طاقة نظيفة بتكلفة قليلة، وانبعاث كربوني يقرب من الصفر، وبالتالي يُتوقَّع أن يتمكن العلماء من تحقيقه بحلـول عام ٢٠٣٠، ليتم التخلص من الوقود الأحفوري نهائيًّا، ومن ثم ليملك الناس مصدرًا للطاقة النظيفة دون أضرار تمس البيئة المحيطة بهم. يعيش العالم عصرًا تحوّل فيه الوقود الأحفوري إلى خطر يهدد جيمع المخلوقات. وبعد دراسات عديدة وجد الباحثون وسيلة لإعادة تدوير الزيوت المطهية بدلاً من التخلــص منها كنفايات، وذلك بتحويلها إلى مادة الجرافين العجيبة؛ وهي تقنية يمكن أن تقلل من تكلفة صنع المواد النانوية المتناهية الصغر التي يروَّج لها كثيرًا.

أطلقت شركة كوانتاس الأسترالية أول رحلة طيران في البلاد، تعمل بخليط من زيت الطبخ المكرر ووقود الطائرات التقليدي، كخطوة أولى على طريق الاعتماد على الوقود الحيوي. فقد أقلعت الطائرة إيرباص A330 من سيدني إلى إديليد، وبخزاناتها النصف من وقود الطائرات التقليدي من مكررات النفط، والنصف الآخر من زيت الطعام المكرر. يقول رئيس كانتاس آلان جويس: “علينا أن نستعد لمستقبل لا يعتمد على وقود الطائرات التقليدي، وإلا لا مستقبل لنا”.

وتسعى شركة كانتاس لتفادي تغريمها بسبب ما تحدثه طائراتها من تلوث انبعاثات الكربون من الوقود الحيوي. فالوقود المخلوط بزيت الطعام قد يكون أقل تلوثًا من الوقود التقليدي بنسبة ٦٠٪. ويعد الوقود أكبر كلفة تشغيلية لكانتاس التي أعلنت عن إلغاء ٥٠٠ وظيفة بعد تراجع أرباحها نصف السنوية بنسبة ٨٣٪.

وجد الباحثون وسيلة لإعادة تدوير زيت الطبخ المستخدم، بتحويله إلى مادة الجرافين وهو ورقة واحدة من ذرات الكربون مع خصائص لا تصدق منها؛ أنها أقوى من الفولاذ بـ٢٠٠ مرة، وأصلب من الماس، ومرنة بشكل لا يصدق في ظل ظروف معينة، بل يمكن أيضًا أن تتحول إلى موصل جيد للكهرباء التي يتم تحميلها من دون مقاومة.. وهذا يعني أن تلك المادة لديها القابلية على تكوين أفضل الإلكترونيات، والخلايا الشمسية الأكثر فعالية، كما يمكن أن تستخدم أيضًا في المجالات الطبية.

تقنية رخيصة وآمنة

خرجت دراسة -مؤخرًا- اقترحت أن الجرافين يمكن أن يساعد على إطالة عمر بطاريات الهواتف المحمولة لفترة أطول تبلغ ٢٥٪. ولكن هذه التطبيقات كانت محدودة بسبب حقيقةٍ هي أن الجرافين ينتج -عادة- في فراغ من الحرارة الشديدة باستخدام مكونات منقاة، مما يجعل إنتاجه مكلفًا، ولكن العلماء في أستراليا تمكنوا من إنشاء الجرافين في الظروف الجوية العادية، وذلك باستخدام زيت فول الصويا الرخيص الخاص بالطبخ.

أحد الباحثين المشاركين- وهو تشاو جون هان- من الكومنولث العملي الأسترالي ومنظمة البحوث الصناعية قال: “إن عملية الهواء المحيط لتصنيع الجرافين، هي تكنولوجيا سريعة وبسيطة وآمنة وسهلة التكامل، كما أن تكنولوجيتنا الجديدة، من المتوقع أن تقلل تكلفة الإنتاج وتحسين استخدامه في إنتاج تطبيقات جديدة”.

هذه التقنية الجديدة سمّاها فريق البحث “جرافين الفراغ”، وهي تتضمن تسخين زيت فول الصويا في فرن أنبوبي مدةَ ٣٠ دقيقة، الأمر الذي يؤي إلى تحللها إلى كربون، ثم يتم تبريد هذا الكربون بسرعة على رقائق مصنوعة من النيكل، حيث تنتشر على مستطيل رقيق من الجرافين بسمك واحد نانومتر (أرق بـ٨٠ ألف مرة من شعرة الإنسان).

ويقول دونج هان سيو أحد الباحثين في فريق البحث: “إن هذه التقنية يمكن أن تقلل من تكلفة صنع الجرافين ١٠ أضعاف، كما أنها ليست فقط أرخص وأسهل من الطرق الأخرى، بل إنها أسرع بكثير لتحضير وتصنيع الجرافين في الفراغ ولا تستغرق عدة ساعات.

ليس ذلك فحسب، بل إن هذه التقنية ستوفر خيارًا أكثر استدامة، لإعادة تدوير نفايات زيت الطهي، مما يعني إمكانية إعادة تدوير نفايات الزيوت التي تم التخلص منها، وتحويلها إلى شيء مفيد.

السؤال الآن هو ما إذا كانت هذه التقنية الجديدة، يمكن زيادتها بالعثور على وسيلة أرخص، لإنتاج كميات كبيرة ورائعة من الجرافين، حيث إن رقيقة الجرافين الآن تنتج ٥ سم (١.٩ بوصة) بنسبة ٢ سم (٠.٨ بوصة) في الحجم. ويقول الفريق: إن أكبر الأفلام التي يمكن أن نقدمها باستخدام هذه التقنية الآن، لا يزيد عن حجم بطاقة الائتمان. ونحن نعمل لإنتاج رقائق تكون أكبر من ذلك بكثير لتتناسب مع الاستخدام التجاري، ولكننا نحتاج إلى إمكانات هائلة، ولذا فإن الفريق يبحث الآن عن شركاء تجاريين لتحقيق هذا الهدف.

يقول خبير الجرافين د. ن. ديفيد من جامعة ولونجونج في أستراليا، وهو لم يشارك في الدراسة: “إن السؤال المطروح، هو إمكانية توسيع نطاق هذا البحث اقتصاديًّا، إذ إن وسيلة مثل هذه تمت داخل أنبوب الفرن، يمكن توسعتها لإنشاء مختبرات كبيرة تنتج رقائق مترية الحجم”.

والجدير بالذكر أن أعضاء الفريق ليسوا الوحيدين الذين يعملون على ذلك، فمؤخرًا قام فريق من جامعة ولاية كنساس على براءة اختراع تقنية بسيطة بتصنيع الجرافين باستخدام غاز الهيدروكربون والأكسجين وولاعة فقط، وبدون الحاجة الى فراغ. إن الوقت سيخبرنا ما إذا كان يمكن جعل رقائق الجرافين كبيرة الحجم دفعة واحدة، ولكن من الجميل أن نعرف أن الباحثين في جميع أنحاء العالم، يعملون على إيجاد طريقة لأخذ هذه المواد خارج المختبر إلى حياتنا.

اللغز الصامت

من أجل توفير مصادر جديدة للطاقة، توصل فريق من الفيزيائيين، إلى اكتشاف هيدروجين معدني قد يغير كل شيء في الكون، حيث إن وجود شكل معدني جديد للهيدروجين، جعل العلماء يتحمسون ويتسابقون لاستخدامه كموصل كهربائي ومن ثم لفهم الكون. والهيدروجين هو العنصر الأكثر شيوعًا، وأول مركّب في الجدول الدوري، وبالتالي ليس صعبًا أن يتم الكشف عن أسراره.

إن الهيدروجين في الطبيعة، يكون في الحالة الغازية عند درجة حرارة الغرفة والضغط الجوي، ولكن الهيدروجين قد يصبح صلبًا في درجات الحرارة المنخفضة والضغط القليل، وقد يتحول إلى الحالة السائلة بزيادة درجات الحرارة وزيادة الضغط الجوي.. والشيء العجيب هو تحوله إلى معدن إذا وضع تحت ظروف قياسية جدًّا، مما جعل العلماء مذهولين حيث يمكن أن يتحول إلى معدن، ويصبح أكثر قابلية للتوصيل من باقي العناصر.

وفي مجال التطبيقات العلمية والعملية، فإن تحول الهيدروجين إلى معدن، لم يكن بالشيء السهل؛ ففي الوقت الراهن هناك فريقان علميان يقومان إما بتطبيق النبضات الكهربائية القوية على الهيدروجين، أو بصعقه بالليزر، أو بالاثنين معًا، لضغط الغاز.

ويأمل العلماء في الفريق الأول، أن يجعلوا الهيدروجين المعدني الصلب، مادة ذات قابلية توصيل عالية جدًّا كما يجب أن يكون. ومؤخرًا أظهرت الاختبارات مؤشرات ووعودًا جميلة، قد تكون تطورًا كبيرًا، أو نقلة ثورية طبقًا للفيزيائي أيزاك سيلفيرا مدير وحدة الهيدروجين المعدني في جامعة هارفارد، إذ سيصبح موصلاً مثاليًّا في درجة حرارة الغرفة؛ حيث لن يفقد الإلكترونات أثناء نقل الطاقة، إضافة إلى كونه فعالاً وقويًّا، وله العديد من التطبيقات التي قد تؤثر في حياتنا.

أما الفريق الثاني، فتطلعاته تصل إلى الفضاء، حيث تُظهر تجاربه أدلة حول السلوك المعدني للهيدروجين ولكن في شكله السائل، حيث يمكن أن يساهم في الإجابة عن الكثير من الأسئلة المعقدة حول الكواكب الغازية العملاقة. تلك الكواكب مليئة بالهيدروجين المعدني السائل؛ مثلاً لو نظرنا إلى الحقل المغناطيسي لكوكب المشتري، نجد أنه قد يكون سببه وجود الهيدروجين المعدني السائل بداخله.. ويمكن أن نفسر السطوع الغريب لكوكب زحل، بسبب تفاعلات الهيدروجين مع غاز الهيليوم داخل الكوكب.

ألغاز ضد الكشف

يبدو أن أبحاث ذرات الغاز الهيدروجيني، لا تريد أن تحل نفسها وتكشف عن أسرارها كاملة، فكلما تقدم العلم في حل لغز ظهر لغز جديد، مثل لغز ظاهرة تجمد الماء الساخن أسرع من الماء البارد. هذه الظاهرة الغريبة التي سمعنا عنها، يبدو أنها أصبحت أغرب مما كانت عليه، وربما يكمن سرها في ذرات الهيدروجين أيضًا.

قد تبدو هذه الظاهرة صادمة جدًّا، ومتناقضة مع مبادئ الفيزياء الأساسية، ورغم أنه تم رصدها منذ زمن أرسطو، إلا أنه -وبعد مرور قرون- لا يزال العلماء عاجزين عن إيجاد تفسير وافٍ لهذه الظاهرة.

ففي الوقت الراهن ينقسم العلماء إلى قسمين، قسم يشير إلى وجود نوع غريب من الأواصر بين ذرات الهيدروجين على أنها هي المسؤولة عن هذه الظاهرة، وقسم آخر يذهب إلى إنكار وجود هذه الظاهرة من الأساس.

إن ظاهرة تجمد الماء الساخن أسرع من الماء البارد التي يطلق عليها “تأثير مابيمبا”، لاقت قبولاً كبيرًا في عام ١٩٦٠ عندما رصدها طالب ثانوي تنزاني اسمه أراسو مابيمبا، أثناء إحضار المثلجات مع زملائه. والمشكلة في هذه الظاهرة (مابيمبا) التي تجعل جهات عدة داخل المجتمع العلمي، ترفض وجودها. عجز العلماء عن إيجاد تفسير لهذه الظاهرة، خصوصًا وأن للماء البارد قابلية هائلة لفقدان الحرارة عند بداية عملية التبريد.

وما يزيد الطين بلة، هو أن محاولات تكرار ظاهرة مابيمبا في المختبر بصورة مخطط لها فشلت جميعها، وفي نفس الوقت فإن عدد المرات التي رصدت فيها الظاهرة بشكل عفوي كثيرة جدًّا وبصورة يصعب تجاهلها. وحتى عام ٢٠١٨ كانت الفرضية الأكثر قبولاً للظاهرة، هي أن الماء الساخن يتبخر بسرعة كبيرة، مما يجعل السائل يفقد الكثير من كتلته، وبذلك يتجمد بشكل أسرع من الماء البارد.. وحتى الفرضية الثانية المبنية على الاختلاف في فرق درجات الحرارة لا يبدو أنها قابلة للإثبات.

أخرج بحث مشترك بين جامعة دالاس في الولايات المتحدة الأمريكية وجامعة نانجنج في الصين، تفسيرًا لهذه الظاهرة؛ حيث تنص النظرية الجديدة على وجود أواصر ذات خواص غريبة بين ذرات الهيدروجين والأوكسجين، وأن قوة الأواصر الهيدروجينية في جزيء الماء تعتمد بشكل كبير على ترتيب الجزيئات المتجاورة، ففي درجات الحرارة العالية، تتكسر الأواصر الهيدروجينية الضعيفة فتتجمع مجموعة من الجزيئات المتحطمة، مكونة تراكيب كريستالية من الثلج، وتعتبر هذه التراكيب دافعًا ممتازًا لبداية عملية التجمد.

وبالرغم من ذلك، لا زلنا بحاجة إلى المزيد من الأدلة والتجارب لإثبات هذه النظرية، مما يؤجل حل هذا اللغز مجددًا، وبالرغم من كل هذه السنين، يبدو أن تجمد الماء الساخن بسرعة، والدور الغامض لذرات الهيدروجين في ذلك، لا يزال أمرًا محيرًا للجميع.

(*) أستاذ ورئيس قسم جراحة العظام والتقويم، كلية الطب بجامعة الإسكندرية / مصر.

المراجع

(١) Speight, James G. (2020). The Chemistry and Technology of Petroleum. Marcel Dekker.

(٢) Speight, James G; Ancheyta, Jorge, ed. (2020). Hydroprocessing of Heavy Oils and Residua...

(٣) Directive Ec of the European Parliament and of the Council of 4 December 2019 on the incineration of waste. European Union.

(٤) Elisabeth . “Europe Finds Clean Energy in Trash, but U.S. Lags”..