النفس ينتابها الملل والتعب نتيجة الجهد المبذول في العمل طوال اليوم، فإن لم يخفف الإنسان عن نفسه ويروح عنها، فإنها تصاب بالكلل والعمى، وتفقد حلاوة الحياة ولذيذ العيش، والإسلام دين يدعوا إلى النشاط في العمل والجدية فيه، لا الكسل والخمول، ولكي يعود الإنسان إلى نشاطه وحيويته، لا بد من الترويح عن النفس، إما بحركة رياضية، أو بالمداعبة والملاطفة للزوجة والأولاد والمرح مع الأصدقاء والأحباب، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قدوتنا في هذا المقام؛ فقد كان يروح عن نفسه، ويداعب زوجاته ويلاطفهم، ويلاعب الأطفال ويداعبهم، ويمزح مع الكبار؛ ولأجل هذا فقد أقر الإسلام أنواعا من الألعاب الرياضية والترويحية أن يمارسها المسلم ليجد ترويحًا وتخفيفًا عن النفس، ومن هذه الرياضات والألعاب:

1- العدو: وهو تدريب على المشي بسرعة، وهو معتبر في كثير من الأندية الرياضية، والألعاب الترويحية. وقيمة العدو، كرياضة ترويحية، محببة إلى النفس الإنسانية، كما هي لياقة بدنية تؤثر في تشكيل بنية الإنسان وصحته العامة، ورياضة الجري تروح عن النفس تعبها، وتحد من الاكتئاب، وترفع من الثقة بالنفس، وتقوي العضلات، وتشعر الإنسان بالسعادة وتفتح الشهية، ورياضة الجري، أو العدو ليست بدعًا من الأمر، فالنبي الكريم سابق أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها، ففي الحديث قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أبدن، فقال الناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال لي: “تعالِ حتى أسابقك” فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال: “وتعالِ حتى أسابقكِ” فسابقته فسبقني، فجعل يضحك، وهو يقول: هذه بتلك” (رواه أحمد). فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يروح عن نفسه، وعن زوجاته.

2- السباحة: عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت ابن عمير الأنصاري يرميان، فمل أحدهما المجلس. فقال له الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو، أو سهوٌ إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه لفرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة” (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير).

3- الرماية: تعد الرماية من الرياضات المهمة بالنسبة للنشء، جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من تعلم الرمي، ثم تركه فليس منا وقد عصى” (رواه مسلم)، وتعد رياضة الرماية من الرياضات المحببة إلى النفس، وقد شجع النبي عليها وشارك فيها، لما لها من الفوائد الروحية والصحية، ففي الحديث، عن يزيد بن أبي عبيد، قال: سمعت سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا ارموا، وأنا مع بني فلان” قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما لكم لا ترمون؟ “قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ارموا فأنا معكم كلكم” (رواه مسلم).

4- ركوب الخيل والمسابقة عليها: إن العرب من قديم الزمان بحكم ظروف البيئة مشهورون بالفروسية، والخيول العربية، وهي خيول مشهورة في العالم، لأنها أصيلة وكان الناشئة لا يصل إلى الثامنة حتى يحكم عليه أن يتعلم ركوب الخيل، ولأهمية رياضة ركوب الخيل أقسم الله بها، قال الله تعالى: “وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) العاديات: 1-5)، ولابأس أن يلعب الأطفال والكبار كرة القدم والسلة والتنس وغيرها من الرياضات، والألعاب التي تقوي الجسم وتخلصه من الرواسب والفضلات ويكون مردودها الطيب على عقل الناشئة وصحته العامة.

وفي مداعبة الأطفال والترويح عن النفس، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الناس وأكثرهم شفقة وحنانًا، وكان الحسن والحسين يركبان على ظهره ويطوف بهما، وفي أحد الأيام دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان الحسن والحسين على ظهره، فقال ابن الخطاب لهما: “نعم الفرس تحتكما” فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ” ونعم الفارسان هما “(الهيمثي مجمع الزوائد). فرسول الله صلى الله عليه وسلم على علو منزلته، وقدره بين الناس، وعند ربه، لا يأنف أن يجعل نفسه جملاً، أو فرسًا ملاعبة لهما، وترويحًا عن أنفسهما، فقد كان يحبهما حبًّا جمًّا. ذات مرة دخل على السيدة عائشة رضي الله عنها، فوجدها تلعب بالبنات مع صواحب لها، فيدفع بهن ليلعبن مع عائشة، ففي الحديث، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي” (رواه البخاري). ولا مانع أن يروح المسلم عن نفسه بكل ما هو مباح، مما لا يخالف مبادئ الشريعة وتعاليمها السمحة، ففي الحديث، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض مغازيه، فجاءت جارية فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب على رأسك بالدف. فقال: “إن كنت نذرت فافعلي وإلا فلا”. قالت: إني كنت نذرت. قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربت بالدف” (رواه أحمد).

كان النبي صلى الله عليه وسلم ودودًا لطيفًا، لا يجد حرجًا أن يداعب الأطفال، ويروح عنهم، ويلاعبهم، ففي الحديث، عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير قال: أحسبه فطيمًا، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ نغر كان يلعب به، فربما حضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه، فيصلي بنا” (صحيح البخاري).

وتأتي أم خالد طفلة صغيرة تداعب النبي صلى الله عليه وسلم ويداعبها، ويروح عنها، فيدعوا لها بطول العمر والبركة فيه، ففي الحديث، “أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي، وعلي قميص أصفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سنه سنه – قال عبد الله: وهي بالحبشية: حسنة – قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزبرني أبي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي. قال عبد الله: فبقيت حتى ذكر، يعني من بقائها“ (رواه البخاري).

وتأتيه عجوز، وتقول: يا رسول الله ادع الله لي أن أكون من أهل الجنة، فقال لها ترويحًا عن النفس وتخفيفًا عنها: “لا يدخل الجنة عجوز، فبكت المرأة العجوز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أخبروها أنها ليست يومئذ عجوز، أنها يومئذ شابة” إن الله عز وجل يقول: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} (البيهقي).

والتلطف بالصبيان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا قدم من السفر يتلقاه الصبيان فيقف عليهم، ثم يأمر بهم فيرفعون إليه منهم بين يديه، ومنهم من خلفه، ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم، فربما تفاخر بعضهم بعد ذلك فيقول بعضهم لبعض: حملني رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين يديه وحملك أنت ورائه” (الغزالي: الإحياء، ج 2، دار الفكر، ص219).

وفي مداعبته صلى الله عليه وسلم للأطفال وملاعبته لهم ترويحًا عن النفس، روي عن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله، وعبيد الله، وكثيرًا من بني العباس، ثم يقول: “من سبق إلي، فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم ويلزمهم” (رواه أحمد)، يربط النبي صلى الله عليه وسلم المداعبة واللعب بالرياضة المفيدة للجسم والعقل، فيروح عن النفس في آن واحد، حتى أنه يضع الجائزة للفائز مرغبًا ومشجعًا.

ويحكي أنس بن مالك كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يروح عن النفس بما يمتلك من روح المداعبة والملاطفة، ففي الحديث، عن أنس رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس، أذهبت حيث أمرتك؟، قال: قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله” (رواه مسلم).

ومداعبة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقف عند الأطفال وحدهم، بل كان يداعب الكبار ويلاطفهم، ويروح عنهم، ففي الحديث، عن أنس، أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، وكان يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن زاهرا باديتنا، ونحن حاضروه” وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يحبه، وكان رجلاً دميمًا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوما، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرجل، قال: أرسلني، من هذا؟، فالتفت، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من يشتري العبد؟” فقال: يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: “لكن عند الله غال” (أخرجه أحمد).

 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الرومانسية والمداعبة، تأتي زوجة النبي “عائشة” المحببة إليه في الصدارة، والتي كان يسابقها لتغلبه، ويغازلها بلقب يا “عائش” و”عويش”، ويا “حميراء” ويشرب الماء وشفتاه مكان شفتاها، تعبيرًا عن حبه لها، وخاصة في وقت حيضها ليؤكد لها حبها، ففي الحديث، عن عائشة: كنت أشرب من القدح، وأنا حائض، فأناوله النبي، فيضع فاه على موضع في، فيشرب، وأتعرق من العرق وأنا حائض، فأناوله النبي، فيضع فاه على موضع في” (رواه مسلم).

ومداعبة النبي صلى الله عليه وسلم وملاطفته لزوجاته لا تنتهي، يقول للسيدة عائشة كلما مر عليها: “حبي لكِ كعقدة في حبل، فتضحك هي، ثم كلما مرت عليه سألته: كيف حال العقدة يا رسول الله؟، فيقول: كما هي” (رواه الدار قطني).

ولم ينس النبي أن يروح عن زوجاته، حسب رواية لعائشة حينما دعاها النبي لتشاهد كيف يرقص أهل الحبشة بالحراب في المسجد، فتقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا، فسمعنا لغطًا وصوت الصبيان، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت، فوضعت ذقني على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه فقال لي: “أما شبعت، أما شبعت” قالت: فجعلت أقول لا لأنظر منزلتي عنده؟، قالت: إذ طلع عمر، فارفض الناس عنها” قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر” قالت: فرجعت.(رواه الترمذي).

المزاح والترويح عن النفس لم تخل منه حياة النبي صلى الله عليه وسلم الزوجية، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بخزيرة قد طبختها له، فقلت لسودة والنبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها: “كلي، فأبت، فقلت: لتأكلين أو لألطخن وجهك، فأبت فوضعت يدي في الخزيرة، فطليت وجهها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع بيده، وقال لها: الطخي وجهها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لها، فمر عمر فقال: يا عبد الله، يا عبد الله، فظن أنه سيدخل، فقال: قوما فاغسلا وجوهكما، قالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم” (مجمع الزوائد للهيثمي).

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، يعيش الحياة الزوجية كإنسان أكثر منه نبي فكان يغتسل مع زوجته في إناء واحد، فيبادرها وتبادره، حتى يقول لها: “دعي لي، وتقول له: دع لي”(البخاري). ومن حب النبي لزوجاته قبول وتقدير غيرتهن، فكان النبي قد استضاف مرة بعض أصحابه في بيت عائشة، فأبطأت عليه في إعداد الطعام، فأرسلت زوجته أم سلمة طعامًا فدخلت عائشة لتضع الطعام الذى أعددته فوجدتهم يأكلون، ففي الحديث عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: “غارت أمكم” ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت” (رواه البخاري). تتعدد وسائل الترويح عن النفس وتتنوع، فلا مانع أن يروح المسلم عن نفسه، لكي يتجدد نشاطه، ويستأنف عمله، وينسجم مع أسرته ومجتمعه.