“التشميس” (Insolation) مصطلح فزيائي له تطبيقات عديدة في حقول الطبِّ والزراعة والصناعة وغيرها، وهو يَعني تعريضَ مادَّة ما إلى كمِّية من أشعَّة الشمس (أو الأشعة المعدَّة مخبريًّا) محضَّرة بعناية، ومكثَّفة بدقَّة، وموجَّهة توجيهًا محسوبًا. وفي مجال الطباعة يُستخدم هذا المبدأ لحفر الحروف من الأفلام الشفافة على سطح صفائح الزنك.
وفي مجال الحضارة وحركية التاريخ، تتعرض “النماذج” (أي الأفكار والحركات والمشاريع…) للتشميس في ظروف خاصَّة قاهرة، أي في حين تعرُّضها “لأزمات”(1)، وحينها فقط تظهر المناطق الحسَّاسة، و”الأسئلة القلقة”، والإشكالات التي لم يوجد لها حلٌّ معقول، والحاجاتُ التي عجز النموذج عن إيجاد جواب “علميّ – عمليّ” لها.
ومن “السنن الكونية” أنه كلَّما كان النموذج كبيرًا كلَّما صار عُرضة للتشميس أكثر من غيره… فالاختبار يكبر مع النموذج ويصغر معه، ومن ثم كان الأنبياء عليهم السلام -وهم “النموذج الأكمل” في “الحراك الحضاري” البشري- عرضةً لأشدّ الاختبارات وعورةً، أي لأشد أنواع التشميس إحراقًا.(2)
وفي العالم الإسلامي المعاصر، كان الاتصال الأوَّل مع الغرب ما بعد نهضته المادية، اتصالاً شاقًّا وذكرى قاسية، ذلك أنه عرف أثر “التكنولوجيا” الحربية قبل أن يتعرَّف على آثارها السلمية.
ففي مدينة “نزوى” بسلطنة عُمان مثلاً، يمكن أن نزور قريةً صغيرة محاطة بسور حجريّ، دمَّرها الإنجليز بالطائرات الحربية و”قنابل النابلم”، حتى يقضي على “الإمامة” هناك، منتصرًا لنوع من “الولاء السلطانيّ” له، ومِن ثم عرف الإنسان داخل هذه القرية صوت الطائرات وهي تحمل الموت، ولم ير يومًا طائرة تحمل السلام أو تحملُه بسلام، وكذلك الحال في سائر البلاد الإسلامية.
وحين سلِّط الشعاع الحارق للمدنيَّة المعاصرة على الإنسان المسلم، كان قد فقد منذ أمدٍ كلَّ أسباب التنظيم، وفقد معها المبرر للوجود، وصار المجتمع أشلاء متصارعة، أنهكتها الخلافات القبلية، وأكسبها الجهل والفاقة نوعًا من مرض “فقدان الدم”، فلم يجد لحركته ولا لزمنه ولا لذاته معنى ولا تميزًا ولا سبيلاً للدفاع عنها. وأحسن توصيف لهذه الصعقة خلال حملات نابليون إلى مصر، ما دوَّنه عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ في كتابه “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”.
ولقد أبدع مالك بن نبي حين شبَّه هذه الحال من التلاقي القدري بين الشرق المستعمَر والغرب المستعمِر، بقوله: “قام إنسان أوروبا دونما قصد، بدور الديناميت الذي نسف معسكر الصمت والتأمل والأحلام… وبذلك شعر إنسان ما بعد الموحدين بهزة انتفض بعدها مستيقظًا”(3).
هذا الاستيقاظ في عالم المسلمين تشكَّل في نموذجين اثنين هما: “النموذج الإصلاحي” الذي مثَّل عمق الذات المسلمة، و”نموذج التحديث” الذي شكَّل قشرةً سطحية يسكنُها ثلة من المثقَّفين تغطِّي جسد الأمَّة ولا تلج إلى روحها.
والذي يعنينا في “نموذج الرشد” هو “النموذج الإصلاحي” العميق، لا “النموذج الحداثي” الرقيق؛ ذلك أن الشيخين جمال الدين الأفغاني، وبعده الشيخ محمد عبده، قد أعادا للمسلم بوصلته، واتَّبعت الحركة الإصلاحية في كامل العالم الإسلامي، هذا الصوت الصادق المبحوح في آن واحدٍ. ثم تأسَّست في الجزائر -مثلاً- “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” برئاسة ابن باديس وثلة ممن معه من العلماء المجاهدين، وكذلك الحال في سائر البلاد العربية بالخصوص.
غير أن الشعاع المسلَّط على هذا النموذج ما كان ليتناقص، بل إنه مع مرور الوقت بدأ يتكثَّف رُويدًا رُويدًا، ويلقي أسئلة جديدةً من نوع جديد… استطاع أمثال الإمام حسن البنا، وبديع الزمان النورسي، أن يجيبوا على بعضها بأصالة وفاعلية، وبقي بعضُها الآخر مرهونًا على أجوبة أصيلة لكنَّها لم ترق إلى الفاعلية المرجوة حسب السياق والمرحلة، ونوع ثالث من الأسئلة للأسف لم يجد الجواب الكافي أصالة ولا الشافي فعالية، من مثل: أزمة الحكم، والاقتصاد، والإعلام، والمرأة، والإستراتيجات… ولعلَّ بعضها لا يزال ينتظر في الطابور إلى حين.
ومن بين الملاحظات التي تسجَّل على هذا النموذج (أعني النموذج الإصلاحي) ما ذكره بعض النقاد من مثل: الذرِّية، والحروفية، وأزمة التعليم، والانفصام بين النظر والتطبيق، والتشرذم، وضعف آلة النقد والتصفية الذاتية، وغياب التخطيط العلمي المحكم.
في هذه الظروف، كان ثمة جنينٌ يتخلَّق بعيدًا عن الأنظار، داخل رحم الأمَّة المِعطاء، التي لا ينقطع الخير منها -حتى وإن قلَّ وضعُف- إلى يوم الدين.(4) ولا ريب أن أعضاء وأجزاء هذا الجنين لم يكن بينها بالضرورة اتصالٌ وتواصل مباشر، غير أن صفات “المتَّحد العلمي الحضاري”، ومواصفات “الجماعة العلمية الفكرية”، بخاصة صفة “سؤال الأزمة المشترك”، كلُّ هذا كان الرابطَ الأساس بين هؤلاء الذين مثّلوا بذرةَ “نموذج حضاري بديل” بوعي من المؤرخين والدارسين، أو بغير وعي منهم.
والحقُّ أن “سؤال الأزمة المشترك” الذي هو شرط أساس للاتحاد في المنطلق، والتناغم في الحركة، وتوحيد الوجهة، كان سؤالاً عن “حركية الفكر والفعل”، وعن كيفية “تحويل المعرفة إلى سلوك” والذي سمي فيما بعد “سؤال نموذج الرشد” المحوري الرئيس.
يؤكد طه عبد الرحمن هذا المنحى في كتابه “العمل الديني وتجديد العقل” بتسجيله لهذه الملاحظة الدقيقة فيقول: “مِن شروط كمال العقل، أن لا ينفكَّ العلم عن العمل في الممارسة العقلية. فلا نكاد نجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وقف عند هذه الرابطة بين العلم والعمل، معبِّرًا عنها بهذه الصيغة أو تلك”(5).
حتى يتبين حقيقة ما ذُكر، سنعرض أبرز أعضاء “الجماعة العلمية المرجعية” التي أعتبرها “نموذج الرشد” هي الشعلة الأولى، والقطرة الأولى، والنسمة الأولى لهذا “النموذج الحضاري البديل”، وهي تتكون ابتداء من العلماء المفكرين: محمد إقبال، ومالك بن نبي، وعلي عزّت بيجوفيتش، وعبد الوهاب المسيري، ومحمد مهاتير، وفتح الله كولن… مع ضرورة التعجُّل بملاحظة أنَّ هؤلاء يشكِّلون “المثال والعيِّنة الأساس” ولا يقتصر الحكم عليهم وحدهم فقط.
محمد إقبال: ومبدأ الحركة
لعل إرهاصات هذا السؤال ولِدت مِن رحم محمد إقبال، وهو يخطّ الصفحات الأولى من مؤلفه “تجديد الفكر الديني” حين قال في تقديمه للكتاب: “يؤكِّد القرآن على العمل أكثر من تأكيده على الفكر، ومع ذلك فسنجد أناسًا عاجزين بطبيعتهم عن أن يتمثلوا عالمًا غريبًا عنهم”(6). ثم جاء الفصل الأوَّل من كتابه معبِّرًا عن هذا التوجُّه، وقد انتقى له هذا العنوان الدال: “المعرفة والتجربة الدينية”.
غير أن الفصل المعنون بـ”مبدأ الحركة في بناء الإسلام” هو بؤبؤ مشروعه، وهو لبُّ مخطَّطه الحضاري، وقد قرَّر من خلاله أنَّ “الإسلام -كحركة ثقافية- يرفُض النظرة الاستاتيكية القديمة للكون، ويبني نظرة ديناميكية، يتَّسم فيها الكون بالحركة والتغير”.
ثم يسأل على إثر جدلية الثابت والمتغير، التي كانت السبب في مصادمة أوروبا لروح الإنسان ولروح الثقافة باعتبارها التغيُّرَ هو السمة لكلِّ شيء، بينما تسبَّب هذا السؤال في جمود العالم الإسلامي وركوده، وهو الذي راح يثبت كلَّ ما من شأنه التغير، ويقدِّس كلَّ ما من شأنه التجربة والواقع، راح إقبال يسأل بحقٍّ: ما هو مبدأ الحركة في الإسلام؟ ثم يجيب باختصار ووضوح: إنه ما يعرف باسم “الاجتهاد”.
ولقد نفخ محمد إقبال من خلال أشعاره، الروح في الملايين من القرَّاء والمثقفين في العالم الإسلامي، غير أنه لم يكن شعرًا أدبيًّا صرفًا معنيًّا بالمحسنات الأسلوبية بقدر ما كان شعرًا ثوريًّا حركيًّا حضاريًّا، يحمل همَّ سؤال التخلف للمسلمين، ويثير فيهم بعناية سؤال الأزمة، ثم يُنشد صداحًا:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن لم يُحيِ دينا
ومَن رضي الحياة بغير دينٍ
فقد جَعل الفناء لها قريـنا
وفي التوحيد للهمم اتحادٌ
ولـن تبنوا العُـلى متفرِّقيــنا
مالك بن نبي: عِلمٌ لم يولد بعدُ
مِن خلال معادلة الحضارة يصوغ مالك بن نبي معيارًا يجعل الوقت عنصرًا أساسًا وليس تابعًا؛ فالحضارة عنده تساوي “الإنسان والوقت والتراب”، ثم يشرِّح عنصر الوقت بمقاربات عديدة منها “التوجيهُ العملي”، و”الفعالية”، و”توجيه العمل”.
ففي مستوى الفعالية يرسو ابن نبي على قمَّة “نموذج الرشد”، وبالتالي تتحوَّل “العلاقة بين الفكر والفعل” عنده إلى صبغة لازمة لكلِّ فكرة ومشروع في جميع كتاباته ومحاضراته. فهو يقول -مثلاً- عن عقيدةٍ إنها: “تجرَّدت من فاعليتها؛ لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي فأصبحت جذبية فردية”، ثم ينتهي إلى النتيجة الآتية: “وعليه، فليست المشكلة أن نعلِّم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نردَّ إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوَّتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعيَّ. وفي كلمة واحدة: إنَّ مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله، بقدر ما هي في أن نُشعره بوجوده ونملأ به نفسه باعتباره مصدرًا للطاقة”(7).
ويعيد ابن نبي كلَّ حركية وفعل حضاري إلى مستواها الإيماني، أي إلى حقيقة العلاقة بالله، ومِن ثم فهو ينبِّهنا إلى أنَّ هذه المهمَّة (أي مهمة تغيير النفس) وإقدارَها على أن تتجاوز وضعَها المألوف، هي من شأن “علمٍ لم يوضع له اسمٌ بعدُ”، ثم يقترح له اسمًا ويقول: “يمكن أن نسمِّيه علم تجديد الصلة بالله”(8).
ويؤكد في سياق آخر “أنَّ العقل المجرَّد متوفِّرٌ في بلادنا، غير أنَّ العقل التطبيقي الذي يتكوَّن في جوهره من الإرادة والانتباه، هو شيء يكاد يكون معدومًا”. ثم يقول ملاحِظًا: “إننا نرى في حياتنا اليومية جانبًا كبيرًا من اللافعالية في أعمالنا”، ذلك أننا نفتقد “الضابط الذي يربط بين عملٍ وهدفِه، بين سياسةٍ ووسائلِها، بين ثقافةٍ ومُثلِها، بين فكرةٍ وتحقيقِها”(9).
وعن القرآن الكريم وعلاقتنا به ينبِّه ابن نبي أنه “قد يقال: إنَّ المجتمع الإسلامي يعيش طبقًا لمبادئ القرآن، ومع ذلك فمن الصواب أن نقول: إنَّه يتكلَّم تبعًا لمبادئ القرآن”.
ثم ينتهي إلى نتيجة مفادها أنَّ “الذي ينقصُ المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة، فهو لا يفكِّر ليعمل، بل ليقول كلامًا مجرَّدًا. بل أكثر من ذلك، فهو أحيانًا يُبغض أولئك الذين يفكِّرون تفكيرًا مؤثرًا، ويقولون كلامًا منطقيًّا، من شأنه أن يتحوَّل إلى عمل ونشاط”(10).
بمثل هذا الطرح الديناميكي الحضاري تبوأ مالك بن نبي موقع الصدارة في “المتحد العلمي” المؤسِّس “لنموذج الرشد”، حتى وإن كان في مستوى الثمار المباشرة على الواقع غير محظوظ، شأن علي عزت بيجوفيتش، وفتح الله كولن مثلاً.
والحقُّ أنَّ الظروف والمرحلة، و”النسيج الحضاري”، و”الوعاء الحضاري”(11)، كلُّ ذلك وقف حائلاً أمامَه وأفقده التمثُّل الواقعي المباشر، غير أنَّ الملايين من القرَّاء من مختلف بلاد العالم، يتنفَّسون أفكاره ويفعِّلون مناهجه بصورة أو بأخرى، لعل أبرزهم محمد مهاتير الذي ذكر أنه تأثر من فكر ابن نبي، وفعّله في مشروعه النهضوي.
علي عزت بيجوفيتش: المجتهد المجاهد
حياة علي عزت بيجوفيتش تتمحور حول سؤال الأزمة، وتجيب بفعالية على إمكانية الجمع بين العلم والعمل، فهو “ليس مجتهدًا وحسب، وإنما هو مجاهد أيضًا، فهو مفكِّر ورئيس دولة، يحلِّل الحضارة الغربية ويبيِّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفي نموذجها المهيمن، ثم يتصدَّى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه”(12).
وفي المعالجة الفكرية يعتبر علي عزت الإسلامَ طريقًا ثالثًا جامعًا في تعاليمه “بين السماء والأرض”، و”الله تعالى خلق الإنسان ليكون سيِّدًا في الأرض أي خليفة”(13). ثم يؤكِّد على غرار محمد إقبال، أنَّ “الصلاة ليست مجرَّد تعبير عن موقف الإسلام من العالم، وإنما هي أيضًا انعكاس للطريقة التي يريد بها الإسلام تنظيم هذا العالم”(14).
ثم يعرِّف الإسلام -في ذات السياق المرجعي- أنه “دعوةٌ لحياة مادية وروحية معًا، حياةٍ تشمل العالمين الجواني والبرّاني جميعًا، أو كما يقرر القرآن الكريم: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)(القصص:77)”(15).
أمَّا عن سبب تخلُّف المسلمين، فيعيده علي عزت إلى “الانفصام بين التعاليم والعمل”، بين “النص والآخرة من جهة، والواقع والحضارة من جهة ثانية” فيقول: “لقد انشطرت وحدة الإسلام على يد أناس قصروا الإسلام على جانبه الديني المجرد، فأهدروا وحدته وهي خاصيتُه التي يتفرَّد بها عن سائر الأديان. لقد اختزلوا الإسلام إلى دينٍ مجرَّد أو إلى صوفيَّة، فتدهورت أحوالُ المسلمين؛ ذلك لأن المسلمين عندما يضعف نشاطهم، وعندما يُهملون دورهم في هذا العالم، ويتوقَّفون عن التعامل معه، تصبح الدولة الإسلامية كأيِّ دولة أخرى، ويُصبح تأثير الجانب الديني في الإسلام كتأثير أيِّ دين آخر، وتصبح الدولة قوَّة عريانة لا تخدم إلا نفسها”.
نعَم، يواصل علي عزت في قوله “حين يبدأ الدين (الخامل) يجرُّ المجتمع نحو السلبية والتخلُّف، يشكِّل الملوكُ والأمراء… وفرق الدراويش والصوفية… يشكِّلون جميعًا الوجهَ الخارجي للانشطار الداخلي…” إنَّ هذا النمط المنحرف المنشطر “يمكن أن نطلق عليه اسم نصرنة الإسلام”(16).
عبد الوهاب المسيري: النماذج وتقليص المسافة مع الواقع
يقف عبد الوهاب المسيري مفكِّرًا شامخًا فريدًا، وهو يحلِّل ظاهرة اليهودية والصهيونية، باعتماده “النماذج الإدراكية” أداةَ تحليلٍ وآلة كشفٍ عن الخفايا، وبالتالي فهو يضع الإصبع على محلِّ الداء، ويقول تحت عنوان “النموذج والأقوال والنوايا”: “النموذج أداةٌ تحليلية يتمكَّن الدارس من خلالها من الاقتراب من جوهر الظاهرة، بحيث يمكنه أن يعرف ما هو جوهري فيها وما هو فرعي، وما هو نماذجي، وما هو عرَضي. ونحن نُطلق على ما هو عرضي اصطلاح “قول” أو “أقوال” بمعنى أنها مجرَّد كلمات زُخرفية لا تُعبِّر عن حقيقة النموذج”.
ويصف البنيةَ الكامنة للصهيونية، والتي طالما فضحها القرآن الكريم فيقول: “حاولنا تَجاوُز الادعاءات والأقوال الصهيونية لنصل إلى البنية الكامنة التي تشكَّلت في الواقع. ونحن نميل إلى التفرقة بين النوايا والديباجات من جهة، والبنية من جهة أخرى”.
ومصطلح “الديباجة” مفتاحيٌّ في فكر المسيري، وهو يعرفه لغة، ثم يؤسس عليه حكمه فيقول: “تفترض الكلمةُ (ديباجة) وجودَ مسافة بين الشكل والمضمون، وبين الظاهر والباطن، وبين الواقع والاعتذاريات، ولكنها لا تستبعد في الوقت نفسه إمكانية التوافق التامّ والامتزاج. ومن ثم، فهي كلمة يمكن أن نصفها بأنها مركَّبة”.
ثم يلاحِظ على المصطلحات والمفاهيم أنها كثيرًا ما تكون مجرَّد “ديباجة فكرية لغوية” تُخفي وراءها مدلولات كامنة غير ظاهرة، ومثال ذلك “الثلاثي الديني: كاثوليك – بروتستانت – أرثوذكس، يقابله تقسيم ثلاثي عرْقي: لاتين – أنجلو ساكسون – سلاف. وهذا يدلُّ على أنَّ الدين إن هو إلا ديباجة وقشرة رقيقة تغطي المصالح الاقتصادية والرؤى العرْقية”. ثم يؤكِّد هذا التطبيق بالقول: “سنتناول اليهودية الليبرالية واليهودية التجديدية باعتبارهما حركتين تدَّعيان أنهما “دينيتان” ولكنهما في واقع الأمر علمانيتان بشكل واضح. فالديباجة الدينية شاحبةٌ، وفكرةُ الإله تتأرجح بين مرحلة شحوب الإله وموتِه الكلي، بل اختفاءِ ظلاله الباقية في مرحلة ما بعد الحداثة. فكلاهما مرجعيته النهائية هي الدنيا أو التاريخ أو الطبيعة، ولذا فهما يحاولان تكييف العقيدة لتتفق مع الدنيا”.
وفي مستوى الظاهرة الإنسانية يراجع المسيري “النموذج الماديَّ الواحديَّ الاختزاليَّ” مراجعةً مستميتة؛ ويظهر بالدليل التاريخي والمعرفي أنَّ “اختزال الظاهرة الإنسانية” في سببٍ واحد، أو في تفسيرٍ واحد، مانعٌ من العمل؛ وأنَّ “اعتبارها مركَّبة” ذات أبعادٍ مختلفة، وأسبابٍ متراكبة متراكمة، يمكِّن من “الفعالية والفعل الإيجابي”.
ومثال على ذلك ظاهرة اليهودية حين تختزل إلى تفسير واحد، على أنها مثلاً “شرٌّ كله”؛ أو أنَّ “اليهود يتحكَّمون في العالم”… فتكون النتيجة أن لا عمل ولا حركية ولا إمكان لتغيير الواقع، وبالتالي يتم الرضوخ لهذا التفسير المختزل، ومن ثمَّ الإقرار به.
ويقاس إلى ذلك الخطاب التعبويُّ الاختزاليُّ (السياسي غالبًا)، بمقابل الخطاب التفسيري المركَّب (الفكري – الحضاري عمومًا)؛ وكذا المعرفةُ المختزلة والمعرفة المركَّبة. وكلُّ ما من شأنه أن يعيد الصلة وثيقة بين العلم والعمل، بين الفكر والفعل، بين الحقيقة والواقع.
محمد مهاتير: نحو حراك حضاري آسيوي
في “موسوعة” رئيس ماليزيا السابق “محمَّد مهاتير” وفي مؤلَّفاته الأخرى -بخاصَّة “صوت آسيا”- نقرأ الكثير حول أزمة المسلمين.(17) ولعل “الجدل” الذي يعني افتقادَ القدرةِ على الفعل المؤسَّس على القول، أو الكلامَ لأجل الكلام لا غير، هو الإشكال الأوَّل الذي عانى منه مهاتير، واستنكرَه في شعب “الملايو” بخاصة، وفي الشعوب الإسلامية الأخرى بعامة، وفي ذلك يقول: “في كلِّ مرَّة تناقَش فكرة، تُستخدم الطاقات والأفكار، لا من أجل تطبيقها وإنما لإخضاعها لنقاش ممتدٍّ ومناظرة طويلة”(18).
ثم يدعو مهاتير إلى كسر الانفصام “بين الواقع والنص” ويقول: “عندما يتصارع الواقع والمنطق والعقيدة نتيجة هذه الحيرة، سيكون اختيارًا ليس فقط غير حكيم، بل ربما كان ضارًّا بالفرد وبالمجتمع”(19) وبالتالي فإن الإسلام لا يعرف مثل هذا الصراع الموهوم، فهو “دين غيرُ عادي، وإنه منهجٌ متكامل للحياة.(20)
ولقد كان واقعيًّا بحقٍّ حين عرض هذا المثال: “إذا كنَّا نُريد أن نحافظ على الإسلام وعلى الروحانية، فلابد أن يقوّي الواقع درجةَ الإيمان. عندما يعاني شخصٌ ما، ويكون مجبرًا على أن ينسى احترامَه لذاته، يصبحُ من الصعب عليه أن يصدِّق أنه يعيش حياةً سعيدة بالفعل، أو أنه أسعدَ حالاً من جاره الذي يعيش في رغد، بالرغم من عدم وجود إيمان ديني لديه. بالنسبة له يكون الواقع متناقضًا مع الإيمان، ولن يقبل عقلُه أيَّ زعم واضح بأنه حقيقي”(21).
وما من ريب أن الأمة وهي في مرحلة استعادة الرشد والعودة إلى مقامها الذي خُلقت له، هي في حاجة إلى الربط بين كلام الله تعالى ومبادئ الإسلام الحنيف من جهة، والواقع والفعل الحضاري من جهة ثانية، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(الأنبياء:105). “العمل الجادُّ، والمثابرة، وبذلُ الجهد، وعدم الاستسلام… كلُّها وسائل لتحقيق النجاح في الحياة”(22).
وكم يعجب المرء بمحمّد مهاتير وهو يقيّم التجربة الماليزية تقييمًا صحيحًا يمتاز “بالقابلية للصدق” في حوار مع صديق لي التقى به في كوالانبور، يقول فيه: “إنها تجربة لم تنجح؛ لأن أبناء الملايو المسلمون -للأسف- لم يتخلَّوا عن أسباب التخلُّف: الجدل، والكسل، والانفصام بين الفكر والفعل… وغير ذلك”.
فتح الله كولن: ورثة الأرض
والأستاذ فتح الله كولن بروحه التجديدية يلخِّص رسالة “الخدمة”، ومبرِّر وجودها، في سؤال الأزمة، الذي يعالج تلك “العلاقة بين الفكر والفعل”، ويكتب في مستهلّ مقال بعنوان: “الحركية والفكر” ما يلي: “يمكن تلخيص خطِّ كفاحنا كورثة الأرض بكلمتيْ “الحركية”، و”الفكر”. وإنَّ وجودنا بوجهه الحقيقي يمرُّ عبر الحركية والفكر، حركيةٍ وفكرٍ يغيِّران الذات والآخرين. ومن وجهة أخرى، يبدو كلُّ وجود وكأنه حاصل حركة ومجموعة أنظمة، وبقاؤه مرتبطٌ بالحركة وبتلك الأنظمة، وإنَّ أهمَّ شيء وأشده ضرورة في حياتنا هو الحركية”(23).
وفي مقال آخر له بعنوان “إنسان الفكر والحركية”، يؤكِّد الأستاذ هذا المعنى في وصفه لرجل القلب، الذي يكون دومًا في “خطِّ الحياة الممتدِّ على مدى فصولها من الحسّ إلى الفكر، ثم إلى الحياة العمليَّة، يتنفَّس النظام دومًا، وينشغل بحس البناء والإنشاء أبدًا”(24).
ويصف الأستاذ فتح الله رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه “كان صرحًا للإيمان والحركية”، ثم يقول عنه، وهو القدوة في كلِّ شيء وبخاصَّة في هذا الربط المحكم بين العلم والعمل، بين الفكر والحركية، يقول عنه -صلى الله عليه وسلم-: “ليس في البشرية مَن قَرَن بين الإيمان والحركية قِرانًا لازمًا متوازنًا، فريدًا من نوعه إلا حضرة النبي محمد عليه أكمل التحايا. فقد ارتبط وتعلَّق بالله بإيمان غامر، وآمن -بكلِّ كيانه- بأنه رسولٌ لله، وسلَّم له سبحانه تسليمًا مطلقًا، وعَمِل -في كل وقت- بشعور عميق بالمسؤولية، ولم ينزغه نزغ من التردُّد والتلكُّؤ في اعتقاده أو دعوته أو استقامة سبيله أو توفيق الله له”(25).
والحق أننا لو تتبعنا سيرة الأستاذ فتح الله، ولو قرأنا واقع “الخدمة” عبر العالم، لما جاز لنا إلا أن نقرر أن “البراديم كولن” حلقة بارزة ومتقدِّمة ضمن “البراديم الحضاري البديل”، أعني “نموذج الرشد”. ولقد سعيت لهذه القراءة وتفرّغت لها لمدة تزيد على العامين، ثم انتهيتُ إلى هذا الإقرار الذي أودعته رسالةً بعثت بها إلى الأستاذ، ثم نشرت في مقدمة كتاب “ذي قربتي”، وفيها ذكرت أنه: “هنا، ومن هنا، وهكذا، وبهذا، ولهذا، وفي هذا، وعند هذا… اكتشفتُ ما أحسب أنه أعظم من اكتشاف “كريستوف كولومب” لأمركيا الجديدة، اكتشفتُ “البراديم كولن”، أي “الجوابَ على سؤال الانفصام بين الفكر والفعل في واقع الأمة اليومَ”؛ ولم يكن الجواب “نظريًّا تنظيريًّا”، وما ينبغي له أن يكون… كذلك لم يكن “عمليًّا صرفًا، وميدانيًّا خالصًا” ولا يليق به أن يكون… وإنما كان خيطًا من ذهب يصِل الفكر بالفعل، ويربط العلم بالعمل… فالتقى السالب (الإيماني-الخلقي) بالموجِب (الجهادي-الحركي)، فسطع على الكون ضوءُ الإيمان، وغمر الوجودَ ضياء القرآن…”(26).
الفيلم والصورة: نسبية النموذج البديل
من خصائص “النموذج الحضاري” أنه ليس “أبديًّا”، فهو مرتبط عضويًا بالمرحلة وبـ”حركية التاريخ”، و”النموذج المعياري” الوحيد هو “الرسول -صلى الله عليه وسلم-” فردًا و”عصر السعادة والصحبة” مجتمعًا. وإذا كان الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- مبرَّأ من العيوب والنقائص (أي إنسانًا كاملاً بالمعطى البشري) إلا أن معيارية الصحابة نسبيةٌ، فلا يمكن أن ينسب إليهم “الكمال المطلق” وإن كانوا أوفرَ حظًّا وأسمى مقامًا ممن سبقهم وممن لحقهم، فهم أصحاب “المعية النبوية”: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ)(الفتح:29). وعصر السعادة هو “أكمل نموذج” و”أمثل معيار حضاري بشري” بكلِّ الخصائص والمعالم.
ومن ثم، فلو جاز لنا أن نستعير من صناعة الطباعة صورةً إدراكية ثانية، فإنما نمثِّل “النموذج الجزئي” بالفيلم الذي يحمل خلفية لون معيَّن، وبتجميع الأفلام بعضها إلى بعض، أي بضم النماذج بعضها إلى بعض، تكتمل الصورة والمشهد الممثل للأمة في كلياتها، وأيُّ إلغاء أو إقصاء لأيِّ شريحة أو لونٍ، سيكون له بالضرورة أثر سلبي على وضوح ونصاعة ودقة الصورة.
إلا أن ثمة ألوانًا غالبة صابغة، وأخرى مهيمنٌ عليها تابعة حسب “فعالية النموذج” وقدرته على استيعاب “أسئلة الأزمة” الخاصة بتلك المرحلة، ولا اعتبار للكم والعدد والرقم والحجم، بل العبرة في النوع والصلاح و”الصدقية”، والأثر الإيجابي.
أمَّا التحدي اليومَ، فيكمن في تقبل الآخرِ جزءًا من المشهد حتى ولو كان سلبيًّا أحيانًا، وهذا لا يعني قبول السلبية مبدءًا، وإنما القبول بها وفق “السنن الكونية”. ولعل هذا يفسر تطمين الله تعالى لرسوله الكريم وحملِه على قبول أنَّ الهداية لا -ولن- تعمَّ الناس جميعًا: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)(يوسف:103). ولننتبه إلى الجملة الاعتراضية الاستباقية الدالة على علم الله تعالى بخفايا قلب نبيه الحبيب (وَلَوْ حَرَصْتَ)، وعادة الأسلوب البشري أن يقال: “وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصتَ”، لكن في مستوى التقبل يكون الفرق بيِّنًا.
فهل آن الأوان “لنموذج الرشد” -باعتباره “نموذجًا حضاريًّا بديلاً”- أن يسجِّل بصمته في جميع مناحي الحياة، وأن يبلِّغ أثره إلى جميع الجيوب الجغرافية للمسلمين ابتداء، وللبشرية قاطبة؟!
هذا هو المأمول، وهذا ما تشير إليه صراحةً الآياتُ الكريمات: (لِلْعَالَمِينَ)، (كَافَّةً لِلنَّاسِ)، (مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)، (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ)… وغيرها.
والظلُّ العملي الحضاري الواقعي لهذه الآيات، لا -ولن – يتحقَّق إلا بتحويل هذا المعنى إلى حركية دائمة وإلى برامج شاملةٍ. ولن يتأتَّى هذا -بالضرورة- إلا بين يدي “متَّحَد معرفي حضاري” عامل حسب السياقات، لإحلال الإسلام معطىً كونيًّا مفتوحًا، لا مجرَّد شعائر مجتمعية مغلقة.
رسالة “ذي قربتي” إلى الأستاذ فتح الله كولن
الصلاة والسلام على “شجرة الوجود، والعلَّةِ الغائية لكتاب الكائنات، وأقوى صوت للدعوة إلى الحقِّ سبحانه”.
التحيةُ والإكرام لسيدي وحبيبي ونور قلبي “صرحِ الإيمان والحركية”؛ محمدٍ بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- في ذكرى مولده… صلَّت عليه الخلائق شوقًا، وتشوَّفت إلى جماله القلوب عِشقًا.
وبعدُ، فلقد حملتُ منذ أمدٍ سؤالاً صغيرًا كبيرًا، أحسب أنَّ المسلمين في كلِّ العصور حين يسقطون في امتحان التمكين والاستخلاف، إنما يُخفقون في الإجابة على هذا السؤال الخطير الجدير، وهو: كيف نحوِّل الفكر إلى فعل، وكيف نصل العلمَ بالعمل؟!
ولقد سافرتُ به، وسافرت معه، فقطعت مسافات زمنية مديدة، وعبرت مساحات مكانية عديدة… بحثًا، وحفرًا، وتنقيبًا… وكلِّي يقينٌ أنَّ حقيقة القرآن وحقيقة الإيمان، ثم على إثرهما الحقيقةُ الأحمدية والحقيقةُ الراشدية… إنما تدعو إلى “القِران بين الإيمان والحركية قِرانًا لازمًا متوازنًا، فريدًا من نوعه”، وذلك ما لم يحقِّقه على إطلاقه “إلا حضرةُ النبي محمد عليه أكمل التحايا” (ونحن نبني حضارتنا).
ولقد قلت في نفسي ولنفسي يومها: “لو ألفيتُ مفكّرًا، أو مجدِّدًا، أو مشروعًا، أو حركة… استطاع أن يصل ما أمر الله به أن يوصل، فلم يقطِّع أرحام الإيمان والفكر والحركية، ولم يبدِّد -في تصوراته وتصرفاته- جمالَ “شمولية” النور السرمدي وجلاله… ولم يظلم كماله البديعَ، واكتمالَه”… قلتُ: “لو اهتديتُ إلى ذلكم المرتقى الراقي، وإلى ذلكم الركن الركين، فسأعقِد النية -بحول الله- أن أتِّخذه إمامًا، وأسوةً، وقدوةً… ولا أبالي”.
ولقد كتبتُ يومها عهدًا بيني وبين خالقي ومُرشدي ومدبِّر أمري سبحانه… فعقدتُ العزم، وشمرت عن ساعد الجدِّ حسبَ طاقتي وعجزي وقلَّة حيلتي… ثم انطلقت…
إلى أن فتح الله تعالى عليَّ بـ”فتح الله”، فانكببتُ على ما تُرجم من مقالاته وكتبه ألتهمها التهامًا، وأهتبِل الفرصةَ في العبِّ من معينها اهتبالاً، ويشاء المولى الكريم -بعد ذلك- أن أزورَ بعضًا من آثار ذلكم الميراث الزكي، وألتقي بشباب “الخدمة” الذكي، وهم شموس في سماء الأفق الرحيب، وهم ثمرةٌ لشجرة الملَّة المحمَّدية المعطاء: دماثةَ خلقٍ، وسعة أفقٍ، وصفاء طويةٍ، وحضور بديهة، وعلو همَّة.
هنا، ومن هنا، وهكذا، وبهذا، ولهذا، وفي هذا، وعند هذا… اكتشفتُ ما أحسب أنه أعظم من اكتشاف “كريستوف كولومب” لأمركيا الجديدة. اكتشفتُ “البراديم كولن”، أي “الجوابَ على سؤال الانفصام بين الفكر والفعل في واقع الأمة اليومَ”. ولم يكن الجواب “نظريًّا تنظيريًّا” وما ينبغي له أن يكون… كذلك لم يكن “عمليًّا صرفًا وميدانيًّا خالصًا” ولا يليق به أن يكون… وإنما كان خيطًا من ذهب يصِل الفكر بالفعل ويربط العلم بالعمل… فالتقى السالب الإيماني -الخلقي بالموجِب الجهادي-الحركي، فسطع على الكون ضوءُ الإيمان، وغمر الوجودَ ضياء القرآن.
أستاذي، معذرةً، لقد جاوزت حدِّي، فأطلت في شرح همِّي، وأضعت من “شريحتكم الذهبية” وقتًا غاليًا عزيزًا، في مثله تزيدون البشرية رواءًا وسقيًا؛ لكن حسبي أن أقطع رسالتي بأن أقول لكم: “أحبكم في الله، ولله، ومن الله، وعلى الله، وبالله”… ثم إني أعتقد فيكم “الإمامَة”، لي ولكلِّ باحث عن الحقِّ في أمة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وملَّة المجتبى… دع عنك الفروقَ الوهمية التي لا نملك اختيارًا فيها من جغرافيةٍ، وعرقيةٍ، واعتباريةٍ، بل وحتى مذهبية… حين يتحوَّل المذهب -خطأً وانحرافًا وسقمًا في الفهوم- إلى جزيرةٍ نائية وسجنٍ مميت.
معلِّمي، لم أجلس يومًا إليكم، وإنما جلست طويلاً إلى فكركم وتلامذتكم، وتأمَّلت عميقًا -ولا أزال- آثارَكم وإنجازاتكم… ومن سوء حظِّي وإن كنتُ أرضى بالقدر، أن لا أنال هذه الحظوة؛ ولذا تجدني أغبط مَن كان سببًا وواسطة بيني وبينكم، وأعلِّل النفس أني تابعيٌّ لأصحابٍ، أعني بهم أساتذة أفذاذًا، وهبوا نفوسهم للحق، ثم رابطوا مؤمنين موقنين على حصون نفع الخلق.
إمامي ومعلِّمي، كلَّما فكَّرت في حال أمَّتي “العربية بالخصوص”، وجدتُ أنها عطشى إلى “الخدمة”، جوعى إلى “فكر فتح الله”، مؤمِّلة النجاة -بحول الله- في مرشد ودليلٍ خرِّيت، هو شخصكم الكريم. ولقد -واللهِ- حُظيتم “بالخرِّيتية” التي تفتقدُها أوطاننا وبلادنا في كثيرٍ من روَّادها وقوادها اليومَ.
هي صفة وسمة فيكم تمثَّلت؛ ولذا فكلُّنا أملٌ ورجاء وطلبٌ وإلحاح… أن توجِّهوا جيشًا من الطلبة والباحثين لترجمة جميعِ مؤلَّفاتكم وأعمالكم، القلمية والصوتية، إلى اللغة العربية، لغةِ القرآن ولسان سيد الأنام… إذ كلُّ حرفٍ وكلمة، وكلُّ جملة ومقالة، وكلُّ فكر وفكرة… هو غيثٌ هامر، ونهرٌ هادر، يسقي أراضينا القحلة المحلة، ويشفي قلوبنا الـمَشوفة الـمَشوقة.
مرَّة أخرى، أستحيي، وأنا العييُّ، في مخاطبتكم، وحسبي أن أقول، وقد جاءكم أهلُ “الخدمة” بدلائهم، بل وأنهُرهم ووديانهم وبحورهم، وجئتكم أنا بقربةٍ، لعلَّها جفَّت منذ أمد… جئتكم باحثًا عن الحقيقةِ، عاشقًا مصادرَها ومواردَها… لأنشِد مع المنشد، مخاطبًا أحبّتي في الأكاديميا، وقد قبلوني بأمرٍ منكم وفضل، تلميذًا في صفِّهم، وطالبًا مبتدئًا في صرحهم… أهمس في أذن كلِّ واحد منهم صادحًا مغرِّدًا:
ذي قربتي يا أخي في الحبِّ أرسِلْهــا
إلى الحبيب، فهل يُرضيـه متَّسمـي؟
أرجو أن تصلك تحيتي، يا حبيب… وآمل أن يصلك معها سلامي، يا طبيب… مِن ابنك، ومحبِّك، والحامدِ اللهَ أن هداه إلى اكتشاف رحابك وسفوح ربيعك، والمردِّد مع أرباب المعنى مقولتهم البديعة: “أجل! “السلطنة تليق بالسلاطين، والتسوُّل يليق بالمتسوِّلين”.

(*) مدير معهد المناهج، الجزائر العاصمة / الجزائر.
الهوامش
(1) قد تكون هذه الأزمات فتنًا، أو نكسات، أو اختبارات… أو أحيانًا تكون حتى انتصارات تستدعي أجوبة ملائمة للمرحلة، مثل استقلال بلد ما، أو الرفاه الاقتصادي.
(2) القرآن الكريم يولي عناية خاصة للامتحانات التي يتعرض لها الأنبياء عليهم السلام، وكأنه يقول لنا: “إذا اخترتم سبيلهم، فترقبوا معاناة من نوع معاناتهم”؛ وهنا نستذكر جميع الأنبياء الكرام، منهم: أبونا آدم – عليه السلام – ومحنة الخروج من الجنة، وإبراهيم – عليه السلام – وإلقاؤه في النار، وموسى – عليه السلام – وظلم فرعون، وعيسى – عليه السلام – ومحاولة القتل والصلب… إلى سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي تعرَّض لأكبر الامتحانات: التهجير، التكذيب، المقاتلة، الحصار، التهم والافتراءات… إلخ. يقول تعالى في محكم التنزيل: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)(فاطر:4)، (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)(الذاريات:52).
(3) وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ص:48.
(4) ورد في الأثر، واعتبره البعض حديثا ضعيفا: “الخير فيّ وفي أمّتي إلى يوم القيامة”.
(5) العمل الديني وتجديد العقل، طه عبد الرحمن.
(6) تجديد الفكر الديني، محمد إقبال، ص:9.
(7) وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، 1/54.
(8) وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، 1/54.
(9) شروط النهضة، مالك بن نبي، ص:95.
(10) شروط النهضة، مالك بن نبي، ص:95.
(11) “النسيج الحضاري”، و”الوعاء الحضاري” مفهومان من قاموس نموذج الرشد؛ وقد كتب عنهما مقالات، وأعدت محاضرات، منها: “مدخل إلى نظرية الوعاء الحضاري، القطب أطفيش أنموذجا”.
(12) مقدمة “الإسلام بين الشرق والغرب”، عبد الوهاب المسيري، ص:9.
(13) الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش، ص:272-273.
(14) الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش، ص:278.
(15) الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش، ص:301.
(16) الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش، ص:274.
(17) ينظر: المؤلَّف الذي أعددتُه، على إثر دراسة الظاهرة الماليزية فكرا، ومعاينتها واقعا، بعنوان: “القاموس الحضاريِّ للمجدِّد محمد مهاتير”.
(18) التحدي، مهاتير محمد، ص:9.
(19) التحدي، مهاتير محمد، ص:126.
(20) الإسلام والأمة الإسلامية، مهاتير محمد، ص:62.
(21) التحدي، مهاتير محمد، ص:88.
(22) التحدي، مهاتير محمد، ص:91.
(23) ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن، ص:57.
(24) ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن، ص:63.
(25) ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:154.
(26) ذي قربتي، محمد باباعمي، ص:16.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.