في ظل التقدم التكنولوجي الملحوظ، وفي ظل عصر تدفق المعلومات الذي لا يؤمن بغير العلم والتقنية، تغدو وضعية الأدب اليوم في خطر، وهذه الخطورة ليست في كونها مهددًا بالانقراض أو ما شابه كما قد يعتقد البعض، بل إن هذا التراكم الكمي في النصوص الأدبية التي تصدر بشكل يومي، يرجع بالأساس إلى التقدم العلمي والتكنولوجي، وتوافر المطبعات وكل إمكانيات النشر والتوزيع، بل لقد غدا كل من يمتلك حاسوبًا كمن يمتلك دار نشر متنقلة، بإمكانه أن يكتب وينشر متى شاء.

غزارة الإنتاج وتراجع فعل القراءة

إن التحدي الذي يفرض نفسه اليوم يرتبط بقيمة هذا الأدب في عصر المعلوميات والرقمية، فالجيل الصاعد -كما يبدو- ليس ميالاً للعلم والثقافة والأدب، بل هو ميال للتقنية الجميلة، ونقصد بها التكنولوجيات العالية (la haute technologie) كما هو الحال للحاسوب واللوحات الإلكترونية، وكل الأجهزة الرقمية التي يتخذها وسيلته للهو واللعب وإنجاز أبحاثه الجامعية، وإذا اقتضى الحال وسيلة للغش في الامتحانات المدرسية والجامعية، طالما أن الوسائل التكنولوجية الحديث وسيلة ارتقاء وتقدم، وفي الوقت نفسه وسيلة انحراف وتقهقر إذا ما تم استعمالها استعمالاً سلبيًّا.

ليس لدى الجيل الصاعد اليوم القدرة الكافية لقراءة قصة من أربع صفحات، فبالأحرى قراءة رواية تتطلب أسبوعًا، أو مجموعات روائية تتطلب أيامًا أو شهورًا. لقد أصبح النشر الإلكتروني قائمًا على السرعة والمرونة في النشر، وهو ما غيَّر من طبيعة التلقي أيضًا، حيث انتقلنا من القراءة المتأنية العميقة إلى قراءات أخرى منها مواتية لسرعة الإنتاج الرقمي، مثل القراءة السريعة والقراءة الماسحة والقراءة الانتقائية، وبشكل خاص القراءة التصفُّحية العابرة التي نقوم بها عادةً في تعاملنا مع ما ينشر في المواقع الإلكترونية، ذلك أن التحول في طرق النشر مع إبدال الرقمية، واكبه تحول على مستوى الذوق الجمالي وعلى مستوى التلقي بشكل عام، فلم يعد الإنسان اليوم يقرأ إلا ما يجذبه إليه مما له ارتباط وثيق بحياة الأفراد وواقعهم.

إذن المشكلة اليوم ليست في إنتاج النصوص الأدبية، فالأدب الحديث بأشكاله المتعددة انتشر بشكل كبير، حيث ساعد على انتشاره التلاقح الثقافي بين الشرق والغرب والتقدم العلمي والتكنولوجي نفسه، ولم يشهد الأدب عبر التاريخ تلك الغزارة في الإنتاج التي شهدها اليوم. كما أن مسألة الرقابة على الأدب لم تعد ذات جدوى، لأن الإنترنت أتاح للجميع أن ينشر ما شاء ومتى شاء.

إنما المشكل المطروح يتمثل في “من يقرأ الأدب؟” وهل هناك اليوم مواكبة لما ينشر؟ فالقراء -بالمعنى العميق للكلمة- يكاد يكونون نادرين، ويلاحظ غياب هذه المواكبة في غياب السجالات وغياب الحوار بين الكتاب أنفسهم، حيث إن هناك نوعًا من العزوف عن قراءة الآخر، وذلك نلمسه بشكل جلي في التكرار على مستوى ما يُنشر؛ حيث نجد أحيانًا الموضوع الواحد منشورًا من طرف كتاب متعددين في كتب أو مجلات، فلو كان هناك حوار وقراءة للآخر لما كان ذلك التكرار. فضلاً عن ذلك، حتى في البحث الجامعي، غالبًا ما نجد هذا التكرار والاجترار على مستوى البحوث الجامعية والأطاريح، وهو ما يدل على أننا لا نقرأ ولا نواكب ما يتم إنتاجه في الأدب وفي دراسة الأدب. كما أن فعل القراءة يكاد يكون محصورًا في المتخصصين الجامعيين والمتمدرسين على سبيل الإجبار والإرغام المرتبط بالمؤلفات والمقررات المدرسية.

لمن نكتب؟

والسؤال المشروع ليُطرح الآن هو “لمن نكتب؟” إننا نكتب لقراء وهميين، أو ربما لقراء المستقبل الذين قد يأتون وقد لا يأتون.. حتى الكتاب أنفسهم وكبار المثقفين من الأساتذة والباحثين، لا يقرأون إلا وهم مضطرون للقراءة إذا طلب منهم أحدهم التقديم لمؤلف أو إجراء دراسة عابرة للشهرة والإشهار.

كل هذا، يجعلنا نتساءل؛ لماذا لا نقرأ الأدب؟ فالعلاقة اليوم بين القارئ والكتاب صارت متوترة، والسبب في الواقع يعود إلى قيمة هذا المقروء، فأغلب الكتب التي فرضت علينا في مراحل الدراسة لا ترقى إلى مستوى الذوق الأدبي الذي نحلم به، بل على العكس من ذلك تنفرنا من الأدب نفورًا، نصوص أقل ما يقال عنها إنها رديئة لا تثير شهية القارئ. وحتى إذا أراد القارئ أن يقرأ بدافع حب الاطلاع والمطالعة، تصدمه جل الكتب وتجعله يفر منها فرارًا.

كتب تجذبنا

الحق أن الكتب التي تقرأ تكاد تكون نادرة، يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، روايات نجيب محفوظ، وأعمال طه حسين، وبعض نصوص المنفلوطي، ونتفًا من روايات عبد الرحمن منيف، وثلاثية أحلام مستغانمي، وبعض أعمال محمد درويش، وعاطفيات نزار قباني، وعبقريات عباس محمود العقاد، وبعض روايات عبد الله العروي.. فضلاً عن الكتب الدينية، والكتب المقررة مدرسيًّا، وبعض الكتب المترجمة كروائع شكسبير، و”أزهار الشر” لبودلير، و”البؤساء” لفكتور هيجو، و”الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي، وبعض قصص موبسان.

والسؤال الذي يطرح الآن هو لماذا الاهتمام بهؤلاء؟ لعل السبب هو أن أغلب هؤلاء كتبوا بصدق، وعبروا عن واقعهم بصدق، وخدموا الأدب بصدق وبلغة يفهمها الشعب، ودافعوا عن الشعب وعن هموم مجتمعاتهم؛ فعبد الرحمن منيف تغريك رواياته بلغتها الساحرة البسيطة وأسلوبها السلس، وطه حسين يكفي أن تقرأ “الأيام” لتنجذب إلى قراءة كل أعماله التي أخلص فيها للشعب وللمجتمع، ونجيب محفوظ استطاع بفضل بساطة لغته ورمزيتها وجمالية أسلوبه أن يستقطب اهتمام العالم ويكون أول أديب عربي يحصد جائزة نوبل، ومحمود درويش تغريك قصائده التي تحمل قضية وتؤمن بفكرة ظل يدافع عنها إلى آخر أيامه، وعباس العقاد يغريك بأفكاره وعبقرياته الخالدة، والمنفلوطي يجذبك أسلوبه السلس الذي يترجم الأحاسيس والعواطف الإنسانية إلى كلمات، وأحلام مستغانمي تجعلك في رواياتها تسبح في عالم من الأفكار في الاجتماع والنفس والسياسة، أما عبد الله العروي فهو يجذبك إلى أفكاره جذبًا لأن رواياته فكر يتحرك وفلسفة تمتد.

إن الأدب الذي سيفرض ذاته على القارئ ليقرأه وسيُكتب له البقاء في المستقبل، هو الأدب الصادق الذي سيعبِّر بصدق عن عصرنا في غير ما تنميق أو حذلقة.

وأخيرًا نال بعض أدباء الغرب عندنا أهمية، بفعلهم وشهرتهم وبراعة أسلوبهم ورقي أفكارهم، أبرزهم شكسبير الذي يكفي أن تقرأ له “هاملت” أو “الملك لير” لتنشد إلى باقي أعماله المسرحية، و”بودلير” الذي يغريك بأسلوبه الشعري الذي يغوص في أعماق النفس البشرية، حيث تعبر عن حال الإنسان وهمومه في صراعه الدائم مع الطبيعة والحياة.

لهذا نقرأ هؤلاء على سبيل الحصر لا الإطلاق، لأنهم صادقون فيما يكتبون، ولأنهم يمتلكون الأدوات اللغوية والأدبية الضرورية؛ فالأدب عندهم يمتزج بالروح الإنسانية وعندما تقرأ لهم تحس أنك تتغير. أما كثير من النصوص فهي لا تقرأ في غالب الأحيان، ليس لأن القارئ لا يرقى إلى مستوى قراءتها، بل لأنه في غنى عن قراءتها، ينفر منها نفورًا فور قراءة صفحاتها الأولى، لأنها لا تثيره علميًّا ولا فكريًّّا ولا فنيًّا، فضلاً عن عدم امتلاك أصحابها للأسلوب الرصين واللغة السلسة والمنهج السليم، ثم لكونها عديمة الفائدة وعديمة المنفعة.

كيف ننتقي ما نقرأ؟

يقول عبد الفتاح كيليطو في مقدمة كتابه “حصان نيتشه”: “قل لي ماذا تقرأ، أقل لك ماذا تكتب؟”، بل يمكن القول: قل لي ماذا تقرأ، أقل لك من تكون؛ وذلك معناه أن الكتاب الذي نقرأه يجب أن يغيرنا، وإذا لم نشعر بالتغيير منذ الصفحات العشر الأولى، فلنطوه ولنبحث عن كتاب آخر.

إن العصر الذي نعيشه يدعونا إلى أن ننتقي ما نقرأ، علمًا أنه في كل دقيقة تصدر أربع مقالات حسب ريتشارد نايت، فإن ٩٠٪ من مجموع المعرفة تم إنتاجها خلال الثلاثين سنة الأخيرة(١)؛ بل إنه حسب بعض الإحصائيات، فإلى حدود مطلع القرن الماضي سنة ١٩٠٠م، كانت المعرفة الإنسانية تتضاعف كل قرن، وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها سنة ١٩٤٥م صارت المعرفة الإنسانية تتضاعف كل ربع قرن. أما اليوم فوَفْقًا لشركة IBM المتخصصة في صناعة وتطوير البرمجيات، فإن المعرفة الإنسانية سوف تتضاعف كل ١٢ ساعة بظهور ما يسمى إنترنت الأشياء (IoT)(٢)، وهو ما يبعث على الحيرة ويجعل من المستحيل تمامًا أن نواكب ما ينشر مهما كرسنا حياتنا كلها للقراءة، وذلك ما يدعو بالضرورة إلى انتقاء ما نقرأ.

فما الحاجة -إذن- إلى إضاعة ساعات أو أيام في قراءة نصوص لا تفيد، ونترك بالمقابل كتبًا جديرة بالقراءة؟ نحن في حاجة إلى قراءة كتّاب تركوا بصمات في التاريخ، علينا أن نوفر الوقت لقراءة التاريخ والفكر والفلسفة والدين والأدب الرفيع، علينا أن نقرأ وأن نخصص جزءًا من وقتنا لقراءة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وأن ندرس الفلسفة عبر تاريخها الطويل.. وأعتقد أن ذلك سيكلفنا عمرًا كاملاً، وسيغيرنا وسيغنينا عن قراءة كتب أخرى لا نفع فيها.

الكاتب وأفق انتظار القارئ

لهذه الأسباب مجتمعة، يبدو أنه على كل أديب أراد أن يكتب أن يراعي أفق انتظار القارئ، وعلى كل من أراد أن ينشر، أن يراجع جيدًا ما يريد أن ينشر، عليه أن يطرح السؤال: هل هذا العمل سيرقى إلى ذوق القارئ العادي أم لا؟ ليس الناقد طبعًا، فالناقد بكثرة زخرفاته وأدواته القانونية القاتلة قتل الأدب، لذا كتب أبو النقاد المعاصرين “تودوروف” كتابه ” الأدب في خطر” معبرًا فيه عن تشويه النقد المعاصر للأدب. فالأدباء أبدعوا حين كانت الكلمة للذوق الأدبي الرفيع، ومات أدبهم عندما أصبحت الكلمة للنقد المادي الذي شيّأ الأدب وقتل الملكات الإبداعية.. وفي هذا يقول “تودوروف”: “للأدب دور حيوي يلعبه، لكنه ليكون كذلك، ينبغي أخذه بهذا المعنى الواسع والقوي الذي هيمن في أوروبا حتى نهاية القرن التاسع عشر وصار مهمشًا اليوم، بينما ينتصر تصور مختزل على نحو غير معقول. والقارئ العادي الذي يستمر في البحث ضمن الأعمال التي يقرأها عمّا يمنح معنى لحياته، هو على صواب ضد الأساتذة، والنقاد، والكتاب الذين يقولون له إن الأدب لا يتحدث إلا عن نفسه، أو لا يعلّم إلا اليأس، إذا لم يكن على صواب، فسيكون محكومًا على القراءة بالزوال في أجل قريب”(٣).

على الأدب أن يخلص للقارئ وأن يخلص للفكرة وأن يخلص للمجتمع وأن يعبر عن تحولاته، وأن يعبر عن القيم النبيلة للأمة بلغة اجتماعية مفهومة، فالأديب يجعلنا نحيا حياة الآخرين، كما أن الأدب يعلمنا الحكمة التي تجعلنا نعطي قيمة للأشياء ونؤمن بالحياة.

إن الأدب الذي سيفرض ذاته على القارئ ليقرأه وسيُكتب له البقاء في المستقبل، هو الأدب الصادق الذي سيعبِّر بصدق عن عصرنا في غير ما تنميق أو حذلقة.

(*) كاتب وباحث مغربي.

الهوامش

(١) قيمة القيم، المهدي المنجرة، المركز الثقافي العربين ٢٠٠٨، ص:٦٠.

(٢) العالم المعرفي المتوقد، طلال أبو غزالة، طلال أبو غزالة للترجمة والتوزيع والنشر، الطبعة الأولى ٢٠١٨، ص:٢١.

(٣) الأدب في خطر، تزفيطان تودوروف، دار توبقال، نشر ضمن سلسلة المعرفة، الطبعة الأولى ٢٠٠٧، ص:٤٥.