسية بين مختلف الأجيال، أن أصحاب تقدير الذات المنخفض، والشاعرين بالوحدة بصورة أعمق، يستخدمون وسائل التواصل هذه بشكل أكبر، سواء في شرق العالم أو غربه. وإن كانت هناك بعض الفروق وفقًا للثقافة الجمعية والفردية، حيث يختلف النرجسيون الأمريكيون عن النرجسيين الآسيويين، كمثال، في طبيعة الموضوعات التي يطرحونها وعدد الأصدقاء والمتابعين. كما يتفوق النرجسيون الألمان على النرجسيين الروس بتسجيل قدر أكبر من الإعجاب.

وبيّنت دراسة أجريت في جامعة إيلون الأمريكية، موافقة غالبية من استطلَعت آراءهم على أن أخذ صور الـ”سيلفي” ونشرها على منصات شبكات التواصل الاجتماعي، تؤدي إلى تعزيز السلوكيات النرجسية والأنانية.

أما أهم دواعي نشر الصور، فهي أن الـ”سيلفي” يسمح لجمهورهم بمعرفة حياتهم الاجتماعية “الرائعة”، وتلقّي أكبر قدر من الإعجاب والتعليقات على الصور، أو الرغبة أن يراهم الناس “رائعين” كما يبدون في الصور.

وهناك من رأى أن الداعي إلى ذلك إثارة غيرة بعض الأصدقاء القدامى، بينما اعتقدت مجموعة أن الناس يهتمون بهم وبما يفعلون. وخلُصت الدراسة إلى أن جيل الألفية الجديدة يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، لا لخلق علاقات شخصية والحفاظ عليها فحسب، بل لتقديم أنفسهم على نحو مثالي. وأن كثيرين من هذا الجيل يشعرون بالحاجة إلى تقديم أنفسهم بطرق جذّابة ولافتة لانتباه الأنداد على وجه الخصوص.

  • مميزات وعيوب

أما ما يميّز هؤلاء النرجسيين، فهو تمتّعهم بسمات شخصية إيجابية، كالقدرة على القيادة والحشد والإيجابية، وصياغة جمل وشعارات بصورة لافتة للانتباه. ولأنهم لا يحتملون تجاهل الآخرين لهم، تكون حاجتهم إلى المشاركة في الأنشطة كبيرة. كما تسمح وسائل التواصل الاجتماعي للوحيد منهم بالمشاركة في شبكات ومنتديات وأنشطة واسعة المدى. ويسمح “يوتيوب” بتصوير أنفسهم وعرض ما يصوّرونه ويسجلونه من فيديوهات وإعلانات في العالم الافتراضي.

وعلى الجانب السلبي، توجد سمة الاستغلال، وشعور النرجسي باستحقاق الاحترام والاستعداد للتلاعب والاستيلاء على جهد الآخرين لكسب الأضواء بأنانية. فلا يسمح النرجسي -في الغالب- لمشاعر الآخرين وحاجاتهم بإعاقة تحقيقه أهدافه، مما يفسد علاقاته بالمقربين منه.

ومن سمات النرجسي أيضًا، الاستجابة بعدوانية ردًّا على أيّ تعليق يزدريه. ويغلب على كلماته الغضب والمشاعر السلبية مقارنة بالتفاعل الاجتماعي.

ويوجد نرجسي خفيّ، يعبّر عن نفسه بصورة سلبية وغير مباشرة، ويكون مستعدًا للتنازل. ويفتقد مثل هذا النرجسي الشعور بالأمان، ويتصف بالعدوانية السلبية والدفاعية والإيذاء. ويكون قابلاً للجرح ومنطويًا على نفسه.

  • علاج النرجسية

أثبتت بعض الدراسات وجود دليل على أن الإفراط في تقدير الأطفال ومدحهم من جانب الوالدين وبقية أفراد الأسرة، وغياب العلاقات الدافئة، من أسباب الإصابة بالنرجسية لدى الصغار. فوفقًا لنظرية التعلّم الاجتماعي، غالبًا ما يكبر الصغار نرجسيين مع شعورهم بالتفوق على الآخرين إذا بالغ الآباء والأمهات في اعتبارهم متميزين عن غيرهم من الأطفال.

وتحمل نظرية التحليل النفسي تفسيرًا يرى أن قصور الدفء الوالديّ يمكن أن يحوّل الأطفال إلى نرجسيين يسعون على الدوام وراء استقطاب تقدير من الآخرين لم ينالوا مثله من أسرهم.

ولهذا استحدثت تدريبات لمقدمي الرعاية للصغار المصابين بالنرجسية، كتدخّل علاجي يمنع تطوّر الحالات، وذلك عبر جلسات يستطلع خلالها المعالج خبرات الطفولة الماضية، ويصحح طرق التعامل والعلاقات بين الأطفال وذويهم.

لكن رغم اعتبار تدخّل التدريب الوالديّ فعالاً لعلاج تطور النرجسية في العمر المبكر، فإن هناك دراسات أشارت إلى صعوبة علاج النرجسية بعد أن تتطور؛ وذلك لأن النرجسيين عادة ما يقاومون التغيير، ويعتبرون أيّ ملاحظة توجه إليهم من جانب الآخرين نقدًا لاذعًا، ولكن ثمة دليلاً وجد على إمكان تغيرهم في نهاية المطاف.

ومن الناحية النظرية، يمكن تغيير النرجسيين بإكسابهم سمات كالرعاية والدفء، وغرس المبادئ الأخلاقية وتعزيزها في شخصياتهم. ففي دراسة أجريت على أزواج، ذكر بعضهم أن شعورهم بمزيد من الرعاية والدفء من جانب شركائهم، ساعدهم على أن يصبحوا أفضل، وأقلّ نرجسية مع الوقت.

وما يحمل أمل الشفاء، تطورات على صعيد العلاج الإكلينيكي للنرجسية، كالعلاج النفسي المتعلق بتنظيم الذات، والتحكم فيها، كمدخل علاجي يساعد على إعادة تقييم النرجسيين لسلوكياتهم في ضوء أهدافهم الشخصية. فإذا أنفقت فتاة وقتًا طويلاً على نشر صورها على “فيسبوك” لكسب الإعجاب وجذب تعليقات الأنداد -مثلاً- يطلب منها المعالج التفكير في سلبيات هذا السلوك، واقتراح طرق بديلة لبلوغ الأهداف نفسها، كالحصول على درجات مرتفعة في المدرسة. ولا تزال الجهود تُبذل لوضع مزيد من الإستراتيجيات الجديدة للتقليل من آثار النرجسية. 

________________________________________________________________________________________________________________

المراجع

(١) أمينة التيتون (٢٠٢٠): منصات التواصل الاجتماعي والنرجسية، مجلة العربي، العدد ٧٣٨، ص:١٦٤.

(٢) دويتش فيللا D.W (٢٠٢١): كيف نتعامل مع أصحاب الشخصية النرجسية؟ https://www.dw.com

(٣) Christopher J.Carpenter (2012): Narcissism on Facebook: Self-promotional and anti-social behavior, Personality and Individual Differences, Vol52.