جذور اللغة العربية في العلوم الطبية

كان الاهتمام الأول للإنسان هو التخلص من الآلام والأمراض التي تهدد راحته، لذا اهتم بالعلاج وبحث في شؤون الشفاء فتولد علم الطب، ولما تقدمت الحضارة اعتنى بالجراحة والتشريح لمعرفة ما خفي عنه من جسم الإنسان. تطور الطب تطورًا كبيرًا مع تقدم الحضارة، وعنيت الحضارة الإسلامية عناية كبيرة بالطب وكانت من أهم جذور الطب الغربي الحديث.

إن اهتمام الأطباء المسلمين بالطب دعاهم إلى التأليف والترجمة من اليونانية رغم انتشار فكرة تحريم التشريح لأنه “تسليخ”، لهذا تصدى ابن رشد لهذه الفكرة فقال: “إن معرفة الأعضاء بالتسليخ تقرب من الله تعالى، واستشهد بالآية الكريمة (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) (الذاريات:٢١)، ومعنى هذا أنه مارس التشريح. ومثْله عمل أبو القاسم الزهراوي؛ فقد وصف الدورة الدموية الصغرى وصفًا لا يمكن فيه الاجتهاد النظري، وهو الوصف الذي خالف فيه ابن سينا وجميع أطباء عصره.

إن التطبيق العملي للطب، دل على دقة الطبيب ورغبته في التأكد من عمله. وكان أبو القاسم الزهراوي في طليعة جرّاحي المسلمين وصاحب مدرسة في الطب؛ لأن معلوماته ووسائله وآلاته شكلت أسس الجراحة الحديثة، وهو أول من فصل الجراحة عن الطب الباطني، وأول من خاط الأعضاء بخيوط مصنوعة من الأمعاء، وأول من بتر بين رباطين، وأول من أوصى بجعل الأطراف السفلى أعلى من الرأس عند إجراء العمليات الجراحية في البطن.

ولم يكن الزهراوي منفردًا في اهتمامه بالجراحة، فقد ذكر المؤرخون فضل تقدم الجراحة إلى مروان بن زهر، لأنه أول من اهتم بدراسة العظام والكسور. وقد ألف ابن القص كتابًا سمّاه “العمدة في الجراحة”، وألف صالح بن نصر الله الحلبي بن سلوم كتاب “الغاية في الجراحة”.

وقد استعمل المسلمون آلات جراحية متعددة، فلكل آلة عملٌ يختلف باختلاف الجراحة، وتدل دقة صناعتها على الحذق والدقة والتجارب العملية، ولكثرتها نذكر بعضها كي لا نطيل:

١- النشاب وسنابير الستبل.

٢- الظفرة.

٣- منجل التأكيل.

٤- محك الجرب.

٥- منشار القطع.

٦- مكمدة الحشاو.

٧- نوار النسا.

٨- مفتاح الرحم.

إضافة إلى المباضع والمدورات والقاطع للدم، وغيرها.

وقد قام الأطباء بعدد من عمليات الجراحة الناجحة، وبقيت كتب الطب العربي تُدرَس في الجامعات الغربية، ومن الطريف أن مكتبة كلية الطب في باريس، لم يكن فيها غير كتاب واحد هو “كتاب الحاوي للرازي”. فقد أعطى الرازي في مؤلفه الحادي عشر كل مترجم حقه، سواء كان يونانيًّا أم فارسيًّا أم هنديًّا أم عربيًّا. وقد كان الكتاب مقيدًا بسلسلة ضخمة خوفًا من السرقة، ولما أراد الملك لويس الحادي عشر استعارته لمعالجته وأسرته عودل الكتاب بالذهب والفضة.

  • الكتب العربية في الجراحة

إن كتب ابن سينا، والزهراوي، والرازي، وغيرهم من أطبائنا، كانت مراجع الدراسة التي اعتمد عليها الغرب في نهضته المعاصرة. وكان كتاب “القانون في الطب” مصدرهم في الدراسة حتى فاق الاعتماد على كتب اليونان مثل جالينوس وأبقراط، وظهرت نسخة منه مترجمة في ميلانو سنة ١٤٧٩م.

وقد طبع بعد المنصوري والحاوي، ووصلت طبعات القانون العشرين طبعة حتى القرن السابع عشر، وكان “الكتاب الملكي” شاملاً لعلوم الطب، وهو خير من أنار طريق الطب لأطباء الغرب. كما أعطى الزهراوي الأندلسي في كتابه “التعريف لمن عجز عن التأليف” خلاصة تجاربه في الجراحة، بما يمكن أن نعدّه مؤسس علم الجراحة في الغرب، وآخر طبعة لكتابه كانت في أكسفورد سنة ١٧٧٨م. ولا بد من ذكر ابن زهر الأشبيلي الذي ألف “التيسير في المداواة والتدبير” ليضاهي ابن رشد في كتبه.

من دراسة هذه الكتب العربية في الجراحة يمكن أن نعرف بصورة دقيقة تطور تاريخ اللغة العربية في الطب والعلوم. ومن الطريف أن العالِم “هارت مان” كان مكلفًا بـ”الكتاب الملكي” لـ”علي بن عباس”، ولما حصل عليه علِم بأنه مترجم إلى اللاتينية. والحق أن علماء الغرب المنصفون ذكروا فضل العرب والمسلمين وعلومهم، على حضارتهم؛ مثل هونكة، وكوستاف لوبون، وأوديت بتي.. وقال المنصفون إن “ابن النفيس” اكتشف الدورة الدموية قبل “وليم هارفي” بأربعة قرون.

إن دراسة لغة الأطباء العرب وتطورها التاريخي خير مصدر لتاريخ اللغة العربية، إضافة إلى كتب الهندسة والفلك والعلوم المتنوعة التي قامت حضارة الغرب عليها، فعسى أن تدرس لغة هذه الكتب التي ألفها العرب لمعرفة جذور تاريخ اللغة العربية العلمي وتطوره.

  • بين التراث والمعاصرة

كنت أظن أن عودة “رفاعة رافع الطهطاوي” وتأسيس مدرسة الألسن سنة ١٨٣٩م في الأزبكية، هي بداية دخول العلوم الغربية وترجمتها إلى الشرق العربي، ولكني وجدت بداية جيدة لتاريخ اللغة العربية الحديثة في الهند، ولذا يجب العناية بها لمعرفة تاريخ اللغة العربية الحديثة في المدارس الإسلامية التي درست الطب والعلوم في اللغة العربية.

وقد استعانت المدارس الحديثة في عهد “الطهطاوي” بهذه الحركة الهندية الإسلامية، وجلبت بعض الكتب الطبية التي كانت تدرس في تلك المدارس، ومن هذه الكتب “أنيس المشرحين” الموجودة نسخة منه في دار الكتب المصرية في طبعته التاسعة، وهي مدار هذا المقال الذي يظهر أن الدكتور “هوبر روبرت” صاحب كتاب “أنيس المشرحين”، يقول فيه: “وله ذيل في الألفاظ الإنجليزية وترجمتها إلى العربية، كُلْكَتَّة ١٨٣٦م”.

وباستعراض اسم “هوبر” من الأطباء، تبين أنه ولد في عام ١٧٧٣م وتوفي عام ١٨٣٥م، وكان طبيبًا دائم الترحال بين أمريكا وجنيف، وقد طبع كتابه في لندن عام ١٨٠٤م، ولم تظهر القرائن أية علاقة له بـ”كُلْكَتَّا” ولا بشركة الهند الشرقية. ولعل المستشرق الإنجليزي “جون تايتلر” كان قد حمل الكتاب معه إلى مدينة “كلكتا” أثناء عمله مع شركة الهند الشرقية، ثم بدا له أن يترجمه وقد فعل. ومن آثار “جون تايتلر”، “الفصول الأبقراطية في الأصول الطبية”، لمترجمها “حنين بن إسحق” (كلكتا ١٨٣٢م).

كان خليفة عبد اللطيف -ويبدو أنه من علماء الهند- أعان “تايتلر” على ترجمة ووضع ذيل “أنيس المشرحين”، مستندًا إلى كتب الزهراوي الطبيب الجراح المعروف في أوروبا، والمعروفة كتبه في باريس وبال والأندلس وغيرها من البلاد الغربية.

ما يقوي ما ذهبنا إليه، أن خليفة عبد اللطيف هو عالم من علماء الهند لا مصر، بما قاله الدكتور أحمد خان: “لم يقم أحد أو قُلْ لم يستطع أحد من المستشرقين هنا، أن يخرج كتابًا عربيًّا محققًا دون مساعدة عالم من علماء الهند، وعلى الرغم من خدماتهم الجليلة ومساعدتهم الوافرة، لا يعرفهم إلا القليل في شبه القارة فضلاً عن خارجها” (معجم المطبوعات).

الدليل القوى الثاني، أن خليفة عبد اللطيف هو الذي وضع الذيل وترجمه، وما تشهد به القرائن والسنن الجارية في ذلك الوقت؛ أن الدكتور “براون” -وهو فرنسي من أركان مدرسة الطب في القاهرة- كان قد وضع كتاب “الجواهر السنية في الأعمال الكيماوية” في ثلاثة أجزاء وطبع في القاهرة عام ١٢٦٠هـ، وألحق به ذيلاً وجعله معجمًا للمصطلحات الكيماوية التي وردت في الكتاب، ورتب هذا الذيل على حروف المعجم وترجمها الشيخ محمد عمر التونسي.

الدليل الثالث، أن أسماء الكتب المسجوعة نفسها تشهد أمثال هذين العالمين خليفة عبد اللطيف ومحمد عمر التونسي، الأول عارف بالإنجليزية والعربية، والثاني عارف بالفرنسية والعربية، وكلاهما عمل في قلم الترجمة دون ريب بوجه من الوجوه.

إن طبع كتب الطب، مثل مؤلفات عبد اللطيف البغدادي، والمجوسي، وابن سينا، اهتم واعتنى بها المستشرقون مثل برتن، وستارلنج الذي اعترف بفضل ابن النفيس في اكتشاف الدورة الدموية، وهو دليل على أن تاريخ اللغة العربية الحديثة مرتبط بأصولها في القديم، وهو حلقة ضرورية بين التراث والمعاصرة.

  • جهود مدرسة الطب العربية

إنه هو العمل نفسه الذي قام به علماء الأزهر بمساعدة الأجانب الذين ألفوا أو حاضروا في اللغات الأجنبية، فقد ذكر ذلك الدكتور الخطيب في الدورة السادسة والخمسين لمجمع اللغة العربية قائلاً: “وكانت جهود مدرسة الطب في القاهرة أخذت تثمر غنى العربية بآلاف المصطلحات على مدى ستين عامًا (٨٢٧ – ٨٧٨م)، ونجح مدرسوها بهمة الدكتور “بيون” منذ تأسيسها في ترجمة قاموس القواميس الطبية، وهو أضخم وأشمل معجم حضاري في مجلداته، فيه مصطلحات العلوم.

وقد حمل هذا المعجم اسم “الشذور الذهبية في المصطلحات الطبية”، ولم ينشر منه إلا حوالي مئة صفحة بإشراف الدكتور أحمد عيسى سليمان التونسي بإلحاح من الطبيب الفرنسي وتلميذه برون الذي قام بنشرها. وكان هذا العون خير وسيلة لتطور تارخ اللغة العربية، وفي هذا المعجم قائمة بالمصطلحات وما وضعها الشيخ التونسي تسجل تاريخ اللغة العربية في هذه الفترة. وفي “أنيس المشرحين” قام خليفة قبل هذا التاريخ بوضع المعجم، وشرح في المقدمة كيف فرق بين المصطلحات بإشارات واضحة وضعها لكل لغة فرنسية أو إنجليزية أو يونانية.

وحاليًّا تقوم جامعة الدول العربية من خلال مجلس وزراء الصحة العرب، بمشروع قومي كبير بإنشاء مؤسسات ومراكز علمية؛ لتعريب العلوم الصحية لتدريس الطب باللغة العربية كما كان سابقًا في كل الجامعات العربية. 

________________________________________________________________________________________________________

(*) أستاذ جراحة التجميل المتفرغ والعميد الأسبق لكلية طب الإسكندرية / مصر.