بعض سائقي المركبات يغالبهم النوم على الطريق أثناء القيادة فتقع الكوارث. من أجل هؤلاء ابتكرت شركة بريطانية جهازًا يرصد التغيرات التي تحدث بوجه السائق، فتشير إلى شعـوره بالتعب أو الإجهاد، بل وتمنعه من الغفوة الخاطفة. وتترجَم هذه المعلومات من خلال برنامج كمبيوتر بالجهاز، فينبعث شعاع من الضوء الأخضر والأحمر من تابلوه السيارة، ويصدر صوت إنذار لا يتوقف إلا عندما يقوم السائق بإيقاف السيارة، والتخلص من الغفوة الخفية التي قد تودي بحياته وحياة الآخرين.

عندما تتثاقل المقلتان ويتضاءل الانتباه وتنغلق العينان، فإن ذلك لا يستغرق أكثر من الثانية، لحظة فقدان الانتباه هذه تكون قاتلة في كثير من الأحيان، فبها يرتبط 30% من الاصطدامات المميتة على الأوتوسترادات، و20% من الحوادث على الطريق. ولمعالجة هذا الوضع تحديدًا، تم تركيب منظومات تقنية في بعض طرز السيارات؛ فعندما تنتاب الغفوة كثيرًا من السائقين في النهار -رغم كفاية نومهم في الليل- فإن تلك الغفوة تعد ظاهرة فسيولوجية طبيعية تأتي من مراكز النوم واليقظة بالمخ الموجودة في “الوطاء”، وهو قسم من المخ يساهم في ضبط الحرارة، وفيه مراكز تتحكم بالنوم والأكل والشرب. وهذه المراكز حساسة إزاء نقص النوم ومتعلقة بساعتنا البيولوجية الداخلية، وبما أن هذه الساعة البيولوجية تتحكم بدورات يقظة أو نوم وفق إيقاع 24 ساعة مرتبط بالضوء، فإنها تحدد ذروتين قصويين للإغفاء تحدث فيهما، وهما ما بين الساعة الثانية والساعة الخامسة صباحًا، وبين الثالثة عشرة والسادسة عشرة مساء، في هذه الأوقات الحرجة تقع غالبية الحوادث المرتبطة بالغفوة الخاطفة.

وقد تمكن العلماء من التوصل للإجابة عن السؤال المهم: لماذا يتعين على الإنسان أن يأخذ قسطًا وافرًا من النوم خلال الليل؟ فقد اكتشفوا من خلال عمليات المسح الضوئي والمراقبة الدقيقة لخلايا المخ البشري أثناء النوم، أن الخلايا المختصة بالتعلم واكتساب المهارات عندما يكون الإنسان مستيقظًا تظل تواصل العمل على تصنيف وتخزين المعلومات، حتى عندما ينام الإنسان كي يستطيع استخدامها في المستقبل بدءا من لحظة استيقاظه.

وقد أكدت نتائج الدراسة العلمية التي قام بها فريق من الباحثين في جامعة “لييج” في بلجيكا، أن فترة النوم تتيح لخلايا المخ تخزين المعلومات الجديدة التي اكتسبها الإنسان خلال يومه، وتصنيفها في الذاكرة حتى يتسنى استرجاعها عندما نحتاج إليها. وقد استخدم البحث جهازًا يسمى “توموجرافي” للرسم السطحي بأشعة أكس، لرصد النشاط الكهربائي للمخ أثناء النوم، ويقوم هذا الجهاز بقياس معدل نشاط المخ من خلال رصد كمية الجلوكوز والأوكسجين التي يستهلكها المخ، لأن ارتفاع معدل الاستهلاك من هذه المواد يعني تزايد نشاط المخ.

استطاع‭ ‬العلماء‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬جهاز‭ ‬جديد‭ ‬لمراقبة‭ ‬التعب‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬السائقون‭ ‬أثناء‭ ‬القيادة،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬شاشة‭ ‬تراقب‭ ‬السائقين‭ ‬أثناء‭ ‬القيادة‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬وفي‭ ‬المسافات‭ ‬البعيدة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تغفو‭ ‬أعينهم‭.‬

أظهرت النتائج أيضًا أن مواطني الدول المتقدمة انخفض عدد ساعات نومهم إلى نحو سبع ساعات يوميًّا في الوقت الحالي بدلاً من تسع ساعات عام 1910م. وأكدت الدراسة أنه بدون الحصول على الوقت الكافي من النوم للمخ البشري لن يركز في تعلم المهارات الجديدة، وربما يؤدي الأمر إلى حدوث غفوة خاطفة له أثناء اليقظة أو التركيز في شيء ما كالقيادة مثلاً.

كان الحل لهذه المشكلة الخطيرة قد وجدته شركتا Valeo الفرنسية، و Iteris الأمريكية، وتمثل في تزويد بعض طرز السيارات في الشمال الأمريكي بجهازهما المسمى “منبه الخروج عن الممر” (LDW) الذي تم تطويره في البداية، للوقاية من تضاؤل التيقظ عند سائقي الشاحنات، حيث إن 65% من حوادث هذه السيارات مرتبط بالغفوة الخاطفة. ويتشكل “منبه الخروج عن الممر” عمليًّا من كاميرا صغيرة تراقب الطريق باستمرار، ومعالج مكروي يحسب بشكل مباشر المسافة بين السيارة والخط الأبيض. فإذا تجاوزت السيارة هذا الخط تم التأشير بالضوء الومّاض في لحظة الغفوة، وكذلك أيضًا عند الانتباه أو السهو حيث يقوم الجهاز بتنبيه السائق فورًا بإشارة إنذار صوتي قوي.

وفي إطار البحث عن حلول لهذه المشكلة، في بريطانيا -بعد دراسات طويلة ومناقشات موسعة- توصلت وزارة النقل إلى قرار نهائي يقضي بتغيير سياسة مراقبة السيارات المخالفة للسرعات على الطرق المفتوحة، وتغيير السياسة يتمثل في زيادة عدد كاميرات المراقبة وهو أمر اعتبره الكثيرون جديرًا بالاهتمام. ولكن التغير الأهم كان يتعلق بإظهار هذه الكاميرات أمام قائدي السيارات، وعدم إخفائها من خلال طلائها بألوان مميزة، ووضع لافتات تدل على أماكنها بعد أن كانت توضع خلف الأشجار واللوحات الإرشادية وأسوار الكباري.. إلا أن مسؤولي المرور لم يكتفو بوضع الكاميرات في مكان ظاهر مع وضع أحد ضباط البوليس بجانبها، بل قرروا ارتداء هؤلاء الضباط لملابس ذات ألوان زاهية تلمع عند تعرضها للضوء. ويقول وزير النقل البريطاني، إن الإجراءات الجديدة سوف توفر عدم وقوع قائدي السيارات في فخ الكاميرات، لأن هذه الكاميرات هدفها حماية الأرواح في الأماكن التي تتكرر فيها الحوادث المرورية وليس جمع الأموال من المخالفات.

وفي فرنسا أعلن مؤخرًا عن تسويق منظومة جديدة تسمى “مراقبة المسار الجانبي”، حيث تقرأ هذه التكنولوجيا الطريق بوساطة لاقطات تعمل بالأشعة تحت الحمراء مثبَّتة خلف واقي الصدمات تمامًا، وتحذر السائق من أي خطر بالخروج عن الطريق من خلال اهتزازات في مقعده، إلا أن هذا الجهاز -كما السابق- ينبه على فقدان التيقظ فقط عند ارتكاب خطأ في القيادة، وحين يكون الخطأ وشيك الوقوع بذلك، ربما كان الجهاز المثالي المطلوب هو ذاك الأسرع والأبكر تنبيهًا، الذي ينذر السائق منذ العلامات الأولى للغفوة، وهذا ما تعمل عليه الآن شركة “سيمنس” في إطار البرنامج البحثي الفرنسي الواسع المسمى “نقص التيقظ” الذي أطلق عام 2001م، ويجري إنجازه بالتعاون مع هيئات بحثية وصناعية مختلفة.

استطاع العلماء التوصل إلى جهاز جديد لمراقبة التعب الذي يعاني منه السائقون أثناء القيادة، يدعى “فيس لاب”، وهو عبارة عن شاشة تراقب السائقين أثناء القيادة لفترات طويلة وفي المسافات البعيدة، حتى لا تغفو أعينهم. فالغفوة الخاطفة هي لحظة نوم قليلة جدًّا، لا تزيد عن بضع ثوان، تتم القيادة فيها من دون النظر مطلقًا إلى الطريق. ويقول “آندرو هوارد” رئيس هيئة سلامة الطرق في بريطانيا، إن هناك أجهزة معروفة لتنبيه السائقين أثناء القيادة، وهو شخصيًّا قد استخدم العديد منها، وكان من بينها جهاز يثبت على الأذنين يصدر عنه صوت جرس إذا مالت الرأس إلى الأمام، ولكن معظم هذه الأجهزة لم تكن مريحة للسائقين.

تساهم هذه الأجهزة في حل مشكلة خطيرة جدًّا حسب إحصاءات هيئة سلامة الطرق البريطانية، التي تقدر وفاة 300 فرد سنويًّا نتيجة لإغفاءات السائقين أثناء القيادة. وبالرغم من المحاولات الدائمة من قبل السائقين لتفادي هذه المشكلة، سواء بفتح نوافذ السيارة أو فتح الراديو بصوت عال، إلا أن هذه المحاولات جميعها تكون مؤقتة، لذا يوصي مركز بحوث المواصلات قائدي السيارات الذين يغالبهم النوم أثناء القيادة، أن يشربوا أي عصير به سعرات حرارية مولدة للطاقة قبل القيادة قبل النوم بربع الساعة يوميًّا.

يوضح البروفيسور “زيلنسكي” مبتكر الجهاز، أنه جهاز بسيط من الناحية التكنولوجية، إذ يمكن متابعته لحركة العين من دون أن ينبعث منه أي ضوء للأشعة تحت الحمراء تجاه السائق، بالإضافة إلى أنه لا يتطلب وجود أي أجهزة تثبَّت على الرأس أو الأذنين أو نظارات أو عدسات سخيفة.. إلا أنه توجد كاميرا لمراقبة السائق بالجهاز، وتعملان على التقاط 18 صورة للعلامات المميزة، وتفاصيل وجه السائق بما فيها العينان والشفتان والوجنتان والذقن وجوانب الفم والحواجب، وتسجلها بمعدل 60 نقطة في الثانية، فترصد أي علامة للتعب والإجهاد على ملامح السائق.

يقدر الجهازُ الوضعَ الذي يجب أن تكون عليه العين، ويبحث وضع “النني” في بياض العين، ويقيس مقدار التغير مقارنة بشكل العين المسجل على الكمبيوتر، ويمكن للجهاز أن يقدر زاوية نظر السائق في حدود ثلاث درجات، وذلك وفقًا لرأي “زيلنسكي” الذي يعتبر هذه الزاوية من الدقة بحيث تسمح بمعرفة ما إذا كان السائق يقود السيارة ونظره موجه إلى الطريق الذي أمامه أم لا. ثم تتجمع هذه المعلومات ليتشكل منها صورة ثلاثية الأبعاد لوجه السائق، يتنبأ من خلالها الكمبيوتر بسلوك سائق السيارة، ويقوم بتنبيهه من خلال شعاع ضوئي وإنذار صوتي. وهناك ميزة أخرى للجهاز، وهي قدرته على العمل حتى لو كان السائق مرتديًا نظارة شمسية، أو لو حتى “تمايل” مع صوت موسيقى الراديو. وهو بذلك يفوق الأنظمة الثنائية الأبعاد التي لا تستطيع التعامل مع الحركات السريعة للرأس، وبالتالي لا يمكنها التنبؤ بسلوك السائق واحتياجه للنوم. وبرنامج الكمبيوتر الذكي الملحق بالجهاز الجديد، يقيس تغيرات الوجه الإنساني مع الأخذ في الاعتبار اختلاف مستوى الإضاءة وحركة ذبذبات محرك السيارة. وفي مركز لدراسات النوم في “لوفبورو” ترى “د. لويز راينر” أن في الجهاز الجديد معدل “رمشة” العين لا تعد مؤشرًا ضروريًّا للتعب، فبعض الناس ينامون وأعينهم مفتوحة، وعند إجراء اختبار لمجموعة من رجال الشرطة أمام عجلة القيادة، تبين أن أعينهم كانت مفتوحة تمامًا، بينما أشار رسم المخ إلى تراجع تركيزهم ويقظتهم.

يعترف “زيلنسكي” أن جهازه “فيس لاب” ربما لا يكفي وحده لتأكيد الشعور بالتعب والنعاس، لذا يمكن أن يعمل مع مجموعة من أجهزة القياس التي تتابع قبضة السائق على عجلة القيادة وضغطه على “دواسة الوقود”، ومع ذلك فإن جهاز “فيس لاب” يفوق منافسيه في تامين سلامة السائق، لأنه يرصد من خلال تعبيرات الوجه الشعور بالتعب الذي قد يعرض السائق للموت، خاصة على الطرق المعروفة بخطورتها. وهناك اقتراح بوضع علامات على الطريق وعواكس “عين القط” التي تحدث اهتزازًا بسيطًا في السيارة، وذلك في “البقع السوداء” التي تتكرر فيها دائمًا الحوادث، وهي كافية لتنبيه السائق من غفوته المؤقتة، فمثل هذه العلامات البسيطة يمكن أن تنقذ حياة العديد من الأبرياء. 

المراجع

(1) AI-Madani, H. M. N. Influence of drivers comprehension of 

     post Accident Analysis & Prevention.

(2) Injury Campbell, B.J. The effectiveness of rear-seat belts in

     crash Reduction. SAE paper 870480, Warrenddle, P.A: Society

    of Automotive Engineers