أربعة مواقف متباعدة في الزمان والمكان وحّدتها الفكرة والعبرة، وشكلت صورة مكتملة تسمح باستنتاجات وخلاصات جيدة تستند إلى واقع الممارسة في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بالعربية من طرف مدرّسي وموجّهي هذه المادة في البلاد غير العربية، كما تستند إلى معايشة ميدانية في دورات تدريبية أُقيمت ببعض هذه البلدان.
أول هذه المواقف ذاك المشهد الرائع الذي لن ينساه طلبة كلية الآداب بتطوان بالمملكة المغربية سنة 1993 حين أعلن مستشرق روماني جاوز السبعين من عمره إسلامَه بمدرج العلامة “عبد الله كنون” مقتنعا بعظمة القرآن الكريم، وهو الذي اشتغل به وعايشه ثلاثين سنة يحاول ترجمته، وأقرّ في نهاية الأمر أن ذلك مستحيل، معززا استنتاجه بشواهد علمية. وقد استمع إلى نتائج وخلاصات جهوده، وخلاصات جهود أكثر من عشرين باحثا ومترجما شاركوا في الندوة الدولية في موضوع ترجمة معاني القرآن الكريم التي نظمت بالكلية، وانتهى التفكير بالرجل إلى أن نقر في ليلة من ليالي الندوة نقرات خفيفة على باب غرفة الدكتور فاروق حمادة بالفندق في غسق الليل، سائلا عن طريقة الدخول في الإسلام، وبقي الرجل مشدوها أمام بساطة الإجراءات التي لا تتعدى غسلا مسنونا والنطق بالشهادتين، وفي فرح طفولي سارع الشيخ إلى غرفته ولم يغمض له جفن ليلتها فرحًا بعد أن نطق بالشهادتين، واختار لنفسه من الأسماء “البشير” وبات ليلته الأولى مسلما عن اقتناع، وكان أن زف الخبر للحاضرين صباحا في الجلسة العلمية الأولى من اليوم الثالث للندوة، تحت أصوات مكبرة وحالات من التأثر والفرح ظاهرة.
أما الموقف الثاني فقد جرى بأقاصي بلاد الله بعاصمة دولة “قِرغِيزسْتان” سنة 1997 وفي مسجد عظيم البناء والزخرفة بالعاصمة “بِيشْكك”. هذا البلد (لمن لا يعرفه) ذو أغلبية مسلمة بنى أهله ألف مسجد في جميع أنحاء البلاد في ظرف خمس سنوات من الاستقلال، بعد أن كان الشيوعيّون قبل الاستقلال لا يسمحون ببناء أيّ مسجد جديد، بل ولا يسمحون حتى بترميم القائم منها والذي أصبح آيلا للسقوط. وسمعتُ من ابن مفتي البلد وقتها أنّ السلطات كانت تمنع من يقل سنه عن الأربعين من الذهاب إلى صلاة الجماعة، وكان ابن المفتي وبعض من صحبه يتسللون إلى المسجد في غسق الليل ليأخذوا اللغة العربية والعلوم الإسلامية عن الإمام الذي لم يكن سوى أبيه المفتي الذي أصبح اليوم طاعنا في السن.
شرّفني هذا الابن وبحضور أبيه شاهد العصر، الحاضرِ بين المصلين في مكان خاص به، بإلقاء كلمةٍ في المصلين قبل خطبة الجمعة، فسررت بذلك، والتزم فضيلته بالترجمة، وما إن شرعت في حمد الله والصلاة على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم باللغة العربية حتى فوجئت بعشرات العيون تذرف الدموع، ولما أتممتُ كلمتي سألت فضيلة المفتي عن سر ذلك فقال لي: “إن هؤلاء حين يسمعون أحدا يتكلم اللغة العربية فإن أعينهم لا ترى فيه إلا صحابيا جليلا قدم للتو من أرض الرسالة، وربما يتخيلون من فرط الشوق أن يدَه لامست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم “. ثم أردف قائلا: “ثم إنهم يقولون إنكم معشر العرب إن لم تقوموا بواجبكم في نشر الإسلام ليعذبنكم الله تعالى مرتين، أولاهما لأنكم موقنون برسول بعث منكم وبين أحضانكم، والثانية لأنكم تقرؤون القرآن بلغته التي أُنزل بها وبدون واسطة وهو ما يتيح لكم فهمه وتدبره حين يحرمون هم من ذلك”.
وقد تركتُ بهذا البلد رجلا مسلما متقاعدا من الجيش الروسي اشتغل مستشارا عسكريا في سوريا في السبعينات، ويدرس اللغة العربية ساعتها بجامعة قِرغيزستان، يشتغل بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة القِرغيزية، وأهداني مشكورا جزءً من هذا العمل، ولست أدري هل أتَمّه أم لا، وكل رجائه أن تسارع منظمة إسلامية إلى طبع عمله عند الانتهاء منه، أسأل الله تعالى أن يحقق أمله.
أما الموقف الثالث فهو حضوري لحلقة نقاش علمي عالي المستوى بين علماء الفقه والشريعة والحديث والقرآن الكريم بـ”داكا” عاصمة “بنغلادش”، المشاركين في الدورة التدريبية الوطنية في بناء مناهج التربية الإسلامية التي تعقدها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “إيسسكو”، وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية في الفترة الممتدة سنة 2004. وقد تركز النقاش في موضوع شائك يقول: ما الأكثر فائدة في التعامل مع القرآن الكريم في البلدان غير الناطقة بالعربية؟ هل ترجمته إلى لغة البلد؟ أم تعلم اللغة العربية؟ وأجمع المشاركون بعد نقاش مستفيض إلى أن المسلك الرشيد هو تعلم اللغة العربية لأنها لغة الوحي، ورغم أن المسألة مكلفة جهدا، وبطيئة وقتا إلا أنها في نظرهم أبقى أثرا، دون إنكار فائدة الترجمة لكنها دون الخيار الأول أهمية.
أما الموقف الرابع فهو حالة الانتظار القاسي الذي فصل بيني وبين زميلي الدكتور رشدي طعيمة خبير تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بباب الجامعة، حين كنا في زيارة علمية للجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا سنة 2004، الذي استأذنني في زيارة خاطفة لأحد الأساتذة الباحثين المصريين في قسم اللغة العربية بالجامعة، وبعد طول انتظار قررت الانطلاق في رحلة البحث عن هذا القسم، وبجهد جهيد في ردهات وبنايات الجامعة الزرقاء المترامية الأطراف وسط غابة استوائية، وفي ظل جهلي باللغة الإنجليزية أو المالاوية لغتي التخاطب بالجامعة، واختلاط الجنسيات، ساقني القدر إلى مكتب فاخر كتب على بابه “قسم لغة القرآن”. وقفتُ مشدوها أمام هذا الاسم الرائع الذي جَعل مساحةَ اللغة العربية تعادل مساحة الوحي، لا تحدّها قومية ولا حدود جغرافية. فساح عقلي في فضاء لامتناه كما لا يتناهى خطاب الوحي في الزمان والمكان، ولم أستفق من هذه اللذة المعرفية إلا على الصوت الجهوري للدكتور طعيمة وهو يفتح الباب مودّعا رئيس القسم الذي كان بالمناسبة أحد طلابه بالجامعة. قال صديقي الدكتور رشدي: “عذرا صديقي فقد عانيتَ في البحث عن القسم كما عانيت -ولا شك- في البحث عني، فقد اكتشفتَ أنه لا يوجد بهذه الجامعة “قسم اللغة العربية”، قلت: “بالعكس أشكرك على هذا التأخر الذي قادني إلى اكتشاف هذه الفائدة الرائعة”، ثم خاطبت رئيس القسم قائلا: بالله عليكم كيف اخترتم هذا الاسم على غير عادة الأسماء المعروفة في الجامعات العالمية “قسم اللغة العربية”. قال: “هذا يدخل ضمن الإستراتيجية التربوية للجامعة، ويكفي أن تعلموا أن هذا الاسم كان وحده كافيًا كي يُقبل الطلاب على القسم بنسب تضاعف الإقبال على الأقسام الأخرى، لأنهم يدرسون هنالك لغات قومية ويدرسون هنا لغة القرآن خطابِ الله إلى كل القوميات.

الخلاصات والاستنتاجات

إن هذه المواقف الأربعة تسمح بالخلاصات والاستنتاجات التالية التي آمل أن تشكل مداخل رئيسية لإعادة النظر في جهود تعليم اللغة العربية وترجمة معاني القرآن الكريم:
1-لا تغني ترجمة القرآن الكريم إلى أي لغة عن سعي المسلمين من أهلها إلى تعلم اللغة العربية، لأن قراءة ترجمة معاني القرآن الكريم، لا تعدو أن تكون قراءة في فهم المترجم للقرآن لا لنصه. والترجمة مهما بلغت دقتها لن تنطق بما ينطق به القرآن فعلا. وإن في القرآن الكريم مفاهيم ومصطلحات يعجز المترجمون عن إيجاد مقابلها في ترجمتهم فيخطئ بعضهم في ترجمتها، ويتوقف الآخرون لينقلوها بلفظها نطقا دون ترجمة، وكثير منها يتعلق بعالم الغيب مما لا يسعف المترجم في فهمها إلا إيمانه بالقرآن الكريم كأسماء الله وصفاته والجنة والنار وصفاتهما وعالم الجن والملائكة ومعجزات المرسلين وغير ذلك، مما يبرز الإعجاز القرآني في صورة جديدة دفعت المستشرق الروماني إلى الإيمان بعد جهد كبير وبحث عميق.
2-إن المنظمات والهيئات الدولية المهتمة بنشر القرآن الكريم، بذلت مجهودات كبيرة في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى جلّ لغات العالم، وعملت على طبعها وتوزيعها، إلا أننا نعتقد أن هذه الجهود ينبغي أن تدعم بنشر تعليم اللغة العربية في صفوف غير الناطقين بها، علمًا بأن الملايين من مسلمي شبه القارة الهندية وبلاد الأتراك، وجنوب شرق آسيا مثلا، يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب دون أن يفقهوا منه حرفا واحدا، ولا أن يكتبوا كلمة واحدة، ومنهم من يقرأ القرآن بالقراءات السبع، ويحفظ الصحيحين، ومع ذلك فهم محرومون من نعمة التدبر والفهم والتفقه، ولذلك سادت بينهم الخرافات والأباطيل المنسوبة إلى الإسلام رغم عنايتهم الفائقة بحفظ القرآن والحديث ولا سبيل لربطهم بالقرآن الكريم فهما وتدبّرا إلا بتعلم اللغة العربية.
3-إن المسلم الذي لا يملك اللغة العربية يظل متلقيا ومقلدا بإطلاق، ولا يمكنه أن يفهم القرآن الكريم ولا الأحكام الشرعية من مختلف مصادر الفقه الإسلامي إلا بواسطة، ويبقى حاجز اللغة بينه وبين الترجيح بين الفتاوى واختيار الأيسر منها، كما يظل حاجزا بينه وبين التجول الواسع في التراث الإسلامي وقراءته قراءة واعية. وهذه الوضعية هي التي جعلت كثيرا من مسلمي أوروبا رهيني قراءة معينة للإسلام، سواء لجماعة معينة أو لطريقة معينة، دون أن يبذل مجهودا لكسب مساحة واسعة من الحرية في قراءة الإسلام من مصادره الأصلية، والاطلاع على الاجتهادات المختلفة، مع اتخاذ القرار في التمثل والاتباع، ولن تتاح أمامه مثل هذه الفرص إلا بتعلم اللغة العربية.
4-تفشل خطط تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لأنها تقدم هذه اللغة في بعدها القومي، فتحصر أهدافها في الاطلاع على الحضارة العربية وعادات وتقاليد شعوبها، ويغيب البعد العالمي لهذه اللغة باعتبارها لغة الوحي المنـزل للعالمين، والواقع أن نشر هذه اللغة يتعدى البعد القومي ليكون الهدفُ الأسمى هو الاطلاعَ على تعاليم الإسلام باعتباره دينا هاديا ومخلّصا؛ فاللغة في هذه الحال نافذة الدين ومدخله، وفرق كبير بين أن تَربط لغةً مَا بحضارة قومية معينة، وأن تَربطها بدين ذي أبعاد عالمية يسعى إلى أن ينتشر بين الناس عن طريق الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن.
5-ينبغي أن تكون لغة تدريس مادة التربية الإسلامية في المدارس العربية في البلدان غير الناطقة بالعربية هي اللغةَ العربية، لأن في ذلك فائدتين: أولاهما فهم الإسلام من مصادره الأصلية، والثانية تقوية اللغة العربية. ونحن نعلم أن كثيرا من أبناء الجالية العربية في أوروبا لا يتكلمون اللغة العربية، ورغم ذلك تقدم لهم حصص التربية الإسلامية بلغة أجنبية، فيحرمون من فرصة لا تعوض للتمكن من اللغة العربية.
ينبغي أن تُستثمر الحاجة إلى التدين بالإسلام إلى تعلم اللغة العربية باعتبارها لغة الوحي تتجاوز البعد القومي بهدف خلق المسلم الحر الذي يحق له أن يبلغ يوما درجة الاجتهاد، أسوة بالعلماء المسلمين غير العرب الذين أسهموا بحظ وافر جاوز حتى العرب أنفسهم في اللغة والحديث والتفسير، وليس مثال سيبويه والبخاري ومسلم وغيرهم عنّا ببعيد.
والخلاصة: أن دعم جهود تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها له أثره البالغ في التعريف بالإسلام ونشره عند أهله من المسلمين غير العرب، ولدى باقي العالمين من غير المسلمين. وسيعزز ذلك كل الجهود المبذولة في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات العالم، شريطة أن ننظر إلى اللغة العربية في بعدها العالمي المستمد من عالمية الإسلام وأن نبذل مجهودات كبرى لننقلها من لغة العرب إلى لغة القرآن.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.