صعد الإنسان إلى القمر، وأماط اللثام عن أسرار عديدة في الفضاء وعلى الأرض، لكن رغم ذلك ما تزال العديد من الظواهر التي تبدو بسيطة، لم يستطع العلم فك طلاسمها حتى الآن. ومن هذه الطلاسم، ظاهرة “التثاؤب” التي حيرت العلماء، ولم يجدوا لها تفسيرًا شافيًا حتى الآن. فقد بدأ الكثير من العلماء والباحثين في إجراء العديد من الدراسات لحل لغز ظاهرة التثاؤب. ما هو التثاؤب أصلاً؟ ولماذا يقوم الإنسان بالتثاؤب؟ وهل التثاؤب مفيد أم لا؟

التثاؤب حركة لا إرادية ومُعدية، نقوم بها جميعًا في كل وقت وكل مكان، والهدف منها ملء الرئتين بالهواء إلى أقصى حد. وفيها يفتح الشخص فاه بشدة، لدرجة يكون فيها حجم فتحة البلعوم أكبر بأربع مرات من حجمها في الأوقات العادية. ويستمر التثاؤب حوالي ست ثوان، تتقلص فيها عضلات الوجه والرقبة، ويصاحبهما إغلاق للعينين، وخلال ذلك تتوقف جميع المعلومات الحسية لفترة من الوقت تكفي لعزل الشخص عن عالمه تبعًا لمدة التثاؤب، ومن الصعب محاربة الرغبة في التثاؤب عند الشعور به.

عندما نتثاءب، نقوم بسحب الهواء البارد من خلال الأنف وتجاويف الفم، ويقوم هذا الهواء بالاتصال بالأوعية الدموية التي تحمل الدم مباشرة إلى الدماغ، وموجة الهواء هذه تُبرد الدم، وبالتالي الدماغ.

وقد أظهرت الأبحاث العلمية، أن أدمغتنا تصبح أكثر سخونة قبل أن نغفو، وعلى الفور بعد أن نستيقظ. وهذا ما يفسر لماذا نقوم بالتثاؤب قبل الذهاب للنوم، ومباشرة بعد الاستيقاظ، وبالتحديد قبل أول فنجان قهوة صباح.

لماذا يقوم الإنسان بالتثاؤب؟

الحقيقة أن الرغبة في التثاؤب تحدثُ غالبًا عند حُدوث نقصٍ في كمية الأكسجين، وزيادة كمية ثاني أكسيد الكربون داخل جسم الإنسان، ما يبعثُ شعورًا بالتعب والخمول، فيبدأ الدماغ بإرسال إشاراتٍ إلى الرئتين لبدء عملية التثاؤب. التثاؤب فعل نقوم به في الغالب يوميًّا، ولا يعرف العلماء يقينًا سبب حدوثه، ولا الأسباب التي تجعل التثاؤب سلوكًا معديًا بين الكائنات الاجتماعية مثل البشر. ويعتقد بعض العلماء، أنه فعل انعكاسي يقي الرئة من الضمور، في حين يفسر علماء النفس أن التثاؤب دليل على الصراع بين النفس ومغالبتها للنوم من جهة، وبين الجسد وحاجته للنوم من جهة أخرى. والتفسير الأكثر شيوعًا هو أن التثاؤب يحصل عندما يكون مستوى الأوكسيجين منخفضًا في الجسم، مع ارتفاع مستوى ثاني أكسيد الكربون.

فوائد التثاؤب

ومن فوائد التثاؤب أنه يجبر المرء على استنشاق كمية إضافية من الهواء، ونتيجة ذلك يتفتّح المزيد من الحويصلات الرئوية التي لا تنفتح بالتنفس العادي، وبهذا يجدّد الهواء في تلك الحويصلات وينشط عملها، ويوسع الرئة، ويحسن مستوى الأوكسيجين في الدم، ويساعد المخ في مواجهة مواقف متغيرة، ويزيد من فاعلية المفاصل والعضلات والقلب، ويؤدي إلى الشعور باليقظة ويمنح الجسم بالنشاط المؤكد.. كما أن التثاؤب يعصر كيسي الدمع الملتحقين بالعينين عصرًا قويًّا فيجدد ما فيهما من مفرزات، ويطرد ما قد يكون تراكم فيهما من أملاح، وبهذا يمنع انسداد قنوات الدمع.. وربما كانت للتثاؤب فوائد أخرى ما زلنا نجهلها. أظهرت دراسة أجريت عام 2015، ونُشرت في مجلة “كوغنيتيف برين ريسيرش” المتخصصة في أبحاث الدماغ المعرفي؛ أن الشبكات المسؤولة عن التعاطف والمهارات الاجتماعية في المخ، تنشط عندما نرى أحدًا يتثاءب.

عدوى التثاؤب

التثاؤب هو أكثر الحالات انتقالاً بالعدوى على الإطلاق، إذ يكفي أن يتثاءب شخص واحد في مكان به جمع غفير من الناس ليتثاءبوا جميعًا خلال لحظات. كما أنه ليس بالضرورة مشاهدة شخص يتثاءب حتى تبدأ بالتثاؤب، إذ يكفي التفكير به فقط.. وقد توصّل باحثون من جامعة “ديوك” في “دورهام” بولاية “نورث كارولينا”، إلى أن التثاؤب عند مشاهدة آخرين يفعلون ذلك يرتبط بالسن وليس بقدرة الأفراد على التعاطف كما كان يعتقد العلماء سابقًا. فقد أظهرت دراستهم أن التقدم في السن له علاقة أقوى بظاهرة التثاؤب المعدي من التعب ومستويات الطاقة، كما أن المرضى الذين يعانون من التوحد وفصام الشخصية، أقل قدرة على التأثر بالتثاؤب. وقد تمت الدراسة على 328 مشاركًا بعرض فيديو مدته ثلاث دقائق يظهر أشخاصًا يتثاءبون، وعلى المشارك أن يضغط على الزر في كل مرة يتثاءب فيها. ووجدت الدراسة أن نسبة التثاؤب تزداد في من تقل أعمارهم عن 25 سنة، حيث تثاءب 82% منهم، بينما وصلت النسبة إلى 60% في الأعمار بين 25-49 سنة، ووصلت إلى 41% في من تزيد أعمارهم عن 50 سنة.

نظريات وفرضيات

ظهرت العديد من النظريات حول أهمية التثاؤب للجسم، منها:

أ- زيادة اليقظة: حيث تزيد حركة التثاؤب من اندفاع الدم إلى المخ، عن طريق انقباض عضلات الوجه وتحفّز المنطقة العصبية في المخ، التي تلعب دورًا رئيسيًّا في زيادة الوعي، مما ينقلنا من حالة عدم التركيز والشرود إلى حالة اليقظة مع زيادة التركيز والذاكرة الجيدة، بل وأيضًا يساعدنا التثاؤب في التخلص من الشعور بالنعاس على عكس ما كنا نعتقده قديمًا.

ب- النظرية التنفسية: والتي تقول بأن الجسم يُحدث التثاؤب ليتمكن من جلب المزيد من الأكسجين أو طرد ما يتراكم من ثاني أكسيد الكربون، لكن صواب هذه الفرضية لا يتوافق مع ملاحظة أننا نتثاءب أثناء التمارين الرياضية. وقد اختبرت هذه الفرضية من العالم النفسي “روبرت بروفين” من جامعة “ميريلاند” وأحد خبراء التثاوب، ووجد أن إعطاء مزيد من الأكسجين لمجموعة من الناس لا ينقص التثاؤب، كما أن إنقاص كمية ثاني أكسيد الكربون في بيئة تنفس هؤلاء الناس لم يمنع حدوث التثاؤب. وهذا الأمر لا ينطبق على الأجنة، فقد كشف التصوير السمعي أن الأجنة بدءًا من الشهر الثالث تتثاءب لدرجة يخال فيها المرء أن فكّها سينتزع من مكانه. وعلى الرغم من ذلك فإن الجنين لا يسحب أدنى جزئية من الأوكسجين.

جـ- تحسين الحالة المزاجية: يرفع التثاؤب مستوى بعض المواد الكيميائية المسؤولة عن السعادة، ويسبب بطء موجات المخ، ويساعد على استرخاء العضلات، وبالتالي يخفف الضغط النفسي ويساعدنا على الاسترخاء.

د- تبريد الدماغ: يتأثر مخ الإنسان بالحرارة مثله مثل الحاسب الآلي، لذلك فهو بحاجة إلى آلية تبريد تقيه من أضرار السخونة المفرطة لكي يعمل بشكل أفضل. وقد قام بعض العلماء بافتراض نظرية أن التثاؤب يساعد على تبريد المخ، وتعتبر هذه النظرية الأكثر منطقية؛ لأن الدراسات -فعلاً- أثبتت أن المخ يفكر بكفاءة أعلى في درجات الحرارة الباردة عن الساخنة. ولاحظ العلماء أن الجيوب الفكية الواقعة على جانبي الأنف، تمتلئ بالهواء مثل المنفاخ وتبرّد المخ.

فقد أظهرت دراسة علمية أن “التثاؤب يرسل هواء باردًا إلى العقل فيجعله في حالة يقظة”. كما أظهرت ذلك دراسة أخرى نقلها موقع “أبوتيكن أومشاو” الإلكتروني، أجريت على الحيوانات عام 2010، وفيها تثاءبت الفئران في كل مرة ارتفعت فيها درجة حرارة أدمغتها، وانخفضت حرارة أدمغتها بعد التثاؤب، ثم أُجريَت تجارب مشابهة على البشر، حيث كانت درجات الحرارة خارج الجسم أكثر منها داخله. ووجد الباحثون أن الإنسان أقل تثاؤبًا في هذه الحالة التي يكون فيها دماغه أبرد من المحيط الخارجي. وفي دراسة أخرى لوحظ أن البشر إجمالاً يكونون أكثر تثاؤبًا في فصل الصيف. لذلك فإن هذه النظرية ما زالت تطرح أسئلة مفتوحة في حاجة إلى إجابة، وما زالت الأبحاث متواصلة لحل لغز التثاؤب والتوصل إلى تفسير أكيد لهذه الظاهرة.

بقي أن نعرف أن التثاؤب الزائد قد يكون علامة مرضية، فهناك أمراض كثيرة تزيد من التثاؤب، مثل الأمراض العصبية التنكسية المزمنة مثل مرض الرعاش والجلطات الدماغية ومشكلات فص المخ الأمامي وزيادة ضغط المخ والصرع، وغيرها من الأمراض العصبية. كما أن بعض الأدوية قد تزيد من التثاؤب، مثل بعض مضادات الاكتئاب وهرمون الإستروجين. أيضًا قد تزيد الحمى من التثاؤب وكذلك التهاب السحايا الحاد والفشل الكلوي وفشل الكبد ونقص الغدة الدرقية وتقرحات المعدة وغيرها.

لغز غامض

احتار العلماء في تفسير عدوى التثاؤب التي قد تجتاح مجموعة من الأفراد يتواجدون مع بعضهم في وقت واحد. وقد خلصت دراسات عديدة حاولت تحليل هذه الظاهرة إلى نتائج متضاربة تجعل العلم لا ينجح فعليًّا في فهم هذه الظاهرة تمامًا. التثاؤب ليس شيئًا من اختراع البشرية، وليس شيئًا مُقتصرًا على جنسنا البشري، بل يشمل العديد من الكائنات الأخرى، بما في ذلك الكلاب والقطط والقرود ومجموعة واسعة من الثدييات الأخرى. التثاؤب هو تكيّف تطوري، موجود عند البشر منذ ملايين السنين، وبما أنه ظاهرة عالمية، فإنه لا بد أن يكون شيئًا مفيدًا أو إلى حد ما ساعد من أجل البقاء. في حين أنه لا يوجد تفسير جاد وسريع لطبيعة التثاؤب المعدية، إلا أن أفضل تخمين هو أنه وسيلة لا إرادية للتواصل مع الآخرين. في الأساس، فإنه إذا شاهدت شخصًا ما يتثاءب أمامك، فهناك فرصة جيدة لكي تعاني من نفس الظروف، وتقوم بتبريد دماغك بالمثل.

ويرتبط التثاؤب بجانب من إنسانيتنا وهو التعاطف، فعندما نرى شخصًا ما يتثاءب، يتم مباشرة تفعيل نظام الخلايا العصبية المرآتية للمخ، وتولد أجسادنا التثاؤب بشكل عفوي ردًّا على ذلك.

فيما نتثاءب عندما نشعر بالتعب أو عندما نشعر بالملل أو عندما نشعر بالجوع، لكن الأسباب الحقيقية والوظيفة الدقيقة للتثاؤب ما تزال لغزًا. ومن المدهش أنه من الموضوعات التي لم تلق التوثيق الكافي في عالم العلم، فلا يزال التثاؤب وأسبابه موضع دراسة لم تنته إلى حسم كل الأسئلة حوله بالأدلة القاطعة.. إنه لغز عصي عن الحل.