هل بسطت ميزان فكرك، وفتحت نوافذ عقلك، وتداعت خلجات قلبك، لتقف على مظاهر النسق الكوني المتوازن من أبسط ذراته (إليكترون يدور حول بروتون)، لأثقل ذراته المعروفة؟ قوة جذب متوازنة تربط الإلكترونات “سالبة الشحنة” مع نواتها التي تتكون من نيترونات “متعادلة الشحنة”، وبروتون “موجبة الشحنة” توازن شحنة الإلكترون. وتدور الأرض حول نفسها، ولا نشعر بها لثقل كتلة الجبال، حيث يظهر ثلث “الأوتاد” عيانًا، أما الباقي فمغروس لتثبت قشرة الأرض، وليعتدل رمانة ميزانها. وهناك ميزان منضبط للتجاذب بين الأرض والكواكب الأخرى ونجمهم الشمس، فلو اقتربت الأرض نحو الشمس لاحترقت، ولو ابتعدت قليلاً لتجمدت. والمغناطيسية الأرضية وتأيُّن الفضاء في ميزان قويم حسب أطوار القمر. وتنخفض الفعالية الجيومغناطيسية عندما تصطف كواكب مجموعتنا الشمسية على خط مستقيم بين الشمس والأرض، ليشكل كوكب “الزهرة” حاجزًا في وجه الرياح الشمسية. ويخضع الحقل المغناطيسي للأرض لتغيرات متوازنة ساعة بعد أخرى مردها اليوم والشهر القمري.. مما يضبط الضوء والإبصار، وحظنا من طاقة الشمس، وانتظام الظواهر المناخية، وفترات المطر، وتدفق الأنهار، ونشاط النباتات، وسلوك الحيوانات، وحياة البشر.

  • ميزان الهواء والنبات

يتركب الهواء من ٧٨,٠٨٪ من غاز النيتروجين الخامل كيميائيًّا (على شكل N2؛ أي ذرتا نيتروجين مرتبطتان برابطة قوية)، والنيتروجين المستنشق يمرُّ في مجرى الدم دون استخدامه من خلايا الجسم، بيد أنه موجود في “الحمض النووي الريبوزي”، و”الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين”، وفي البروتينات. أما الأكسجين فنسبته ٢٠,٩٪ وهو ضروري لتنفس المخلوقات، ولو زادت نسبته لاشتعلت الحرائق. كما يحتوي الهواء على ٠,٩٣٤٪ من غاز الأرجون (مستقر ونادر في تفاعله مع مركبات أخرى)، و٠,٠٣٪ ثاني أكسيد الكربون، وغيرها من غازات نادرة النسبة. وتحافظ الجاذبية على بقاء طبقة الغلاف الجوي للأرض في مكانها، مما يمنعها من الفرار إلى الفضاء، كي تمثل حاجزًا يمنع كميات كبيرة من أشعة الشمس من الوصول إليها وحرق كل شيء. وبميزان دقيق كاف لحياة البشر والنبات، يصل كميات محدودة من الأشعة “الضارة”، كالأشعة السينية، وفوق البنفسجية. إذ تعمل الأخيرة على تطهير الجو، والملابس، والمفروشات، من الميكروبات وقشور الجلد وغيرها.

ولا يوجد نمو لورقة من نبات أو غصن ما لم يكن ضمن “منظومة” من التوازن والتناسق والتناسب، ولذلك ترى شكل أغلب النباتات منتظمًا متماثلاً لو أخذت فيه مقاطع هندسية متعددة. ويتوازن قطر الساق (وطوله ودرجة تخشبه) مع ما يحمله من أغصان وثمار. أما حوامل الثمار وقشرتها ودرجة تصلبها، فتتوازن مع طبيعة مكوناتها غضة أو صلبة أو ما بينهما. كما أن هناك توازنًا بين أداء أعضاء النبات كافة؛ فالجذر لا يمتص من التربة عنصرًا واحدًا ولو بكمية متناهية في الضآلة، إلا لحاجة النبات له. كما لا يجري النبات تفاعلاً كيماويًّا واحدًا إلا إذا كان بحاجة إليه، ولا تصنع الأوراق جزيئًا واحدًا من المواد الكربوهيدارتية إلا بقدر الحاجة إليه. كما يمكن لكثير من الأشجار أن تلعب دورًا مهمًّا في “التوازن البيئي” نظرًا لخاصيتها الكبيرة في النمو في الظروف المناخية القاسية وفي تربة ذات ملوحة عالية نسبيًّا. فالنخلة -على سبيل التمثيل- تعتبر “رئة العالم” ومن أكبر الأشجار حجمًا، حيث اقتناص كمية كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، وإطلاق غاز الأوكسجين، مما يجعل لها دورًا في حل مشاكل الاحتباس الحراري وتغيرات المناخ.

  • ميزان نسل الكائنات الحية

من تراب، ثم “زوجية تكاملية توازنية” في النبات والحيوان والطير والإنسان لإحداث تنوع هائل في أشكال الحياة.. وأودعت -بخاصة في البشر- غرائز ودوافع و”متع” كمكافآت مسبقة لتحمل أعباء العناية بالنسل، فلو حلَّ محلَّ “المتعة” شيءٌ مؤلم، أو طلب الإنسان المتعة لذاتها “دون تبعاتها”، لما تحقق استمرار النسل قط. إن من وضع قانون استمرار النسل، هو عينه من “وازنه” بوضع “الحوافز” المسبقة، ثم خلق عشرات الملايين من الكائنات الحية بمختلف الأشكال والأحجام، وبأعداد يصعب حصرها لكل نوع، ثم تأمين الغذاء لهذه الكائنات الحية لتبقى أعدادها في توازن تام لملايين السنين. وانظر للكائنات الحية، فهي في تزايد مستمر عدديًّا، ويكون التوازن بميزان الموت والنفوق. ولولا البكتيريا، والفطريات، والطحالب، والخمائر، والأعشاب، والهائمات النباتية، والنباتات الراقية، والجوفمعويات، والرخويات، والأسماك، وخراف، وأبقار البحر، والحشرات، وسباع الطير، والثعابين، والسحالي، والفئران، والقطط، والكلاب.. لأصبحت الحياة -تربة وماء وهواء- غير ممكنة، ولما استمرت في نقاء. إنهم يُنظفون البيئة تنظيفًا طبيعيًّا، ويحللون الأبدان البشرية، والحيوانات والطيور الضعيفة والمريضة والنافقة، والمخلفات الحيوانية، والنباتات الميتة، والقمامة، والمواد الهيدروكربونية في الماء والبقع النفطية، كما يُصلحون ما تفسده أيدي بعض البشر.

  • توازن السلسلة الغذائية

ما يقرب عن مليوني نوع معروف من الكائنات الحية المبثوثة فوق كل موضع قدم على سطح البسيطة، ولها نصيبها المُقدر “بخاصة الغذاء والماء”، ميزانهم دقيق، وتصميمهم بديع.. أمم وممالك، أجناس وأفراد، أنواع وأشكال، وأحجام وتأقلم ليتخذ بعضها بعضًا طعامًا وغذاءً؛ ولولا هذا التأقلم المتوازن بين تصميم أجسامها لتناسب البيئات المختلفة، وتكتسب أقواتها لانحصر عيشها في مناطق محددة، وتقتات معظم الكائنات الحية غذائها قوتها يوميًّا، ولا تحمل هم رزقها في اليوم التالي. وتصف “السلسلة الغذائية” مسار انتقال الطاقة مصدرها الأساس هو الشمس، في شكل غذاء، من كائن لآخر. فعلى سبيل المثال، هناك “المنتجون” كالنباتات، والطحالب، والعوالق النباتية، وبعض أنواع البكتيريا القادرة على إنتاج طعامهم للحصول على طاقتهم بأنفسهم، ومعظم المنتجين يستخدمون طاقة الشمس “في عملية التمثيل الضوئي”؛ لإنشاء طاقة ومواد مغذية.

ثم يأتي “المستهلكون” الذين يأكلون المنتجين وهم ثلاثة: حيوانات عاشبة (الغزلان، والأرانب، والخيول، والأبقار، والأغنام، وبعض الحشرات) مستهلك رئيس يأكل النباتات فقط. والنوع الثاني: آكلات اللحوم التي تأكل الحيوانات فقط، كالقطط، والصقور، وأسماك القرش، والبوم، والعناكب. أما النوع الثالث: الحيوانات “القارتة” التي تجمع بين أكل الحيوانات والنباتات، مثل الدببة، والبشر، والراكون، ومعظم الرئيسيات، والعديد من الطيور. وتنتهي السلسلة الغذائية عند “المفترسين” في القمة، كالأسود، وأسماك القرش البيضاء، والصقور، والوشق الأحمر. وينتهي توازن السلسلة الغذائية بالمحللات -في التربة والماء، وسبق الإشارة إليها- التي تأكل المواد المتحللة من النباتات والحيوانات الميتة، وتحولها إلى تربة غنية بالمغذيات التي تستخدمها النباتات لإنتاج غذائها؛ لتبدأ سلسلة غذائية جديدة. وبالطبع يمكن أن يكون كل كائن حي جزءًا من سلاسل طعام متعددة. وجميع السلاسل الغذائية المترابطة والمتداخلة في النظام البيئي، هي “شبكات” متوازنة بدقة بالغة.

  • موازين في جسم الإنسان والحيوان والطير

إنها موازين كثيرة متنوعة نشير سريعًا لأمثلة لها. يوجد نحو ١٠٠ تريليون خلية في جسم الإنسان، هل شعرت بوظائفها الأساسية التي تتآزر مع بعضها البعض؟ كما تشكِّل كلُّ مجموعة متجانسة ومتوازنة من الخلايا، نسيجًا يكوِّن أعضاء متناسقة، ثم أجهزة كاملة متميزة تعمل بموازين دقيقة لتحافظ على عافية الأبدان. وإذا اشتكي منها عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر. ومن مظاهر هذا التوازن إفراز الجسم “للسيتوكينات والانترلوكينات والانترفيرونات”، لتقاوم الجراثيم أو سمومها التي تغزو الجسم. ويتأكد هذا التوازن حين تتأمل أداء أجهزتك وعلاقتها بدماغك، فسيعتريك شعور مدهش من جمال التناسق والتكامل فيما بينها. فإذا واجهت موقفًا عصيبًّا يرتفع هرمون الأدرينالين (الهرمونات رسائل كيميائية توازنية دقيقة)، ليزيد من معدل ضربات القلب وضغط الدم، وإنتاج الجليكوجين في الكبد، وإمدادات الطاقة، مما يساعدك على الهجوم أو الهروب من ذلك الموقف الخطير. ويتم إنتاجه في الغدة الكظرية بعد إرسال أدمغتنا رسالة مفادها أننا نواجه وضعًا متوترًا. وعندما يتراجع الخطر، ترسل إشارات مهدئة لا تستجيب للإجهاد.

وجينيًّا ووراثيًّا، يشرف الحمض ريبي منقوص الأكسجين (دنا DNA) على تكوين الحمض ريبي النووي (رنا RNA)، ثم بعث رسائل لتكوين البروتينات النوعية، والإنزيمات الخلوية. يوجد نحو مائة وأربعين ألف جين توسع سعة ميزان تكوين عدد كبير من البروتينات والإنزيمات الخلوية المتناسقة، التي تهيمن على التفاعلات الكيميائية الخلوية وتحفز استقلاب السكريات والدهون والبروتينات. وعندما يزداد تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في السائل خارج الخلوي، يتم معادلة ذلك بزيادة التهوية الرئوية، مما يؤدي لخفض تركيزه وإعادة ميزانه لنسبته الطبيعية. وبالمقابل يؤدي انخفاضه لحدوث “إشارات راجعة” تزيد من تركيزه ليبقى ميزانه معتدلاً.

وهل وقفت على معدل زيادة خلايا الدم الحمراء، وخضاب الدم عند سكان الجبال المرتفعة توافقًا مع العيش في بيئة منخفضة الضغط الجزئي قليلة الأكسجين؟ بينما يؤدي العيش في بيئة باردة إلى فرط نشاط الغدة الدرقية بهدف زيادة معدل الاستقلاب وزيادة توليد الحرارة لتدفئة البدن. ويعمل هرمون الثيروكسين من الغدة الدرقية، على سرعة التفاعلات الاستقلابية الخلوية، يؤثر تركيز الكالسيوم في مصل الدم، في ظهور هرمون الغدّة المجاورة للدرقيّة. وهل استوقفك اختلاف لون الجلد في البيئة الباردة وفي البيئة الحارة، وكذلك تغيُّرات طول الإنسان كملامح من التوازن الجسدي؟

ولاحظ عندما يرتفع ضغط الـدم الشرياني، يحدث تحـريض مستقبلات الضغط التي تحفز خفضه، بينما يسبب هبوطه حث سلسلة استجابات تؤدي لارتفاعه عبر زيادة نتاج القلب والمقاومة الوعائية المحيطية، وتحريض مركـز العطش، وإفـراز الهرمون المضاد للإبالة (للإدرار). ويتوافق ضغط الدم الشرياني ومستويات سكر الدم مع مواقف اليوم المجهدة، وذلك بقيادة هرمون الكورتيزول الذي يزداد صباحًا (بين ٦-٨ صباحًا)، وينخفض مساءً. ويؤثر تركيز الجلوكوز في مصل الدم، في إنتاج الأنسولين لتوفير الطاقة اللازمة، فيسهِّل دخول الغلوكوز واستقلابه في الخلايا. وتزامنًا مع نواتج المعدة وإفرازات البنكرياس الخارجية؛ تُفرِز الأمعاء الدقيقة هرمونات لتحفيز أو تثبيط المعدة والبنكرياس توازنًا مع مدى نشاطها. وإجمالاً، إن من خلق كل ما نراه ونسمعه ونتذوقها ونلمسه ونتخيله، هو نفسه مَن وهبنا “ميزانها”: حاسة البصر والسمع والتذوق والإحساس والوجدان. وإن “الرحمن الرحيم” الذي خلق الكائنات المحتاجة إلى “الرحمة”، هو نفسه من وهب الإنسان مشاعر الرحمة والشفقة.

إن كل هذه الأمثلة السابقة من توازنات في جسم الإنسان، لها نظائرها المتعددة والمتنوعة في باقي المخلوقات؛ فمثلاً هل كان للطير أن تكتسي ثوبًا أكثر توازنًا مع طيرانها من الريش؟ ولو تتبعت شكل أجنحتها ومساحتها، وعظامها الخفيفة الجوفاء بالغة القوة والمرونة معًا، وتناسب ثقل أجسامها، وشدة عضلاتها الصدرية، وتكوين رئتيها الأسفنجية، وشعبها وأكياسها الهوائية المتصلة بها لكفاءة تبادل الغازات وتخفيف وزن الطائر، لوجدت ميزانًا من ذهب يزن بدقة كل تكوينات وخصائص الطير العجيبة.

  • دلالات ميزان المخلوقات

ذرات الكون ومجراته، سماؤه وأرضه، هواؤه وماؤه، آفاقه وأنفسه، كائناته الحية وجماداته، في توازن عجيب، وتناسب دقيق، وميزان مُتقن.. وإن الإنسان سائح، والكون معرض للمشاهد الملونة، ومكتبة زاخرة مطروحة لنظَره وتأمّله وسياحته. وهذا السائح أُرسل إلى هذا العالم لكي يقرأ هذه الكتب، ويزيد في معرفته. هذه السياحة الممتعة لا تتيسر للإنسان إلا مرة واحدة. وهي الوحيدة التي تكفي صاحب العقل الرشيد، والقلب اليقظان لإنشاء جنَّات كجنَّات عدن، وكجنَّات “إرَم ذات العماد”. أما الذين يعيشون مغمضي العيون، فلا تكون سوى لحظة عابرة تأتي ثم تمضي سريعًا”(١)

________________________________________________________________________________________________________________

الهوامش

(١) الموازين أو أضواء على الطريق، محمد فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ٢٠٠٦، ص:٣٥.