أرأيت الشمس يهصرها الذبول ثم يحرقها الأفول، ثم تذرو رمادها الظلامي على الكون الإنساني؟ إنها تنبعث بعناصرها انبعاثتها الكبرى، وتحترق عزائمها الجبارة في فجر يوم وليد جديد. أرأيت أرضًا جرداء صلعاء، تربتها قسمات وجه بئيس، جداولها الجافة شفاه متشققة ظماء،تحنو عليها السماء، فتتفجر من تربتها الحياة المزركشة؟

تلك صور الحياة في الكون أخا الإسلام، وفي المقابل تنحو منحاها صور الحياة في حياتنا البشرية، عقبات شتى تعترض طريق كل منّا في حياته الأرضية، مرة تشتد إلى أن تستدر منّا الدموع وتتفطر لها القلوب، ومرة تهون على الكواهل وكأنها النسيم الرخاء.

كما أن استقبالها يختلف بين تشتيت البشر، فالمنفصل عن الله تزيده غمًّا وسوداوية وحزنًا، وكلما انقذفت عليه كبكب بها في حفرة فلسفية أشد ظلامًا وأتعس مقامًا، أما المؤمن المتصل بالله فتزيده شكرًا وصبرًا وإيمانًا يستروح منها روح الله وقدره ورحمته الحانية ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾(البقرة:216).

وما أريد منك أخا الإسلام أن تورثك زلازل الحياة وقوارعها أي شعور بالقلق المدمر، واليأس الممض، فيضيق بها صدرك، وتستوقد في ضلوعك حزنًا أسيفًا وهمًّا حتميًّا، فاحتسبها عند الله واعتبرها شدة عسر تتبعها بشرى يسر… وتلك سنة الله، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً)(فاطر:43).

وما حياة الإنسان؟ إنما ذلك الينبوع المائي يتفجر من ثنايا الصخر، ويسري في الأرض إلى أن يعانق مصيره (المسمى) في أعماق البحار. وبين البدء والمنتهى يقطع رحلة درامية تتمازج فيها ثنائيات البكاء والفرح، مرة يسير وانيا في المنبسط، ومرة يتموج في انعطافات الصخور الصلاب، ومرة يحدث وشوشة دامعة حين يعترضه عارض.

كذلك حياة الإنسان، ليست نعيمًا خالدًا، وليست جحيمًا دائمًا، ليست نسيمًا رخاء، وليست زمهريرًا قارصًا… إنها الحياة فحسب، خليط من كل هذه الثنائيات كما أرادها الله (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا)(النجم:43-44).

أخا الإسلام، إن خواطرك السوداء تتلجلج في نفسك الضعيفة كالغريق في أعماق اليمّ، وإن أحزانك اللاهبة تستوقد في ضلوعك نارًا حامية يتطاير شررها بين الفينة والأخرى، ولن تجد لك مخرجًا من هذه الأعصاير إلا باستحضار المعالم/التعاليم التي تعد لافتات نصّية مرشدة تنتصب قبالتنا في معترك الحياة لإنقاذ الحيارى الضائعين.

فقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) تضعنا أمام عنوان مفهومي “الاقتحام الجريء” بإلزام النفس أن تتجاوز كل المصاعب والمكاره راضية محتسبة.

وقوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) ترسم لنا “طريق الاقتحام” بمشاعل فوقية حانية تنير العتمة وتكشط غشوة العماية.

وقوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ) تضعنا أمام عنوان “استمرارية الاقتحام” بإمدادنا بالوقود اللاهب المحفز لرفض النكوص في معترك الحياة.

إنها دراما الحياة، ولن تفك ألغازها المبهمة وكل مغاليقها الموصودة، إلا بتعاليم الإيمان الصابر المستبصر المكين.

 

(*) شاعر وأديب مغربي.

About The Author

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.