لا يختلف الباحثون والنقاد والتربويون في أهمية المسرح باعتباره فنًّا جميلاً يبرز ملامح ثقافة الشعوب، ونظرتها إلى الوجود، وتعبيرها عن مطامحها وواقعها، إرساءً للعدالة، وتنمية للأذواق، ومعانقة للقيم الإنسانية النبيلة.. فهو (أي المسرح) الحاملُ والمبرزُ لقضايانا على مر العصور.

ولأنه وسيلة توعوية، فقد مُرِّرت عبْره رسائل تدفع لإعادة النظر في أوضاع النساء والفقراء والعمال، كما اتُّخذ وسيلة ناجعة في التربية من حيث قدرته على غرس حب الوطن، وإكساب المتلقي من الأطفال السلوكات الإيجابية والأخلاق الحميدة.. كل هذا، جعل المسرح راسخ الجذور في ثقافات الشعوب، ونال اهتمام المبدعين والجمهور. إلا أن متغيرات كثيرة جعلت المسرح ينحرف عن كثير من الأهداف المنتظرة منه.

المسرح مرآة

المسرح مرآة نرى ونلاحظ عليها كثيرًا من الإيجابيات وكثيرًا من الثغرات التي تعتري حياتنا، فهو كما يعرفه “إتيانوسوريو”، الفن الذي يقوم على جمع الناس لطرح مصائرهم أمام أعينهم وما تتضمنه من مشاكل، وذلك بواسطة عوَيْلم مركزي يكون في حالة انفعال تجري في ثناياه الأزمة الحيوية لأشخاص معدودين، تلك الأزمة التي تجعل مصير العالم الإنساني متقمصًا حاضرًا في العقل والحواس، لأنها تقوم بدور الممثلة المؤقتة لديه”(1).

وهنا يتساءل المتفرج الذي يحاول أن يناقش ما يراه من حيث غايته وجدواه، ما الذي يريد المؤلف والمشخص والمخرج والسينوغراف إيصاله إلى جمهور يحتاج إلى إعادة النظر في كثير من القضايا التي يعج بها مجتمعه؟

وأنا أحمل في ذهني هذه الأهمية وهذه الأهداف النبيلة التي يمتلكها المسرح، يَخيب ظني وأصاب بالقلق، وأنا أتفرج على كثير من العروض المقدمة في مهرجانات سنوية في كثير من دور الثقافة، فلا أجد من بين الكثير منها هذا البعد التهذيبي والنقدي للظواهر الكثيرة التي تعج بها المجتمعات. وكنت أتساءل في كل مرة عن السبب الذي حوَّل المسرح إلى مجموعة من الحركات الجوفاء، والأزياء الَّلماعة تحت الأضواء الملونة مع تأثيرات صوتية صاخبة بلا معنى واضح.. وتكون تصفيقات الجمهور تصفيقات مردُّها إلى الانبهار والإدهاش التكنولوجي، الذي تعتمد عليه السينوغرافيا اعتمادًا يتجاوز الغرض المستهدف منه، ليصير نافلة لا تضيف إلى المضمون المسرحي أي شيء.

فالفن العظيم حسب “هيجل”، “يستخدم الغنى العظيم لمضمونه ليكمل -من جهة أولى- تجربتنا بحياتنا الخارجية، وليستحضر -من الجهة الثانية وبصورة عامة- المشاعر والعواطف والأهواء التي عددناها للتو، وذلك حتى لا تجدَنا تجاربُ الحياة عديمي الحسّ، وحتى تبقى حساسيتنا منفتحة على كل ما يجري خارج أنفسنا”(2).

وانبهات ما يسمى بمرحلة الازدهار العظيم، أفضى إلى انسحاب ثقة الجمهور في أبي الفنون الذي كان مؤججًا للمشاعر، ودافعًا إلى التغيير بكل أبعاده مفسرًا ومنتقدًا وموجهًا وفاعلاً في النفوس.. وأمام الوضع الذي آل إليه المسرح -وهو يفقد جمهوره- ظهرت فكرة الجماليات البصرية، وهذه الفكرة تُضحك بقدْر ما تُبكي. فالمسرح طوال عمره كان عبارة عن مشهد بصري يشكل الممثل والديكور والإضاءة عناصره الأساسية، وكان يأتي من هذه العناصر، بما يناسب الكلام الذي يقوم عليه العرض المسرحي، ولم يعد المسرح قادرًا على التواصل مع جمهوره من غير المشهد البصري الجميل الذي بنيت المسارح لتقديمه. فلماذا برز ما يسمى بالمشهد البصري في هذه المرحلة التي تلت مرحلة الازدهار العظيم؟

إن ذلك يعني بالضبط، أن تزيد المشاغلات البصرية تعويضًا عن فراغ المضمون أو ضعفه، ومن هنا لا يكاد يبنى عرض إلا وتكون للسينوغرافيا المكانة الأولى فيه.. لكن الجماليات البصرية بكل بَهْرجاتها، لا تستطيع أن تخلق جمهورًا مسرحيًّا. ومن هنا ندرك لماذا اقتصر المسرح على نخبة ليست دائمًا للمثقفين، بل إن مقولة “المسرح للنخبة” عادت لتحل محل مقولة “المسرح للجماهير”(3).

إن هذا الانفتاح الواسع على الفنون البصرية والموسيقية، جعل خشبة المسرح تضج بالحركة والتنقلات والرقصات وسط الأضواء الحربائية وألوان الموسيقى العربية والغربية، مما يخلق هجينًا من الفنون الصماء التي لا تحمل مضمونًا يدركه المشاهد، فيزداد غوصًا ومعرفة بقضايا واقعه وما تحمله من أفراحه وأتراحه ضمن قالب فني متزن بين الأشكال والمضامين بالصيغة التي يقدم بها الهدف النبيل من المسرحية، هذه الأخيرة التي ينبغي أن تبنى على نقد يعتري كل تقسيماتها المشهدية والدرامية تبعًا للتصريف المتلاحق المدروس لمضامينها.

إن‭ ‬استخدام‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭ ‬والتواصل‭ ‬الكلامي‭ ‬بين‭ ‬الشخصيات،‭ ‬يحول‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬إلى‭ ‬أيقونات‭ ‬مغلقة‭ ‬على‭ ‬ذاتها،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬خطاب‭ ‬يحول‭ ‬المشاهد‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬يشعر‭ ‬فيه‭ ‬بمجريات‭ ‬عالم‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬عالمه‭ ‬الحقيقي‭.‬

“قضية الأدب المسرحي هذه في أكثر الأقطار العربية، جاء المسرح التجريبي فدمَّرها وقطع سلسلة تطورها. وإلغاء بناء العرض المسرحي المتكامل أدى -بالضرورة- إلى تدمير وجود الممثل بطلاً للعرض المسرحي، فلم يعد الممثل سيد العرض المسرحي الذي تنصب حوله وفي دائرته حكاية المسرحية وحوارها وأمثولتها وهدفها الأعلى، بل صار جزءًا ثانويًّا من بناء العرض التجريبي، ولا تزيد مكانته عن مكانة قطع الديكور والإضاءة. فبدا الأمر في عروض المسرح التجريبي عدو المخرج، لكنه عدو لا غنى عنه فاستخدمه المخرج بطريقة تخفيه عن عيون المشاهدين إلا في حدود ضيقة. وتم هذا الإخفاء بدوائر الإظلام التي تحيط بالممثل بدلاً من دوائر الإضاءة التي تتمركز حوله، وتم أيضًا بأنواع المكياج السميك التي تخفي ملامحه أو بالأقنعة التي تمحو الملامح تمامًا”(4).

وهنا، وباسم التجريب وباسم الحداثة والمغايرة، وضع المسرحيون قطيعة مع التجارب المسرحية القديمة، فصارت تجاربهم يتيمة المبنى والمعنى لتفقد جمهورها الحقيقي، جمهورًا يتفاعل مع العروض المسرحية تفاعلاً يجعله يتأثر تأثرًا يفضي إلى تثويره وتبصيره بما له وما عليه.

إن استخدام الكثير من التقنيات بديلاً عن الحوار والتواصل الكلامي بين الشخصيات، يحول العرض المسرحي إلى أيقونات مغلقة على ذاتها، بعيدًا عن خطاب يحول المشاهد إلى عالم يشعر فيه بمجريات عالم أعمق من عالمه الحقيقي.

وقد حضرت عروضًا كثيرة تبين لي أن الجمهور -بعدده القليل أو الكثير- يكون تواجده تواجدًا شكليًّا فحسب، البعض يتواصل مع هاتفه المحمول، والبعض يحدث الجالس قربه، والبعض القليل يتابع المسرحية يجهد نفسه من أجل فهم ما تروم التوصل إليه.. فهل الأزمة في النص؟ أم في الإخراج؟ أم في الجمهور؟ أم في الممثل المغيب التأثير؟

أعتقد أن المسرح متعدد العناصر تعدد تكامل، وكل عنصر يختل توازنه في علاقته بغيره، يساهم في التأزيم والتردي. وما تحدثنا عنه بصدد المسرح الحديث، لا يعني عدم وجود تجارب واعدة وناجحة تستحق التشجيع والتثمين. 

الهوامش

(1) أبحاث في المسرح المغربي، د. حسن المنيعي، منشورات الزمن، شرفات، الكتاب الأول، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، يناير 2001، ص:19.

(2) المدخل إلى علم الجمال، هيغل، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطباعة، بيروت، الطبعة الأولى 1978م، ص:45.

(3) شؤون وقضايا مسرحية، فرحان بلبل، كتاب دبي الثقافية، الطبعة الأولى، نوفمبر 2012م، ص:38.

(4) شؤون وقضايا مسرحية (المصدر السابق)، ص:118-119.