البيت المسلم هو الدعامة الأساسية في بناء المجتمع المسلم. ويتصل اقتصاد البيت المسلم اتصالاً مباشرًا بمصالح المجتمع والدولة معً، والإسلام دين شامل ومنهج حياة، تتضمن شريعته الأسس لحياة كريمة وتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة. وهناك قضايا هامة في حياتنا الأسرية؛ يجب بيان الضوابط الشرعية لها بما يحقق الاستقرار، وعدم مخالفة أحكام الشريعة منذ الخطبة إلى مرحلة الحياة الكريمة وإنجاب الذرية الصالحة وحتى توزيع الميراث.

ويظهر من آن لآخر كتاب يضيف لبنة في سبيل التجديد في فقه اقتصاد البيت المسلم وتحديثه، ومن ذلك كتاب الدكتور/ حسين شحاتة “اقتصاد البيت المسلم في ضوء الشريعة الإسلامية”.

يقع الكتاب في 235 صفحة. وهو عبارة عن دراسات يتناول فيها بعض الموضوعات مثل: الدستور الاقتصادي للبيت المسلم، وميزانية البيت المسلم، واقتصاديات عمل المرأة في المنهج الإسلامي، وكيفية تربية أولادنا على السلوك الاقتصادي الإسلامي، وكيفية حماية أولادنا من مخاطر إعلانات الإنترنت، واقتصاديات الزكاة والصدقات للبيت المسلم، واقتصاديات الهبة والوصية والميراث في ضوء الشريعة الإسلامية.

خصائص اقتصاد البيت المسلم

تناول المؤلف في الفصل الأول الخصائص التي تميز اقتصاد البيت المسلم وأهمها: القيم الإيمانية (العقيدة)، والقيم الأخلاقية، والاعتدال والتوزان في كل الأمور، والكسب الطيب، والالتزام بالأولويات الإسلامية في الإنفاق في الضروريات فالحاجيات فالتحسينيات، وفصل الزمة المالية للرجل عن المرأة.

وفي الفصل الثاني تناول د. حسين شحاتة الدستور الاقتصادي الإسلامي للبيت المسلم. وعرف الدستور الاقتصادي للبيت المسلم بأنه مجموعة القواعد الكلية المستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية والتي تحكم معاملات البيت المسلم الاقتصادية لتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعرض والمال والعقل.

ومعروف أن الإنسان عندما يعمل ويحصل على كسب فإنه عادة يستهلك جزء من هذا الكسب ويدخر بعضه. وهنا فإنه يمتلك هذا الكسب، ويمكن أن يحوله إلى رأس مال؛ بأن يشتري قطعة أرض أو يشتري آلة تدر عليه دخل آخر.. وهنا كان للكسب وسيلتان: العمل والملكية. أي أن الملكية ضرورة للدفع على العمل والكسب الطيب.

ومن حيث قواعد العمل والكسب والإنفاق والادخار والاستثمار والملكية في البيت المسلم، نوجزها؛ كالآتي: مسئولية الرجل العمل والكسب والإنفاق على البيت؛ يقول الله تبارك وتعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم) (النساء: 34)، والإنفاق على مطلقته الحامل؛ يقول الله تبارك وتعالى: (وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ) (الطلاق: 6)، والإنفاق على الوالدين؛ يقول الله تبارك وتعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا).

وللمرأة حق العمل والكسب بضوابط شرعية، ومن مسئولية المرآة رعاية البيت وتدبير نفقاته، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)(رواه البخاري ومسلم)، والتوازن بين الكسب وحقوق الزوجة والأولاد، ووجوب الموازنة بين الكسب والإنفاق، وأن يكون الكسب طيباً؛ والإنفاق في مجال الطيبات، والوسطية في الإنفاق، والإنفاق حسب الأولويات الإسلامية، وتجنب النفقات الترفيهية غير المشروعة.

كما توجد قواعد للادخار والاستثمار: تتمثل في وجوب ادخار الفائض عن الحاجات الأساسية لوقت الحاجة، وأن للأجيال القادمة حق في أموال الأجيال الحاضرة، واستثمار المال الفائض وعدم اكتنازه، وأن يكون الاستثمار في مجال الطيبات.

ومن قواعد ملكية المال: أنها زائلة ومؤقتة، وفصل ملكية الزوجة عن ملكية الزوج، ومال الأولاد ملك لأبيهم وفقاً للضوابط الشرعية، ومن مصادر التملك الميراث.

إعداد ميزانية البيت المسلم

تناول المؤلف في الفصل الثالث أسس ونظام إعداد ميزانية البيت المسلم. ويقصد بالميزانية مقابلة الإيرادات والنفقات خلال فترة زمنية لمعرفة الفائض أو العجز ودراسة بدائل استثمار الفائض أو تغطية العجز. وهي خطة للبيت ومرشدةً لمدبرته وأساساً للمتابعة. وعناصر نموذج ميزانية البيت المسلم: الإيرادات؛ لتوضيح أهم مصادر الإيرادات المقترحة خلال فترة زمنية (مثلاً شهر)، وأبواب النفقات؛ وتكون حسب الأولويات السابق توضيحها، ثم تحديد الرصيد النقدي (الفائض أو العجز).

وفي حالة وجود فائض: يكون استثمار الفائض إما في وضعه في بنك إسلامي، أو لدى تاجر صدوق، أو شراء لوازم معمرة في حاجة إليها. وفي حالة وجود عجز في الميزانية: من حيث نشأة العجز أنه لا يجوز أن ينشأ العجز بسبب الإنفاق على الكماليات والتحسينيات؛ لأن ذلك من سوء التخطيط والإدارة، ولكن يمكن أن ينشأ بسبب نفقات المرض والغرامات والتعويضات، وقد ينشأ العجز في الأسر الفقيرة بسبب الارتفاع المفاجئ في أسعار الضروريات والحاجيات ولم تحدث زيادة مقابلة في الإيرادات.

وهناك وسائل لتغطية العجز مثل المدخرات، أو القروض الحسنة، أو كفالة الموسرين للأقارب، ومساعدة الجار لجاره الفقير. ولا يجوز تغطية العجز في ميزانية البيت عن طريق القروض الربوية، يقول الله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)(البقرة: 276).

وفكرة ميزانية البيت المسلم ليست جديدة ولكنها ذكرت في القرآن الكريم في قصة سيدنا يوسف عليه السلام؛ عندما طبقت للموازنة بين إنتاج القمح واستهلاكه في سنوات السبع الرخاء والسبع سنوات العجاف، كما طبقت في بيت مال المسلمين في الموازنة بين الموارد والاستخدامات.

اقتصاديات عمل المرأة في المنهج الإسلامي

تناول المؤلف في الفصل الرابع اقتصاديات عمل المرأة في المنهج الإسلامي. حدد الفقهاء الحالات التي يجوز للمرأة أن تخرج فيها للعمل، من تلك الحالات: حاجة البيت إلى المال للإنفاق على الضروريات والحاجيات، وحاجة المجتمع إلى عمل المرأة في المجالات التي تناسب طبيعتها: مثل الطبيبة والمدرسة والأستاذة والمشرفة الاجتماعية.

والمرأة هي أساس النشأ الصالح، وخروج المرأة للعمل يجب أن يكون لخدمة المجتمع وفي الأماكن المناسبة، وتوجد شروط لعمل المرأة.

إن الضرورة الاقتصادية لعمل المرأة تبيح الخروج للعمل لإحداث وفر في الدخل. وتناول المؤلف كذلك موضوع تنظيم وترشيد خروج المرأة للعمل في ضوء المنهج الإسلامي، من حيث مجالات عمل المرأة، وتيسير انتقال خروج المرأة للعمل، وسبل رعاية أولاد المرأة التي تخرج للعمل.

حماية أولادنا من مخاطر الإنترنت الاقتصادية المفسدة

تناول المؤلف في الفصلين الخامس والسادس موضوع كيف نربي أولادنا على السلوك الاقتصادي؟، وموضوع كيف نحميهم من مخاطر إعلانات الإنترنت الاقتصادية المفسدة؟

واقترح د. حسين شحاتة مشروع منهج تربوي اقتصادي إسلامي لأولادنا. وأوضح أن مواقع وتطبيقات الإنترنت يمكن أن تكون وسائل تُستخدم في الخير والمعرفة والتواصل الاجتماعي وطلب العلم. وفي المجال الاقتصادي هناك بعض الآثار السيئة على السلوك الاقتصادي خاصة الإعلانات السافرة، والإعلانات عن سلع خبيثة محرمة شرعاً، أو التي تسبب ضغط على الآباء للشراء.

وهذه الإعلانات وبعض أنشطة التسويق عبر الإنترنت بصفة عامة قد تؤدي إلى سلوكيات اقتصادية منحرفة لأولادنا؛ أهمها المحاكاة، وطمس الهوية العربية والإسلامية، بالإضافة إلى وجود نوع من المنافسة للسلع والخدمات الوطنية، والوقوع في نطاق الإسراف والتبذير.

وهذه السلوكيات تجعل هناك ضرورة شرعية وحاجة تربوية لوجود منهج تربوي اقتصادي إسلامي لأولادنا ليحصنهم من الآثار الخطيرة لمواقع الإنترنت والقنوات الفضائية وما فيها من مخاطر اقتصادية.

تناول د. حسين شحاته في الفصل السابع المنهج الإسلامي لإدارة اقتصاد الأسرة وقت الأزمات، واقترح نموذج إسلامي لإدارة اقتصاد الأسرة وقت الأزمات.

وتناول المؤلف في الفصلين الثامن والتاسع اقتصاديات الزكاة والصدقات للبيت المسلم. واقتصاديات الهبة والوصية والميراث في ضوء الشريعة الإسلامية.

عناصر اقتصاديات الزكاة: زكاة المال فريضة وعبادة مالية، وعلى من تجب ولمن تعطى؟، وبعض أحكام الزكاة؛ مثل زكاة مال الزوجة وزكاة الصداق وزكاة الحلي، وكيفية حساب المرأة لزكاة مالها، وزكاة الفطر.. إلخ

وموضوعات الهبة والوصية والميراث في ضوء الشريعة الإسلامية، وكيفية حساب الميراث وتوزيعه وتساؤلات معاصرة والإجابة عليها.

وأنهى الكتاب بمجموعة من الوصايا الاقتصادية المناسبة لكل مرحلة من المراحل التي يحتاجها كل فرد مسلم.

وفي كل الأحوال يجب أن نؤكد أن المؤلف الدكتور حسين شحاتة قد جمع موضوعات متنوعة في إطار واحد وجميعها تدخل في صميم الفقه الإسلامي وأصوله وركز على التحليل الأكاديمي بأسلوب رائع.