كل دعوات نبذ التطرف والكراهية لا يمكن أن يتأسس بناؤها إلا على قيمة التسامح بمنطلقاته ومفاهيمه المستنبطة بما جاء في الوحيين: القرآن الكريم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن خلال هذا البحث، سنحاول الوقوف عند بعض هذه المقاصد العليا للشريعة الإسلامية التي يتحقق من خلال الاهتداء بهذه القيمة.

1- تحقيق وحدة الوطن وتماسك أفراده

المفتاح الأساسي لوحدة المجتمعات هو في تماسك وترابط أفراده، وهذا لن يتأتى دون استحضار قيمة التسامح في المجتمع بكل تجلياته وضرورياته؛ الدينية والفكرية والاجتماعية.

فالتسامح الديني يسمح بالتعايش بين أفراد المجتمع رغم اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم. فالحرية الدينية في بلاد المسلمين أصل كفله الشرع الحكيم لجميع أهل الديانات الأخرى، ولا مانع من تعايش أهل الديانات الأخرى ببلاد الإسلام في إطار من التآخي والمحبة ونبذ العنف.

أما التسامح الفكري فيؤسس للبنات الحوار البناء بين أفراد المجتمع، المبني على شرعية الاختلاف دون تحقير أو إهانة أو فرض للرأي الآخر، وهو الكفيل بتطور المجتمع وتحقيق الوحدة بين أفراده، وترك الخلافات الفكرية لأصول المحاججة والمناظرة العلمية الرصينة التي تقبل الرأي والرأي الآخر.

وبالتسامح الاجتماعي يتحقق البناء والتطور، لأنه يقوم على التعاون بين مكونات المجتمع، ويعمل على تأسيس أسر متماسكة وموحدة قائمة على المودة والرحمة.. فيظهر أثر كل ذلك في وحدة المجتمع وتماسك أفراده، وبالتالي تحقيق التطور والإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.

2- حفظ المودة ونبذ الكراهية

من مقاصد التسامح، نسيان الإساءة، ومعناه عدم ردّ ما يتعرض له المسلم من إساءة وأذى بمثله، امتثالاً لخطاب القرآن: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) (النور:22)؛ أي، عما تقدم منهم من الإساءة والأذى، وهذا من حِلمه تعالى وكرمِه ولطفِه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم.

فنسيان إساءة الماضي بكامل الإرادة، يرتِّب آثارًا طيبة في المجتمع، وهو مقصد مهم في الإسلام الذي يدعونا إلى التخلي عن رغبتنا في إيقاع الأذى بالآخرين لأي سبب قد حدث في الماضي، ويدعونا لنفتح أعيننا لرؤية المحاسن بدلَ المساوئ، وأن نحلِم على الناس بدلَ أن نحاكمهم وندِينهم، فنرفع تكلف الحرج والضيق عنهم، ويكون سببًا في صلاحهم ونفعهم.

إن حفظَ المودة بين الناس ونبذَ الكراهية، يقوم على أساس التراضي والتوافق بين الناس، وهو يسهم في استمرار العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين الأفراد والجماعات، لأنه يزيل الكراهية. فلا يمكن أن يحصل البيع والشراء والقرض والدّين وباقي العقود والتصرفات والمعاملات دون أن يكون هناك سماحة، فهذا مما يحفظ المودة. فالسلام يُبنى على المودة لا على الكراهية، ولا مودة بلا تسامح، ولا سلام بلا مودة.

لذلك ينبغي أن نُفهم شباب المسلمين أهمية التسامح في الحياة الأسرية؛ لأنها تتضمن معاني حفظ المودة فيقع التأثير الإيجابي في سلوك الأطراف المؤسسة للأسرة، ويعود الأثر على المجتمع، فيتعدّاه إلى المنتظم الدولي الذي يعاني من سلوك الأفراد الذين نشأوا في بيئة غير متسامحة، يسود فيها الحقد والكراهية والتطرف والعنف.

3- إعطاء الحقوق والعدل فيها

لا يمكن فهم التسامح أنه تنازُل عن الحق أو تساهل فيه، بل هو إعطاء الحق والعدل فيه. فالتنازل بين الزوجين لتحقيق الصلح، لا يمكن فهمه إلا في إطار تحقيق مصلحة استمرار العشرة، وبناء أسرة متماسكة وقوية. وكذلك الأمر بين أفراد المجتمع؛ فالتنازل عن الحقوق وإعطاؤها تسامحًا، يتضمن مصلحة تحقيق المودة والمحبة والرحمة، فهم مطالبون بإعطاء الحقوق قبل طلبها.

وقد أعطى الإسلام المثالَ الصادق لذلك؛ فكان يعطي الحقوق قبل طلبها، فأعطى أهل الملل والأديان حقَّ البرور والصلة والعدل بهم، فقال سبحانه: (لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8)، ولم يطلبوا ذلك، بل أعطاه لهم ابتداء ما داموا لم يقاتلوا ولم يحاربوا المسلمين، ولم يعتدوا عليهم بإخراجهم من ديارهم.

كما اعترف الإسلام بتواجد اليهود بالمدينة المنورة؛ فوثيقة المدينة اعترفت بيهود بني عوف وبني ثعلبة وبني النجار، وبحقوقهم السياسية وحريتهم الدينية، واعتبارهم مواطنين كغيرهم من المسلمين.. فلم تحرمهم من أي حق لا ابتداء ولا انتهاء.

فلم يأتِ هذا العطاء بعد المطالبة أو تحت الضغط، بل جاء انطلاقًا من اعتبار قيمة التسامح عطاء وجُودًا. فالمعطي والعادلُ في الحقوق هو المتسامِح دائمًا.

فإذا فهمنا هذا المعنى، ونزّلنا هذا المقصد في حياة الناس، تحقق ذلك التعايش المراد بين أفراد المجتمع.

4- التنازل لمصلحة راجحة

تحاول أغلب الدراسات الحديثة ربط التسامح باحترام حقوق الآخرين وحرياتهم، وإبعاده عن مفهوم التنازل لما يحمله من دلالات سلبية. بل اتجهت بعض الدراسات إلى ربط دفع غير المسلمين للجزية في بلاد الإسلام بمفهوم التسامح القائم على التنازل. بينما نجد أن من مفاهيم التسامح في السنة النبوية؛ المساهلة، واللين والتيسير والرفق، وكلها توافق وتؤكد معنى التنازل الذي يحقق مصلحة. جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار؟” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “كل هيِّن ليّن قريب سهل” (رواه الترمذي). فكان المتسامح سهل الجانب لين النفس، ميسّرًا للأمور غير معسر ولا مشدّد.

ونضرب المثل بتنازل أحد الزوجين عن بعض حقوقه مكرُمة منه وسماحة؛ من أجل استمرار العلاقة الزوجية، فيتم الترجيح بين مصلحة راجحة ومرجوحة، وبالتالي إخضاع التنازل لمنطق الترجيح، وهو أصل مقاصدي في الشريعة الإسلامية يقوم على الترجيح بين المصالح، أو المصالح والمفاسد لدرء ما عظم من هذه الأخيرة فتقدّم. وهو نفس المعنى الذي تأصل في صلح الحديبية، حين قدم النبي مصلحة إجراء الصلح مع قريش، مع تنازله عن كتابة اسم الله على وثيقة الصلح وصفته النبوية. فهذا الصلح يؤكد معنى جليلاً في التسامح، وهو التنازل في الصلح لمصلحة.

فمن الآثار الطيبة التي يحققها إعمال قيمة التسامح في المجتمع، الترجيح بين المصالح، والتنازل لمصلحة راجحة يتبيّن تحققها في الواقع، فيتم تطبيق هذا المبدأ في العلاقات الدولية التي تربط المسلمين بغيرهم، فتمتد يد التسامح لكل من يظهر في التعامل معه مصلحة ظاهرة للإسلام والمسلمين.

5- تحقيق السلم الاجتماعي

إن دعوة الإسلام إلى فضِّ النزاعات والصراعات والحروب، والجنوح للإصلاح بين الناس والشعوب عمومًا، في مثل قوله سبحانه: (وَإِنْ جَنَحوا للسلمِ فَاجْنَحْ لها) (الأنفال:61)، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلوا فِي السلم كافة) (البقرة:208)، إرشاد لفهم أهمية السلم في حياة البشرية جمعاء، وأهمية ما يوصل إليه ويؤثر فيه إيجابًا وسلبًا. وهو خطاب للمسلمين سواء كانوا في بلادهم أو في بلاد الآخرين، بضرورة رعاية مبدأ السلم والدعوة إليه، ورعاية القيم الكفيلة بتحقيقه، “فحقيقة السلم، الصلح وترك الحرب”.

وإذا كان السلم مقصدًا شرعيًّا، فإن وسيلة تحقيقه هي التسامح. فكل معنى من معاني التسامح، ينشد السلم ويدعو إليه، مثل العفو، المغفرة، الصفح، الرفق، فإذا تسامحنا تحقق بيننا السلم الاجتماعي. وكذلك الأمر بالنسبة للدول والشعوب، فإذا تسامحت وتنازلت عن بعض حقوقها لمصلحة راجحة، وأعطت الحقوق قبل طلبها، فإنه مدعاة لتحقيق السلم العالمي.

إن السلم مقصد شرعي هام يُفهم من مجموع النصوص، دعا إليه الشرع الحكيم لإعمار الأرض وإحيائها بما ينفع الناس، وكل ما يوصل إليه يأخذُ حكمه، إذ للوسائل حُكم المقاصد -كما يقول العلماء- فما يتوصل به إلى السلم يجب أن يجتهد في تحصيله، وما يبعد عن السلم وما يبعد عن التسامح -بحكم أنها وسيلة للمقصد- فيجب تركها والابتعاد عنها.

6- الحوار البنّاء الإيجابي

من المقاصد السامية التي يخلقها التسامح الفكري والديني والمجتمعي بين الناس، خلق آفاق واعدة للحوار والنقاش البنَّاء والمثمر، المبني على الإنصات للآخر، والذي تتقدم به البلاد ويسهم في الرقي، ويسود فيه الخطاب الإيجابي المبني على قواعد سليمة وهادفة، وبالتالي يندثر الفكر الظلامي، وتنمحي آثار الفكر السلبي الذي يؤمن بالرأي الواحد.

فالحوار الراقي هو الذي يثمر قضايا فكرية مهمة تنفع الأمة، أما الصراخ والحوار دون هدف ولا ضوابط شرعية، والمصاحَب بسوء الإنصات أو رفض الإنصات أصلاً، فلا يحقق أيّ نفع للأمة، لأنه مبني على الكراهية، وهو حال كثير من حوارات اليوم.

لقد أسهم مثل هذا النقاش الحضاري في الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية في كثير من العقبات التي أصابتها، بدءًا باختيار الخليفة للمسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اجتمع الأنصار والمهاجرون بسقيفة بني ساعدة، وبعد نقاش مستفيض وبنَّاء، تمثلت فيه قيم التسامح حاضرة وشاهدة على مواقف الأنصار الذين استبشروا بما وجدوا من حجج تدفع بخلافة أبي بكر الصديق، عبَّروا عنها في مواقف صادقة، منها موقف أسيد بن حضير الكتائب الأوسي الأشهلي رضي الله عنه وهو من أثبات الأنصار وكبار قادتهم وأهل الطاعة فيهم، حيث قام في ذلك اليوم فقال: “يا معشر الأنصار، إنه قد عظمت نعمة الله عليكم أن سمَّاكم الأنصار، وجعل فيكم الهجرة، وقبض فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجعلوا ذلك شكرًا، فإن هذا الأمر في قريش دونكم، فمن قدموه فقدموه، ومن أخروه فأخروه” (رواه البخاري). وتكلّم بشير بن سعيد الخزرجي وعويمر الأنصاري، وحباب بن المنذر رضي الله عنهم، واقترحوا أميرا من الأنصار وأميرا من المهاجرين، لكن عمر، لما أنصت لكلامهم، قال رضي الله عنه:”يا معشر الأنصارـ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر بعد ذلك؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر”.

إذن، بعد نقاش وحوار هادف وإنصات لرأي الأنصار، استقر الصحابة بقناعة تامة أن الخلافة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، لاعتبارات أهمها تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة، فحسم به الخلاف، وصار موقفًا عظيمًا يؤسس لمفهوم الحوار البناء والهادف، والذي ينبغي أن يؤمن الناس بآثاره ومقاصده.

ختامًا

فإن التسامح فضيلة وخلُق إسلامي أصيل، له أسس شرعية ولغوية تؤصله وتؤسس بِنيته. وقد مارسه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته عمليًّا، كما مارسه أئمة المذاهب وتلامذتهم، وتأصل في التراث الفكري الإسلامي المتنوع، تتحقق به مقاصد سامية للأمة الإسلامية، وللمجتمعات الإنسانية عامة. لذلك تدعو الحاجة اليوم للرجوع إلى هذه الأسس والأصول، لفهم التسامح كما جاء به الإسلام. فهو دعوة للإنسانية لتحكيم العقل، وترجيح المصالح التي تتأسس باعتماد المقاربة المبنية على قيمة التسامح بتجلياتها المنبثقة من معاني شرعية جاء بها القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

التسامح دعوة إلهية تحتاجها المجتمعات الإنسانية، رسَخت في الديانات السابقة، وظهرت بشكل روحي ضمن الأحكام التشريعية المؤسسة للبِنات الشريعة الإسلامية، لأنها شريعة تقوم على رعاية مقاصد وروح الأحكام التي تنبثق من أسس أخلاقية. فلا دينَ بدون أخلاق، ولا أخلاقَ بدون دين، فانتظمت به سبُل الحياة، وسلكت مسلكًا كونيًّا له قواعده وضوابطه المرعية.