إن الدنيا سفينة سياحية رائعة لبني الإنسان، يسْبحون على متنها في هذا الفضاء اللانهائي في تناغم ووئام، وهي أيضًا عُشٌّ دافئ للغاية، من خلالها أحسسنا بالوجود وظَهَرْنا إليه، وفيها تَعَرَّفْنا إلى خالقنا.. كما أنها بما عليها من الكماليات الحية وغير الحية، بمثابة مشهَر تُدوِّي فيه شتى الأصوات ويزهو بمختلف الألوان، وهي مكتبة عملاقة زاخرة بـملايينِ بل بمليارات الكتب المؤلَّفة بمختلف اللغات، وهي أدفأُ من غُرَف أمهاتنا التي تعبق بالحنان، وأكثرُ أمانًا من المهد الذي تُهَدْهِدُه الأم مع صوتها الرخيم الرنَّان، وهي من كل جوانبها انعكاسٌ لرياض الجنة المغمورة بالأنوار، ومَرصد مُجهَّزٌ ومنفتحُ الآفاقِ على العوالم الماورائية لمن يستطيعون المراقبة والإبصار.

ومن جانب آخر فالدنيا عالمٌ نموذج يحتوي في ذاته على جوهر سائرِ الكائنات وعُصارتها ومعناها ومادتها وماهيتها، وهي أكثر صحائف الكون والأحداث ثراءً وإحاطةً بالمعارف والعلوم، وهي متنزَّهٌ فسيحٌ واسعٌ أُعِدَّ باهتمامٍ بالغٍ ليتنزه فيه الإنس والجان، وهي بمثابة قاعةِ تمرينٍ واستعدادٍ للعوالم الماورائية، ففي أحضانها ينمو الخير والشر ويتطوران، وفي سهولها وجبالها تُزْرَع الحسنات والسيئات، ثم تُرسَل كل هذه المتنجات إلى أسواق العالم الأخروي.

فهي من هذه الناحية مزرعةٌ ومَصْنَع، وهي في الوقت نفسه مَتْجرٌ كامل مفتوحٌ على أسواق الآخرة؛ فهنا يُزرَع ما يُزرَع، وهنا يُحرث، وهنا يتم إعدادُ الزاد لطريق الآخرة، وهنا يتم تجهيز حليِّ الجنةِ النورانية، وفي مَعامل هذا العالم يتم تصنيع المُنْتَجات التي ستُعْرض للأنظار في العالم الآخر -نفدي بأرواحنا أولئك الذين نجحوا في تقديم هذا النوع من الزاد الأخروي- ثم تُقَدَّم للمؤمنين في قصور السعادة باعتبارها منحة باقية سرمدية.

إن الدنيا بمثابة غابة مَطِيرة تَهُبُّ فيها التجلياتُ الإلهية بلا انقطاع، وتنهمر عليها زخات الرحمة واحدةً تلو الأخرى.. وهي بمثابة شاشة سينمائية تَلُوح من خلالها في آفاقنا موجاتُ الضياء والجمال، وتَعكِس في إطار محدود جميعَ ما في العالم الآخر من الأُبَّهة والروعة، فنشاهد جميعَ أضواء العالم الآخر حُزَمًا حُزَمًا، ونشاهد من خلال فَصْلَي الشتاء والربيع ظاهرةَ الموت والانبعاث بعد الموت وما وراء ذلك، وكيف أن الله يحيي الأرض ربيعًا بعد موتها شتاءً، وعلى المستوى الفردي يُلاحِظ كلٌّ منَّا كيف أن الله يتوفى الأنفُسَ كلَّ ليلة، ويحْييها في النهار، ويتكرر ذلك فيُذَكِّرُنا دائمًا بعالم الآخرة.

ففي الدنيا قد يكون القبيحُ بجانب الحَسَن، والشرُّ بين الخير، والظلماتُ مِن وراء النور، والضار مع المفيد.. إلا أن الذين ينظرون من منظور الجمال ويدورون في فلك الفكر الجميل، يرون أن ما يَسُرُّ القلوبَ ويُبهج العيونَ من هذه الأمور، لهو الأكثر قوة وثباتًا وجاذبية وإثارة للإعجاب، وبالمقابل فإن ما يبدو منها غير محبوب ويثير فينا الغثيانَ، فهو من حيث نتائجه وجوانبه الأخرى جميلٌ ومنطوٍ على الخير.

والحقيقةُ أن الأمور من هذا القبيل منابعُ لطيفة دافئة ونسمات للخير رقيقة، وهي ذات مغزى ولكنها مؤقتة، وهي متدفقة بالبركة ولكن وارداتها تصبُّ في العالم الأخروي، وهي تهمس في مشاعرنا الإنسانية أمورًا بنغمات متنوعة، وتَشُدُّ عزائمَنا وتَشْحَذُ هممنا، وتقوِّي إراداتنا بمفاجآت لم تكن في حسباننا، فهذه الأمور تُشْبِه ذراتِ الماء تكون غليظة حارقة إذا كانت وحدها، ويتحول إلى إكسير يبث الحياة في النفوس إذا خضعت لعملية التركيب من خلال الصبر والتسليم والرضا لله.

فهذه الدنيا التي نحس عليها بوجودنا ونعيش فيها صغيرةٌ مقارنةً بالكائنات وبالنسبة لطموحاتنا الكبيرة، لكنها بمثابة القلب لكل شيء، وهي بالمقارنة مع المجرات السماوية ذرة صغيرة ولكن قيمتها تعادل عوالم كبيرة، وإذا قارنَّاها بالهيئة العامة للكون السابح في بحر الأثير فهي بحجم قطرة، ولكنها جرم ذو محتوى يعادل السماوات؛ فهي التي استضافت الإنسانَ الذي هو مرآةٌ شفافةٌ جامعةٌ لجميع الأسماء الإلهية والصفات السبحانية، فأدَّت واجب الضيافة على أحسن وجهٍ، وجعلت من نفسها قاعدة كمنصة الصواريخ ينطلق منها الإنسان إلى العالم الآخر.

فإذا استطاع أصحاب القلوب المؤمنة أن يقدِّروا موقع هذا العالم ويقيِّموا مكانتَه مع موقفهم ومكانتهم لدى ربهم، فإن بإمكانهم أن يستبدلوا هذه القطرة الصغيرة بمحيطات لا متناهيةٍ تَسَعُ الكائناتِ جميعًا، وأنْ يمتلكوا شموسًا في مقابل هذا العالَم الصغير الذي هو بمثابة ذرة صغيرة بالنسبة للسماوات، ويحوِّلوا أعمارهم القصيرة التي قضوها في الدنيا في فترة زمنية ضيقة إلى بذرة وخلاصة للعوالم الأبدية، ولكن هذا كله منوط باستغلالهم كلَّ الجواهر المُودَعة في ماهيتهم الإنسانية استغلالاً حكيمًا من دون أن يهدروا ذرة واحدة منها.

أجل، إن هذه الدنيا فانية، والذين يَنزلون فيها ضيوفًا سيغادرونها إذا وافاهم الأجل واحدًا تلو الآخر دون أن ينظروا خلفهم، وسيخلف الراحلين وافدون جُدُد، كخان على طريق مسافرين ما إن يغادرها بعضهم إلا وتَفيض بآخرين، فالنازلون يأتون وكأنهم جنودٌ يحملون معهم أوراق الانخراط في وظيفة الجندية، بينما الذين يرحلون منها ويموتون يرجعون إلى وطنهم الأصلي حاملين معهم ورقة التسريح من مهام الجيش.

ومنذ أن وُجدت البشرية لم تنقطع أشواط النزول المتعاقبة، كما لم يستطع أحد أن يَحُول دون حالات الارتحال، ولهذا فإن بعضًا من البؤساء الذين لم يَدْرُوا سبب قدومهم إلى هذه الدار ولماذا هم مرشحون، يطربون شوقًا إذا سمعوا نشيدًا للولادة، بينما ترتعد فرائصهم إذا سمعوا نعيًا بالوفاة، ومهما تنفسوا وارتاحوا هنيهةً فإن صفوَهم تعكّر جُلَّ وقتهم بالأكدار.. كما أنهم في مقابل شُبوبهم بالأمل يومًا واحدًا، يتلوَّون أيامًا في اليأس والقنوط، فلا يهدأ بكاؤهم ولا تنقطع ضحكاتهم، وإنْ هُمْ تَنَهَّدُوا مرة فقد تأوَّهُوا في مقابله مرات عديدة.

وأما الذين ينظرون إلى الأشياء والحوادث بنظر الإيمان، فالأمرُ يختلف بالنسبة لهم تمامًا؛ فهم يَعرفون الذي أرسلهم إلى هذه الدنيا، فيحاولون التقرب إليه، ويستهدفون في كل تصرفاتهم إعمارَ الدار التي سيَرحلون إليها، فتغمرُهم السكينة طوال مسيرهم في الطريق.

وإذا ربط الإنسان كل شيء به تعالى بهذا الشكل، فسيتغير في نظره كلُّ الكون وما فيه بلونه ومنظره وماهيته وأسلوبه.. ويتحول إلى طعم ولذةٍ ونورٍ ينسكب في القلوب.. فإذا نَظر من هذا المنظور فستصبح الدنيا في عينه سفينة أو طائرة متوجهة إلى الأبدية وذاهبة بالإنسانية إلى السعادة السرمدية، أو مكتبةً ثرية ذاخرة بملايينِ بل بمليارات الكتب، أو معرضًا خلَّابًا يبهر العيون ويسحر الناظرين، وتتحول إلى لسان فصيح يدعونا جميعًا إليه تعالى، ويعكس على قلوبنا أنوار تجلياته بألاعيبِ الأضواء والألوان.

والحق أن هذه المظاهر الجمالية المتداخلة براهينُ على ذات الحق تعالى لمن ينظرون بنور الإيمان، وأما الإنسان فهو مَن يعاينُ تلك البراهين ويَشعر بها ويَقرَؤها وهو ترجمانٌ يَشرحها للآخرين.. وإذا وُفِّق الإنسان لاستغلال عقله وشعوره وأحاسيسه وضميره استغلالًا حكيمًا؛ فإنَّ كل الأشياء ستَلْفِتُه إلى أعماقِ عوالمِ ما وراء الطبيعة، ويَبْلُغ الأمرُ بهذا المحظوظ إلى أن تنسكبَ في روحه أسرارٌ ملكوتية، وتصبحَ روحُه بمثابة حوض تجتمع فيه الأسرار، وقلبُه مَرْصدًا يَقتنص التجلياتِ.. وهكذا ستتمزق أستارُ الظلماتِ الناجمةُ من الجهل بالخالق أو تنكمشُ واحدةً تلو الأخرى، وتأتي الأنوارُ لتنشر خيمها في كافة الأرجاء، ويَظهر الكون وكلُّ الأشياء وكأنها “حلقة ذكر عظيمةٌ”، ونَسمع من كل شيء -حيًّا أو جامدًا- قصائدَ وأنغامًا بلا حروف أو كلمات، وتأتينا إشاراتٌ من لسانِ كلِّ جسم ووقفاته، بحيث إننا كلما نظرنا إلى الوجود نظرة شمولية، ستنثقب العوالم المادية، وتنساب من خلالها إلى أرواحنا الأسرارُ المكنونة فيما وراءها، فتَلْفِتُ أنظارَنا إلى الماوراء وما وراء الوراء، وتغرس في قلوبنا مشاعرَ المراقبة، فنتحول إلى العشقِ والوَلَهِ ونعيش حالات من الحيرة والإعجاب، وننسجم بما نراه ونَشعر به من الأمور التي هي بجزء منها دنيويةٌ وبجزء آخرَ أخرويةٌ، وبجزء منها ماديةٌ وبآخرَ معنويةٌ، وبجزء منها حقيقةٌ وبآخرَ خيالٌ.. فنتعمق في المشاهدة والتدقيق فيها، حتى نصبح وكأننا نَسمع قصيدةَ جميع كتاب الطبيعة وما فيه، وملحمةَ كل الإنسانية ونُسحر بها.

(*) نشر هذا المقال في مجلة “سيزنتي” التركية، العدد:٢٩٩ (ديسمبر ٢٠٠٣)، تحت عنوان “Müslüman Ufkundan Dünya ve İçindekiler”. الترجمة عن التركية: أجير أشيوك.