إذا بدأنا بأهم ديانات المصريين القدماء نجد أن”ست” إله الشر والانتقام والدمار، أفضل من مثيل الشيطان في الديانة المصرية القديمة، ومع ذلك فقد عبده قدماء المصريين من قبيل الخوف لا المحبة، وكان “ست” هو المعبود القومي للصعيد، وعاصمته أمبوس، وكان حيوانه المقدس “كلبابريا” وكان رمزه القوة والباس والعواصف والرعود.

ويقف “ست” على نقيض أخيه أوزوريس إله الخير والمحبة، وتروى تواريخ الأساطير المصرية أنه تآمر على قتل أوزوريس ليستولي على عرشه، ولكن إزيس زوجة أوزوريس كانت ساحرة كبيرة، نجحت في أن تلقح نفسها من أوزوريس الميت، ثم أنجبت “حورس” الذي حارب عمه “ست” وانتصر عليه، فاسترد العرش المسلوب .

أما “الشر” فقد اتخذ شكلاً آخر في الديانة الفيدية الهندية أقدم الديانات الوضعية في العالم وهي تعّبر عن قوى الشر في العالم بمصطلح “ماياMaya ” وهو مشتق من الجذر may بمعنى”غير” وفي “الريج فيدا” تعني مايا “التغيير المدمر” أو “المنكر المنافي للغير”، والتغيير الشيطاني والمُخادع الذي يؤدي إلى خلخلة الكون، وأيضا فساد الفساد، لكن نجد في الفيدية بجوار المايات السيئة مايات خيّرة، أما المايات الخيرة فهي على نوعين : مايات المعركة: التي يستخدمها أندرا عندما يحارب الكائنات الشيطانية ـ والمايات الخالقة: وهي متميزة عن الآلهة العليا وفي الدرجة الأولى عن “فارونا”.

ويمكن اعتبار هذه المايا الكونية كمعادلة لريتا، والريتا هي النظام الكوني الشامل في الديانة الفيدية، وتمثل الطبيعة الحق التي تنظم الأشياء، فهي القانون الأبدي الذي ينظم العالم. وهكذا نرى أن المايا تتعلق بمفهوم مختلط، بل متناقض، فالمايا ليس مجرد فساد شيطاني للنظام الكوني، وإنما عملية إبداعية إلهية أيضا. وفيما بعد فإن الكون ذاته سيصبح بالنسبة للفيدانتا، تحولا وهميًّا ونظامًا من التغيرات مجردًا عن الحقيقة.

وفي الديانة الهندوسية أصبحت المايا تدل على”الوهم” فالعالم المادي وهم، لأن الهندوسية تنظر إلى العالم المحسوس على أنه الشر بعينه الذي يجب أن تحرر الروح منه، ومن هنا فالمادة في الهندوسية شر، فالمادة هي (مايا) أي وهم وخداع وباطل.

وفي فارس اتخذ الشر شكلاً إلهيًّا أيضًا، ففي ديانة زرادشت (660 ـ583ق.م) المعرفة الأصلية توحيدية وليست ثنائية، (كما تدل ترانيم زرادشت) إيمان بنوع من ثنائية الإلهي : الأولى باسم أهورامزدا وهو الإله المضيء والظاهر في ذاته، ونقيضه هو أهرمان، أي الظلام، وينتمي إليها الشر الروحي والطبيعي، وكل ما هو هدام وسلبي، غير انه مسموح لأهرمان إله الشر أن يسوغ نفوذه ويبسط سلطانه، حيث أن العالم في مجموعه يسعي إلى تدبير مملكة الظلام وإزالتها نهائيا، وتأمين حضور أهرامزدا وسيطرته على كل مناحي الحياة.

ووفق هذا التصور -على ما يذهب إليه الدكتور محمد عثمان الخشت في مقاله عن “الشيطان ومشكلة الشر في العالم” في المعرفة العدد 131- تأتي العبادة في الزرادشتية، حيث ينبغي على الإنسان أن يكّرس حياته كلها من أجل مملكة النور، فيعمل على تطهير جسمه وروحه، وإشاعة الخير حوله، وأن يتعبد بالقول والفكر لأهورا مزدا وكل ما هو منبثق عنه، ومحاربة أهريمان وكل نشاط منبثق عنه أي أن المجوسي لا يوجه صلواته فقط إلى اهرامزدا، وإنما كذلك إلى جميع ما انبثق عنه تبعا لدرجته ومقامه من الطهارة والصلاح .. وتستهدف الصلاة التي توجه إلي تلك الأرواح السماوية خواصها ومهامها بالتحديد، فإذا كانت الكواكب فإن الصلاة توجه إليها في زمن ظهورها، وترتفع الابتهالات إلى الشمس نهارا، وتختلف طبيعة الابتهالات تبعا لحالة الشمس من شروق إلى تعامد إلى غروب.

وقد كانت الديانة “الميثرائية” نوعا من الديانة الزروانية الفارسية التي كان يعُبد فيها كل من ميثرا إله الشمس وانكرامايندو إله الشر، وكان اتباعها يمارسون شعائر وتعازيم خاصة لتجنيد الشياطين في خدمتهم واستخدامهم ضد أعدائهم أملا في القضاء عليهم . لكن كان بها فرع يقوم على عبادة إله الشر أو الشيطان فقط وممارسة السحر والجحود والإباحيات، وكانت الميثرائية كديانة للجيش الفارسي تنتشر في الأقطار التي تصلها الجيوش الزروانية، إلا أنها وجهت الضربة القاضية من الديانة المسيحية في القرن الرابع بعد الميلاد.

والشيطان لا وجود له في أساطير اليونان، لكن توجد أرواح شريرة تسمى Alastor الغنوصية في القرن الأول للميلاد فقد أدخلت كثيرًا من السحر والشعوذة في تعاليمها، وقالت بإمكانية السيطرة على القوى الخفية كالشياطين وغيرهم، وتأثرت في مراحلها المتأخرة بالديانة الثنوية، حيث اعتبرت الشيطان مساويا لله في القوة والسلطان، وهو ما تأثرت به المسيحية.

الشيطان عند اليهود

وفي المسطورات السحرية المكتوبة بالقلم المسماري عند الآشوريين، من آلهتهم الرهيبة إلها اسمه (نرجال) وقبل البابليين والآشوريين فيما يسمى عندهم (كيجال) وهذه الكلمة تعني عندهم (العالم الذي لا رجعة منه) أو (عالم العذاب الأبدي) عند تلك البشرية الموغلة في القدم. وقد وصف هذا الإله (نرجال) باللغة الآشورية بأنه (متشيطن) أي أنه بلغتنا “المتشيطن.

ولم يكن هذا الإله مجهولا من اليهود، فقد ورد في كتابهم المقدس بسفر”الملوك الثاني 17 : 30 ” في أثناء سرد أوثان الأمم الأخرى قوله”وأهل كوت وصفوا نرجال (كما كان اسمه معروفا لدى الفينيقيين كما يثبت ذلك نقش عثر عليه في حفائر بالقرب من ميناء (بيريه) ببلاد اليونان، بل إن مصر الفرعونية أحاطت به خبرا، وورد أسمه مذكورا في لوحة من لوحات “تل العمارنة” . والمواضع التي ورد فيها ذكر هذا الإله، سواء أكانت عند الكوتيين المذكرين في آية سفر الملوك التي أشرنا إليها وموضعهم يسمى الآن في العراق “تل إبراهيم” أما في كيش التي تُسمى اليوم (الأحيمر) أما في ماري التي تقع مكان “تل الحريري” اليوم أما في تربيس (شريف خان) أو غيرها من مدائن العراق العتيقة، تؤكد لنا سعة انتشاره من أقصى البلاد إلى آخر أطرافها، كما يتبين منها أمر عجيب، وهو أن نرجال كان يعامل من المؤمنين به على أنه إله شمس من آلهة السماء حينا، وأحيانا على أنه إله سفلي من آلهة العدم والظلام وعالم الضياع “أبسو” بالبابلية.

وفي اللغة العبرية فعل له صلة باسم الشيطان عندهم، هو الفعل “سطن” ويستعملونه لمعان أساسها فكرة الحقد والكراهية والعناد بمعنى إلصاق التهمة بإنسان أو اتهامه بالإجرام، وقد وردت أمثلة من ذلك في مزامير داود 38 : 21 وكذلك 71 : 3، كما جاء بمعنى الاتهام في سفر النبي زكريا 3 : 1، والملاحظ أن الشيطان لم يرد اسمه هذا ولا باسم آخر في توراة موسى التي بين أيدي اليهود، حتى قصة المعصية الأولى -معصية آدم وحواء وخروجهما من الجنة- فكانت تكتفي في ذلك التوراة بالقاء دور (الوسواس الخناس) على الحية.

جاء ذلك في الإصحاح الثالث من سفر التكوين قوله: أحقا قال الله أنكما لا تأكلون من كل شجر الجنة؟ فقالت نأكل وأما ثمرا الشجرة التي في وسط الجنة فقد قال الله: لا تأكلا منه، لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة :لن تموتا، بل إن الله يعلم أنه يوم أكلكما منه ستنفتح عيونكما، وتكونان مثل الله تعرفا الخير والشر. فرأت المرأة ان الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للأبصار وأنها متعة للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضا فأكل معها. فتفتحت عيونهما وعلما أنهما عريانان، فخلطا أوراق التين وصنعا لنفسيهما مآزر ” وتستمر القصة إلى أن يقول الرب للحية:” لأنك فعلت هذا فأنت ملعونة من كافة الحيوان، ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين، وترابا تاكلين كل أيام حياتك”.

ويبدو أن الحية هنا لم تكن إلا رمزا للشيطان ـ كما يقول مفسر التوراة اليهودي الإسكندراني “فيلون” المعاصر للمسيح عليه السلام. وينتقل فيلون إلى تلمس مزيد من الأدلة فيذكر أن الحية استحقت لعنة الله في آية التوراة لأنها تحالفت مع الشيطان، ولأنها أسكنته في جلدها. فأصبح جلدها يضيق عليها باستمرار فتخلعه وتخرج منه. وقد ترك فيها الشيطان السم، ولأنه علمها طرفا من كيده ودهائه، فإن سمها ينطوي على أسرار طبية كثيرة، ويدخل في أدوية تنقلب بها مضرته إلى فائدة.

الشيطان والكونفوشسية

وتنسب الكنفوشسية إلى كنفوشيوس الذي ولد 550 وتوفي 479ق.م وقضى معظم حياته يطوف بين أنحاء الصين ينادي بمبادئه وهي في جملتها أخلاقية تهدف إلى حياة أمثل للبشرية ومعظم الصنيين يبنون فلسفتهم في الحياة على الكنفوشسية التي اقتبست أغلب قوانينها وتقاليدها كسائر الأديان الأخرى غير السماوية، ولم تعد تختلف عنها إلا في بعض الطقوس الدينية التي تجري بالمعابد، فالبوذية تقضي في جوهرها بتطهير الروح بواسطة كبح الشهوات والامتناع عن ملذات الحياة.

وقد ظهرت البوذية في الهند في القرن السادس قبل الميلاد، ثم انتقلت إلى الصين وانتشرت في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، دون أن يتخلى الصينيون عن الكنفوشسية وغيرها من العقائد، بل أصبح بعض الصنيين يعتنقون تلك العقائد جميعا، ومؤسس البوذية هو(جوتاما) الذي لقب باسم بوذا أي الحكيم، وكان ابن ملك إحدى المقاطعات الهندية واشتهر منذ شبابه بالانصراف إلى الدراسات الروحية وحب الوحدة، ولما لاحظ الانحطاط الروحي والأخلاقي اللذين سادا عصره، نبذ مملكته وأسرته وأخذ يضرب في الأرض بحثا عن الحكمة، يطوف الفيافي والقفار والغابات وإذا هو أمام شجرة، فقرر أن يجلس تحتها، وأقسم ألا يتحرك حتى يظفر بما يهديه سواء السبيل.

بوذا ينتصر على الشيطان: غير أن القسم الذي أقسمه بعث الحزن والضيق في نفس الشيطان (مارا) روح الشر، وعدو الحقيقة، فحاول أن يصرفه عما يبحث عنه من هداية ورشاد فجاء ببناته الثلاث الجميلات وعدد من الشياطين لإغوائه على الاستمتاع بالملذات، ولكن بوذا لم يعبأ بخداعه وأبى أن يقع في شراكه وناشد الأرض أن تكون شاهدا على ما حدث.

وغضب (مارا) وأثار عاصفة هوجاء أظلم لها الجو وطغت مياه البحار وهدرت أمواج المحيطات ولكن بوذا في ابتهالاته مضى ثابتا صلدا حتى لم يجد (مارا) في النهاية إلا أن ينصرف ببناته وشياطينه. وهكذا فاز بوذا بالهداية في تلك الليلة، وكان عمره قد قارب الأربعين يومئذا، وأصبحت تلك الليلة تعرف عند اتباعه باسم “الليلة المقدسة”، أما الشجرة فقد أصبحت تسمى شجرة الحكمة. وفي الثمانين مرض فجأة ثم مات عام 470ق.م، وبعد وفاته تظهر عقائد جديدة بأسماء جديدة بلغت ثمانية عشر مذهبا لا تخرج في جوهرها عن البوذية وإن كانت متباينة في بعض الطقوس والمظاهر.

وفي جوهر التعاليم التي تركها كونفشيوس أو بوذا لا توجد إشارات صريحة إلى الشيطان، بل إن كل ما له اتصال بالشيطان في هاتين الديانتين بالذات إنما نشأ خلال القرون التالية لظهورهما. وقد ثبت تاريخيا أو دُست عليها خرافات وأساطير غاية في في السذاجة . وأخذت مكانها خاصة بين العامة، ونشأ عن تلك الخرافات طقوس ومراسم وعادات اصبحت وكأنها من أصول الدين وهي أشبه بما يعُرف بالبدع غير المستحسنة” مثل الاعتقاد في الشياطين والأرواح الشريرة التي تتمثل في المظاهر الطبيعية القاسية كالعواصف والرعد والبرق وغيرها، وإن أسوأ الشياطين هم من يسكنون الجبال، التي يحكون عنها القصص وأغلبها ينتهي بتمكين المؤمنين من قتل مردة الشياطين في الجبال.

وملأ خيال الصينيين الأرض بالشياطين التي كانوا يخيفونها بصواريخ نارية تنفجر في أقبية الهياكل، وفي نفس الوقت تدخل البهجة على النفوس. ومن الغريب أنه في النصف الأول من القرن العشرين كان رجال الأعمال هناك لا يشغلون أي مبنى إلا بعد استشارة (طارد الشياطين)أو الأرواح الخبيثة. وقد نوه بذلك الكاتب الأمريكي “كارل كرو”في كتابه”أربعمائة مليون زبون” الذي صدر عام 1944م والذي ألفه بعد أن قضى نحو ربع قرن مراسلا للصحف الأمريكية في الصين.

ولكيلا تعبث الشياطين بجثث الموتى الصينيين، أو تضايق أرواحهم في العالم الآخر، جرت العادة أن تحرق في الجنازات نماذج ورقية كبيرة الحجم ومقاربة للأصل لبعض الأدوات والأشياء التي كان يستعملها الميت في الحياة الدنيا، كعربة وحصان وكرسي وبعض الثيران وأحيانا نماذج للخدم، وبذلك ترضى الشياطين عن الميت لأن أرواح الأشياء المحروقة ستكون في خدمته.

ولتضليل الشياطين ومنعها من دخول المساكن تقام اشجار كثيفة أمام المداخل فإذا كان المالك قد رسم مناظر الغابات والأشجار الكثيفة على مداخل مسكنه حتى إذا ما حاولت الشياطين الدخول اندفعت داخل الغابات المقامة او المرسومة، فلا يسمح بها بعد ذلك أبدا. ومن ذلك أيضا إقامة ممرات ملتوية داخل البيوت حتى تفاجأ الشياطين بالجدران أثناء إندفاعها السريع وتموت! !

والخمر عند البوذيين بل عند أغلب الصينيين والهنود، وسيلة الشياطين للإيقاع بالبشر، وإلحاق الأذى والإضرار، ومن وصايا بوذا الخمس (لا يشربن أحد مسكرا) والحكمة في تلك الوصية ظاهرة فالمخمور يفقد وعيه فيصبح عبدا للشيطان ويتصرف بحماقة وجنون.

الشيطان عند الأفريقيين

الأفريقيون لا يعرفون “الشيطان” ولكنهم يعرفون “الأرواح الشريرة” رمز الشر و”الرذيلة” والكراهية والقسوة، والبحر مصدرا للأرواح الشريرة، فمن البحر جاء الشيطان الأبيض الذي استعمر الأرض والناس. ومن البحر جاء التجار يشحنون النساء والرجال في سفنهم يبيعونهم على الشاطئ الآخر من البحر في سوق العبيد! والأسلاف والأجداد في أفريقيا كانوا يروون ظمأهم إلى المعرفة بتخيل الأساطير وخلقها عن كل ما يبدو لهم غريبا، وغامضا، ومحيرا، من ظواهر الحياة. وكانت الأسطورة في أفريقيا ـ دائما ـ أساسا لكل عمل في كل مكان وزمان، وتعبيرا عن المعتقدات وترسيخا لها.

ورغم اختلاف المعتقدات والفلسفات فإنها جميعا تعبر عن شيء أساسي.. تعبر عن “القوة العليا” والقوة العليا تحتوي الحياة نفسها، وتمنح الناس الحياة، إنها الخالق الأعظم، رب الأرباب، الذي يسكن السماء أو أقرب ما يكون إلى السماء فوق قمم الجبال. ! كل الشعوب والقبائل في أفريقيا آمنت في وجود القوة العليا أوالخالق الأعظم، وأن كل شعب يطلق عليه اسما يختلف عن تسميات الشعوب الأخرى.

والعقائد الأفريقية تقوم على القوة والحيوية، والحركة. والعالم كله، عالم تناسق قوي، وأعظم هذه القوى جميعا، قوة الخالق الذي يمنح الناس الخير، والرزق، والمطر، والحياة. إن جوهر الثقافة الأفريقية هو تأكيد الإيمان بروح الإنسان وبالخير .. ويبدو بوضوح في هذا القول “أن من يرى كل المخلوقات في القوة العليا .. والقوة العليا في كل المخلوقات، من يرى هذا لا يستطيع أن يكره أحدا، أو ينفر من أحد.

هذا القول يوحي بأن المثل الأعلى للحب الإنساني عند الأفريقيين، ليس هو لمجرد الإنسان باعتباره إنسانا فحسب، بل باعتباره جزءا من الحقيقة التي تشمل الكون بأسره، بما في ذلك كل البشر.والأساطير الأفريقية التي تعبر عن المعتقدات، والتي تعتبر أساسا لكل عمل في كل مكان وزمان يربطها جميعا خيط واحد.. الصراع بين الخير والشر.. بين الفضيلة والرذيلة.. بين الحب والكراهية. بين الرقة والقسوة. والإنسان موجود في أعماق كل حكاية أسطوررية. حتى الأساطير التي تروي عن الحيوانات.. تدور كلها حول الخير والشر.. والحكايات التي تروى عن النباتات.. تدور حول العمل الطيب، والعمل الشرير.. كل ما هو طيب.. من وحي الخالق الأعظم.. وكل ما هو شرير.. من عمل الأرواح الشريرة.

إن الفلسفة الأفريقية تؤمن بالخلود، فالموت ليس إلا الامتداد للحياة المنظورة، والأفريقي ينظر إليه باحترام، تماما كما ينظر إلى المولود، ولهذا يحتفل بموت الأقرباء والأعزاء بالرقص، لأنها المناسبة التي سيعود فيها المتوفى إلى أرواح أسلافه وأجداده.