هل المثقف اليوم، وفي ظل المتغيرات الحديثة، خاضع لتحولات المجتمع، أم هو مؤثر في مجتمعه ومساهم في تغيير واقعه؟

سؤال يطرح كثيرًا في دور المثقف الذي ساهم المجتمع وساهمت الدولة في تكوينه علميًّا وأدبيًّا وتقنيًّا، في ظل تزايد عدد المثقفين والموضوعين في هذه الخانة (المثقف)، بفعل التخرجات الكثيرة من المعاهد والجامعات والمؤسسات التربوية والمهنية، وهي فئات تعد في المجتمع العربي بالملايين لا بالآلاف. فقد يبدو للبعض بل للكثيرين أن المثقف مجرد عالة على المجتمع إذا هو لم يحصل على وظيفة من الوظائف العمومية، وغالبًا ما تجده عالة على أسرته ووالديه في كثير من الأحيان، وهو ما يدعو إلى السؤال: ما جدوى الثقافة إذا كانت تُخَرّج هذا النوع من المثقفين؟

  • من هو المثقف؟

السؤال الأساس الذي ينبغي أن ننطلق منه هو حول مفهوم المثقف، وهو سؤال تفرضه الوضعية الصعبة التي يعيشها اليوم مَن يطلق عليه اسم “مثقف”، في غياب تأثيره بل وتغييبه عن هذا الواقع وعن هذا المجتمع.

ليس المثقف بالضرورة كاتبًا أو شاعرًا أو فنانًا أو معلمًا أو طالبًا جامعيًّا.. فتلك صفات ترتبط بمهمة معينة أو بوظيفة يؤديها الإنسان، وإنما يذهب عالم تاريخ اللغات (La Philologie) الفرنسي “أوغست كارتول” (Auguste Cartaul) إلى اعتبار المثقف “هو ذلك الذي يضع ذكاءه وعلمه في خدمة كل الوظائف والكليات (les Facultés) من حوله”؛ بمعنى آخر، هو ذلك الذي يوظف ثقافته في خدمة العالم من حوله.

وتربط بعض الأدبيات الأخرى خاصة منها المثقف السياسي (Intellectuel) بطبقة الانتلجنتسيا (Intelligentsia) والتي تنسجم لغويًّا مع كلمة “النخبة” (élite) بمفهومها السياسي، ومن ثمة يكون الاهتمام السياسي والمشاركة السياسية من أبرز مقومات المثقف، انطلاقًا من كون التسمية ترتبط بالسياق الروسي حيث ظهرت كلمة (Intelligentsia) لتعني “النخبة” التي لديها رؤية خاصة للواقع السياسي.

بناء على هذين الرأيين، فإن مفهوم المثقف يرتبط بالوظيفة التي يقوم بها في مجتمعه، وهي وظيفة اجتماعية بالضرورة، وبذلك نشأت صورة المثقف لدى الفيلسوف الإيطالي “غرامشيط” (A. Gramsci) حين أكد على الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها المثقف لمجتمعه بغض النظر عن تكوينه العلمي أو الأكاديمي، وكذلك جاء مفهوم “الالتزام” (l’engagement) عند “غرامشي”، أي الالتزام بالقضايا الاجتماعية، وهو التزام عبَّر عنه عدد من المثقفين المشاهير أمثال “سارتر” (J. P. Sartre) في انتقاده للسياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، و”ميشيل فوكو” (M. Foucault) الذي دافع عن المساجين، و”نعوم تشومسكي” (N. Chomsky) الذي يدين اليوم، السياسة الأمريكية في كتاباته؛ وبذلك فإن الالتزام ليس بالمفهوم الاجتماعي الضيق، بل إنه التزام بالدفاع عن الإنسان، بغض النظر عن البيئة أو الانتماء العرقي أو الأيديولوجي.

إذن، ليس كل من حصل على شهادة جامعية -مهما كان نوع هذه الشهادة- هو مثقف بالضرورة، إذا لم تُفده في المساهمة في تغير المجتمع وبنائه، بل إننا إذا عدنا إلى التاريخ وجدنا أن عددًا كبيرًا من هؤلاء الفلاسفة والمفكرين الذين ساهموا في بناء الحضارة الإنسانية بكتاباتهم وأفكارهم، لم يحصلوا على شواهد جامعية عليا. وفي هذا السياق يرى “طه حسين” أن الأديب الذي يغيب عنده الالتزام الاجتماعي ما هو بكاتب. ومهما تعددت الطرق والمدارس التي يتأثر بها الأديب، إلا أن قيمة ما يكتبه ترتبط بالوجهة التي ينبغي أن تمتزج فيها الوظيفة الجمالية بالوظيفة الاجتماعية؛ ولعل في ذلك بعضًا من مفهوم التطهير عند “أرسطو”.

إن المثقف، انطلاقًا من هذه المقدمة، هو بالضرورة ذلك الذي يساهم في تغيير المجتمع وفي التأثير في ما حوله من قضايا، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا كان المثقف قادرًا على تكوين نفسه تكوينًا أكاديميًّا، ثم تكوينًا اجتماعيًّا كافيًا.

  • المثقف وهاجس الوظيفة

إن معظم المثقفين يرون في ما يحصلون عليه من شهادات جامعية، له دافع واحد هو الحصول على وظيفة، وإذا كان هذا من حقهم طبعًا، إلا أن انتظار الوظيفة وتغييب الأدوار الأخرى يبقى مشكلاً وعائقًا أمام قيام هذا المثقف بمهامه الأساسية. نعم، يجب أن يكون هناك نضال من أجل الحصول على وظيفة، لكن لا بد من أن يقترن هذا النضال بالعمل، وهذا العمل ينبغي أن يتجاوز البحث عن الخبز اليومي إلى خدمة المجتمع، حيث لا بد أن يقترن نضال المثقف بالواقعي وباليومي في إغاثة المظلومين والمهمشين في المجتمع، لأن غنى المثقف وثروته الحقيقية هي قدرته على الإنتاج والكتابة والتعبير والنضال بالكلمة وبالفعل أيضًا، وهذا ما لا يمتلكه عامة الناس.

إننا حين نجد أن الأساتذة -مثلاً- والطلبة والموظفين والفنانين لا ينتجون نصًّا واحدًا، نقف مدهوشين أمام من يجدر به أن يكتب وأن يعبر وأن ينتقد إذا لم يكن الأستاذ والطالب والموظف، فإذا أنتج كل من مكانه ومن مقر وظيفته وعمله لا بد وبدون شك أن يوصل صوته، ولا بد أن يقترن المثقف بما حوله وليس مجرد ما يعيشه هو، فيبكي للقتيل، ويحزن للفقير، ويتألم للجائع، ويدافع عن حقوق المستضعفين والمنبوذين.

  • كيف يؤثر المثقف في مجتمعه

١- الكتابة والإنتاج الثقافي:

إن تأثير المثقف في المجتمع يتم من خلال الإنتاج الذي يقوم به إبداعًا أو فكرًا قبل أن يتحول ذلك إلى الفعل، وتعتبر الكتابة جزءًا لا يتجزأ من هذا الإنتاج البنّاء. فالكتابة جزء لا يتجزأ من عمل المثقف، والكتابة هنا نعني بها التعبير بشتى أوجهه، وقد أسهمت الرقمية في إيصال صوت الجميع عبر الإنتاج الأدبي والفني وغيره؛ لأننا إذا عدنا إلى سِيَر المثقّفين الكبار الذين غيروا تاريخ أوربا، نجدهم كانوا مبدعين وكتّابًا مهما كانت تخصصاتهم، في الطب أو الفيزياء أو الفلسفة أو الأدب، بل إن الكتابة كانت بينهم سجالاً، كما هو الحال بالنسبة لـ”سارتر” و”كامي” في القرن الماضي، حيث كانا يتنافسان في الإبداع رواية ومسرحًا وفكرًا وفلسفة، فكان التأثير واضحًا في أجيالهما.

إن الكتابة يمكنها أن تُجدي إذا كانت تمس حقيقة الواقع وتطرح الحلول لتغييره، ولا يمكننا أبدًا أن ننصت إلى مثقف صامت، فالكتابة بإمكانها أن تغير على المدى القريب أو المدى البعيد.

٢- المثقف والفعل:

“أن أكون يعني أن أفعل، ونحن دائمًا نختار كيف نفعل”، هذه المقولة لـ”سارتر” تلخص المعنى الوجودي للمثقف، فالفعل ضرورة حتمية بالنسبة للمثقف، فلا يمكننا أن ننصت لناقد أو كاتب لا أثر له في الواقع بالفعل والعمل والممارسة، في حين أن المثقف الممارس يكون قوله أوضح وأبلغ.

والفعل يكون عبر بوابات متعددة، وعبر مؤسسات متباينة، منها جمعيات المجتمع المدني، التي ينبغي أن تؤسَّس لهذا الغرض، ومنها النقابة التي ينبغي أن تسهم في التغيير. وعلى المثقف الموظف الانخراط الفعلي في النقابة، التي لم يكن دورها هو الدفاع عن خبز الموظف فقط، وإنما كان من أدوارها تكوين المثقفين، وإن كنا للأسف الشديد نرى أن الكثيرين اتخذوا النقابة مطية سلبية للوصول إلى المناصب، فلا بد أن يكون للنقابة دور أساس في التغيير من خلال الوقوف على التكوينات العلمية للمساهمة في الالتفاف حول الطبقة العاملة وتحقيق آمالها.

إن الناس الفقراء والمعوزين والأميين يرون في المثقف أداةً للإصلاح وللتغيير، وإن المثقف الصامت في الواقع، يساهم في استمرار الأوضاع على ما هي عليه، لذلك لا بد من الحركة من أجل التغيير، ولتكن البداية من التنظيم الذاتي والإصلاح الذاتي وتحقيق الذات بمختلف الطرق الإيجابية؛ فالمثقف الذي لفظته الوظيفة العمومية، يمكنه أن يؤسس بمعية باقي المثقفين مقاولات أو مشاريع تنموية تضمن تشغيل باقي زملائه، عوض التعويل على الدولة.

إن حاجة الأمة إلى الإصلاح اليوم تبدو أكثر من أي وقت مضى، للحاق بالدول المتقدمة، وإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المثقفين، ولن يتحقق ذلك إلا بالفعل وبالتأثير الإيجابي في الواقع لأجل التغيير، وليس بمجرد الانصياع لما تأتي به الحياة.