من الإنصاف للنفس الإعتراف بأخطائها ومحو آثار هذه الأخطاء قدر المستطاع حتى لا يألفها الإنسان ويستصعب عليه الإقلاع عن مثيلاتها، ولو أنصف العاقل من نفسه لحاول باجتهاد أن يعدد أخطاءه ويجتهد في معرفة أسبابها والبحث عن طرق التخلص منها والبعد عنها واعتبارها جراحًا تؤذي النفوس والقلوب كما تتأثر الأبدان بالجراح.

ومن الندرة أن تجد شخصاً يتذكر آخر مرة اعترف لنفسه أو لغيره فيها بأنه أخطأ.. وكان يقصد ذلك على الحقيقة لا أن يسخر من الناس بهذا الإعتراف كأنه يروم إسكاتهم، بل إني أتصور أن الذي يعترف بخطئه في زماننا غدا إنسانًا غريبًا.. وطوبى للغرباء، مع أن الاعتراف بالخطأ فضيلة والتمادي في الباطل رذيلة.

إن من الناس من يجزم بأنه على جادة الصواب لا يعرف الخطأ من أي طريق كأنه من جملة الملائكة المعصومين ولم يخلقه الله بشراً من طين! مع أن الحديث الشريف عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول فيه:(كلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ)(ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام 439 وإسناده قوي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه).

وقد صوَّرَ الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى هذه النفسية العجيبة بقوله:(فَإِن خفيت عَلَيْهِ عيوبه جملَة حَتَّى يظنّ أَنه لَا عيب فِيهِ فَليعلم أَن مصيبته إِلَى الْأَبَد وَأَنه أتم النَّاس نقصًا وأعظمهم عيوبًا وأضعفهم تمييزًا …)( الإمام ابن حزم / الأخلاق والسير في مداواة النفوس ص66)

وعلى العكس تماماً فإن الموفق من عباد الله هو من ينعم بالهداية إلى صواب الأمور بعد أن دلل على بشريته بالخطأ فيها –وهو ضرورة– وكلما زادت الأيام عليه زادت عليه معالم الصواب باجتناب الخطأ، كحال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه حين قال:

لما أدبني الدهر        أراني نقص عقلي

وإذا ما ازددت علمًا    زادني علمًا بجهلي

والإعتراف بالخطأ جزء من طلب الحق واتباعه، ألسنا نحن المعنيين بتعزيز سلطان الحق وإحلاله في واقع الحياة موضع الباطل لنبعد عن الزيغ والضلال؟، قال الله تعالى:(فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(يونس:32)، وقد كتب سيدنا عمر بن الخطابِ رضي الله عنه كتابًا مطوَّلاً إلى سيدنا أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه جاء فيه:(..ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَه اليومَ فراجعتَ فيه رأيَك فهُديت فيه لرُشدِك أن تراجعَ الحقَّ، فإنَّ الحقَّ قديمٌ، وليس يُبطلُه شيءٌ، ومراجعةُ الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل..)( منهاج السنة 6/71) لهذا، فقد تراجع جمعٌ من الكبار عبر التاريخ عن سابق الآراء منهم انتصارًا للحق وتنزهًا عن مجافاته.

  الحد الأدنى في قبول التصويب

ومن الخير أن يقبل المؤمن تصويب أخيه إذا حالف الكلام الصواب، وأن يبين له وجهة الحق إذا كان علمه سابغًا ورأيه صائبًا، أما عدم قبول كلٍ منا للآخر وعدم الإصغاء الأمثل للكلام قبل تمامه فليس فيه من توفيق شيء بل هو طامة كبرى.

وقد تقبل سيدنا الإمام مالك بن أنس إمام مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا من أحد محبيه في الله قد ظن المرسل أنه يرشد الإمامَ إلى التواضع ونبذ رياش الدنيا، وكان جواب الإمام في قمة الأدب والرعاية والفهم والحكمة والعلم، بل إن الإمام مالكًا قد صوَّب لأخيه في الله ما توهمه خطأً يستوجب التقويم، ويقص علينا الإمام الغزالي تمام الخبر فيقول: (كتب يحيي بن يزيد النوفلي إلى مالك بن أنس رضي الله تعالى عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على رسوله محمد في الأولين والآخرين، من يحيي بن يزيد بن عبد الملك إلى مالك بن أنس، أما بعد.. فقد بلغني أنك تلبس الدقاق وتأكل الرقاق وتجلس على الوطئ وتجعل على بابك حاجبًا وقد جلست مجلس العلم وقد ضربت إليك المطي وارتحل الناس إليك واتخذوك إمامًا ورضوا بقولك فاتق الله تعالى يا مالك وعليك بالتواضع .. كتبت إليك بالنصيحة مني كتابًا ما اطلع عليه غير الله سبحانه وتعالى والسلام.

فكتب إليه مالك : بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد سلام الله عليك أما بعد.. فقد وصل إلي َّ كتابك فوقع مني موقع النصيحة والشفقة والأدب، أمتعك الله بالتقوى وجزاك بالنصيحة خيرًا وأسأل الله تعالى التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأما ما ذكرت لي أني آكل الرقاق وألبس الدقاق وأحتجب وأجلس على الوطئ فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله تعالى فقد الله تعالى:(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(الأعراف:32)، وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه ولا تدعنا من كتابك فلسنا ندعك من كتابنا والسلام) ( الإمام أبو حامد الغزالي / الإحياء ج1)فهكذا يجب أن يتحلى الناصح والمنتصح بالأدب والتواضع في الحوار وعدم تطاول كل واحد منهم على الأخر.

إن الكثرة الغالبة تعاني عقدة التوهم بأنها على قافية الحق والصراط المستقيم حتى قبل أن تُخْلَق، والمصيبة تكمن في عدم التصور بأن لها أخطاء من الأصل فضلاً عن الإعتراف بها وهي كثيرة، وحتى لو اعترف البعض – وهم نادرون – فإنه اعترافٌ باهتٌ تنقصه حرارة المعنى ليس كاعتراف امرأة العزيز في نبرة الصدق والصدع به، وجوُّ الآية التي تتضمن هذا الإعتراف يشير إلى أنها كانت عالية الصوت واضحة النبرات حينما قالت (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)(يوسف:51)، ورغم أن اعترافها جاء متأخرًا إلا أن مجتمعنا لا يوجد فيه على الحقيقة من يصدع بمثل هذا الإعتراف بخطئه مثل امرأة العزيز، بل يؤجله إلى ما قبل وفاته بربع ساعة والكثير منا ينكر خطأه بل ينساه، وأمثال هؤلاء إزاء أخطائهم، مرضى بداء نسيان أخطائهم يتذكرون أدنى مكرمةٍ تُلْصَقُ بهم، بينما في حق الأخرين يكون الأمر عكس ذلك تمامًا.