الشيخوخة مرحلة طبيعية في حياة الإنسان، وهي المرحلة الختامية التي تعده للنهاية المتوقعة المعروفة، وهي نهاية كل حي. ومن المعروف أنه توجد في جسم الإنسان أجهزة المناعة  Antoimmune Systems، وهي التي تحميه من المؤثرات والعوامل المعاكسة سواء النابعة من بيئته الداخلية أو الخارجية، وبدون قوة أجهزة المناعة هذه لا يستطيع الجسم المقاومة أو التصدي للمتغيرات المستمرة، فيضعف ويهلك، وأجهزة المناعة تضعف بالتدريج مع تقدم العمر، ويصبح الجسم غير قادر على مواجهة العوامل المعاكسة لبقائه حيا فيستسلم دون مقاومة ويفنى.

والآثار النفسية والعقلية للشيخوخة ترجع أساسًا إلى أن الخلايا العصبية غير متبدلة كخلايا أخرى مثل الكرات الدموية التي تتجدد على فترات ويموت بعضها وتكّون غيرها، فالخلية العصبية إذا عطبت تفقد وظيفتها جزئيًّا أو كليًّا، وعلى مر السنين تعطب الكثير من هذه الخلايا ويقل عدد الصالح منها، وهذا يتسبب في هبوط مستوى أداء وظائف المخ، ويظهر هذا في هيئة الأعراض الذهنية المعروفة للشيخوخة.

ولكن من جهة أخرى ساعد التقدم العلمي والطبي في العقود الأخيرة في علاج كثير من الأمراض الخطيرة والتي كانت تودي بحياة كثير من الناس في وقت مبكر من الحياة، وأصبحت الكشوف الطبية الآن غير مسبوقة وتنبئ بثورة في عالمي العلاج والوقاية من كثير من الأمراض التي كان يعتقد أنه لا علاج لها، مما ساعد على إطالة عمر البشر عامة، وإطالة متوسطات هذا العمر في الدول المتقدمة والتي تقوم بتقديم كل الخدمات الصحية والطبية اللازمة للإنسان،وقد صار “علم الشيخوخة” ورعاية المسنين Geriatric  Care  في الدول المتقدمة من التخصصات المستقلة، يتطور باستمرار تبعًا لحاجات المسنين المتزايدة والرعاية التي تقدم لهم باضطراد.

إن الشيخوخة محصلة لعاملي الوراثة والبيئة معا، فهناك ما يؤكد أن هناك عمليات كيميائية حيوية معينة تعمل أو تتوقف تبعا لبرنامج وراثي مرتبط بمراحل مختلفة من حياة الخلية، وهذه العمليات تشكل تغيرات كيمائية تحكم أداء عمر الخلية.

إكسير الشباب

أما “ينبوع الشباب” والذي يبطئ عملية الشيخوخة، فقد تمثل في تقييد السعرات الحرارية أو الحد منها، ولا شيء يعّبر عن هذا التقييد أفضل من الصوم. وقد لوحظ أن الحيوانات الأكثر تعميرا هي التي قيدت السعرات الحرارية في غذائها منذ مولدها، وهو ما أثبتته التجارب في المعامل العلمية. ولقد دُرس الصوم في الإطار الطبي، وتبين أنه يطلق آليتين بارزتين داخل أجسامنا : أولاهما اللجوء إلى التغذية الداخلية اعتمادا على الاحتياطي الذي يصل إلى 40 ـ 45 % من وزن الجسم. وثانيتهما زيادة إطراح السموم، حيث يتخلص الجسم من تراكمات الفضلات والسموم في الأنسجة المريضة. وطبيعي أن يلحق بهاتين الآليتين عنصر الراحة الفيزيولوجية التي ينالها الجهاز الهضمي وملحقات سائر الأجهزة والغدد بدرجة أو أخرى، ونتيجة لذلك كله يتاح لعضوية الجسد العثور على فرصة للتجدد، فتعود الوظائف بعد فترة الراحة أنشط، ويصير الدم أصفى وأغنى بكريات الدم وأكثر شبابا.

ولقد أشارت تجارب إثنين من علماء الفزيولوجيا بجامعة شيكاغو، وهما الدكتوران كارلسون وكوند(1) إلى ما يدعم حدوث التجدد، أي تأخير الشيخوخة أو تأجيل تفاقم مظاهرها، إذ تبين إن الصوم لمدة أسبوعين يكفي لتجديد أنسجة إنسان في الأربعين، بحيث تبدو مماثلة لأنسجة شاب في السابعة عشر من عمره، وهذا ما يسمى بالصوم الطبي، ويعتبر صوم رمضان الأقرب إلى هذا الصوم الطبي، بل يتفوق عليه في بعض الجوانب.

العلاقة بين العمل والعمر

 ولا شك ان هناك علاقة وثيقة بين نوع العمل والعمر، فالمشاهد أن الأطباء مثلا من أقصر الناس عمرا، ومن يعملون في بيئات غير مناسبة كالمناجم والمعامل الملوثة والخطرة، بينما نجد رجال الفكر والسياسة هم أطول الناس أعمارا، على الرغم مما يبذلونه من جهد، وما يتحملونه من تبعات ضخمة ومسؤليات جسيمة. ولا شك أن هناك أعمالا تطيل العمر، وتساعد على صحة جيدة في نهاية الحياة كالزراعة والعمل بالبادية والصيد، وكافة الأعمال التي تستلزم الخروج إلى الطبيعة والأماكن الخلوية. وكذلك نجد رجال الفكر والفلسفة والمشتغلين بالكتابة والتأليف والإبداع الأكثر أعمارا، ونذكر على سبيل المثال أن بسمارك عاش 83 عاما، ومترنيخ 86 عاما، وغلادستون 98 عاما، وكليمانصو 88 عاما، وهندنبرج 87 عاما.

ومما هو جدير بالذكر، أن المرؤخ “هوميروس” كتب الإلياذة وهو في سن المائة، ووضع الموسيقي “فردي” إبداع موسيقاه في سن 80، واختتم الأديب “جوته” كتاب فاوست في سن 82، وتمنى الروائي والكاتب “فيكتور هوجو” في عيد ميلاده الثمانين أن يعيش 80 عاما أخرى، وعاش الفنان والمبدع “ميشيل انجلو” حتى هذه السن المتقدمة، وأنهى الرسام  “كورث” آخر لوحاته في سن 78، وكتب الأديب والمبدع “تولوستوي” اعترافاته في سن 75، وعاش كل من “أينشتين”  و”برنارد شو” حياة حافلة طويلة، وجاوز الفيلسوف والرياضي “برتراند رسل” التسعين، وقد ذكر أنه كلما تقدمت به السن، إنقادت له الأفكار، وسلست قيادها.

المواهب تعمّر طويلاً

 وهكذا نجد ذوي المواهب يعمرون طويلاً، كأنما يتجرعون أكسير الحياة، مع البحث المستمر، والعمل المثمر، فالعمل هو الذي يجعل للحياة معنى .. أما الذين يعيشون بلا عمل ولا هدف ولا أمل، فليس لهم في الحياة مكان. ولذلك نجد كثيرا من الأغنياء يعملون وكأنهم لا يملكون شيئا .. أما أصحاب الملايين الذين لا عمل لهم إلا الطواف حول العالم بلا هدف ولا غاية من معرفة أو ثقافة، فسرعان ما يدركهم السأم والملل، وما يتبع ذلك من أسقام وعلل.

ولا شك أن السن المتقدمة يمكن ان تصبح أسعد مراحل الحياة، إذا صاحبها عمل ونشاط يستغرق معظم الوقت والفكر، ولا غضاضة أن يراوح الإنسان بين العمل واللهو والاستمتاع بالفراغ مع الأهل والأصدقاء، أو فيما يحب الإنسان الاستمتاع به الرياضة والهوايات.

الشباب لا يقاس بالسنين

حينما توفي الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل Bertrand Russell (1872-1970)كتبت إحدى الصحف البريطانية تقول”مات بالأمس شاب إنجليزي شارف الثانية والتسعين من عمره” ولم يكن من الغرابة في شيء أن يبقى المفكر الإنجليزي الكبير حتى آخر لحظة من حياته، شابًا متوثبًا يتمتع بكامل قواه الجسمية والعقلية، فقد عرف رسل كيف يستبقي في نفسه حيوية الطفولة، وكيف ينعم في شيخوخته بكل ملذات الشباب.

ولم يكن برتراند رسل مجرد فيلسوف ساخر مزج الجد بالهزل، وإنما كان أيضًا حكيمًا رواقيًا عرف كيف يمزج العمل باللعب، وكيف يصارع الموت بالحياة، وهكذا كانت حياته طويلة استمرارًا لطفولة سعيدة..

وحين كتب فيلسوفنا مقالا في إطراء الكسلinpraise of Idleness   تعجب الكثيرون كيف يُعلي مثل هذا المارد الفكري الجبار من شأن رذائل كالبطالة والخمول والكسل! ولم يكن رسل -في الحقيقة- ينقص من قدر (العمل) في حد ذاته، وإنما كان ينتقد تلك الحياة الشاقة المضنية التي لا توفر لصاحبها أي قسط من الفراغ، أو التنعم، أو الاستمتاع.

ولو أننا عدنا -فيما يقول رسل- إلى تاريخ الحضارة البشرية، لاستطعنا أن نتحقق من أنه لولا “أهل الفراغ” وعلى رأسهم جماعات المفكرين والفلاسفة والأدباء والفنانيين، لما نشأت شتى مظاهر الحضارة من علم وفلسفة وفن، ولما قدر للإنسانية يومًا أن تخرج من مرحلة البربرية، ومعنى هذا أن الحضارة البشرية قد اقترنت في ظهورها بعملية (التفرغ) التي أتاحت للإنسان فرصة التحرر من أسر الحياة العملية، والتفكير في شيئ آخر أكثر من مجرد العمل والإنتاج، وما زالت حياة اللهو واللعب والانطلاق -فيما يقول رسل- هي حياة الغبطة والسعادة والنشوة بالحياة، في حين أن حياة العمل والنصب والإرهاق هي حياة التوتر، والكآبة، والأعصاب المكدودة.

اللعب والعمل

ويجيب الدكتور زكريا إبراهيم في بحث له عن سؤال مفاده، هل يكون اللعب أسبق من العمل؟ فيقول: قد يعترض معترض فيقول ألستم أنتم -أيها الفلاسفة- الذين عرفتم الإنسان فقلتم أنه حيوان صانع ؟ ألم يقم من بينكم من أعلى من شأن (العمل) لدرجة أنه قال، أن الإنسان هو عين ما يعمل.. وإذن كيف تقدمون (اللعب) على (العمل) أو كيف تزعمون أن حياة اللهو أخلق بالإنسان من حياة الجد. وردنا على هذا الاعتراض هو أن (اللعب) قد قام بدور أساسي في حياة الوجود البشري، لدرجة أننا حين نتعقب أي نشاط جدي أو أية مهارة عملية كان لها دور في ترقية الإنسان، فإننا لابد من أن نجد أنفسنا قد انتقلنا إلى “ملكوت اللعب” Realm of play وآية ذلك أن ضروب التسلية وشتى مظاهر “النشاط غير النفعي” قد سبقت لدى الإنسان البدائي كل الأساليب النفعية، وكافة الوسائط العملية. وقد كانت أول الحيوانات أستأنسها الرجل البدائي هي صغار الكلاب والقطط التي كان الأطفال يجدون لذة كبرى في مداعبتها واللعب معها.

ومن المحتمل أن تكون عمليات الغرس والري -في الأصل- مجرد محاولات لاهية كان الرجل البدائي يقوم بها على سبيل اللعب. وهناك باحثون لا يرون أدنى حرج في القول بان العجلة، والشراع والآجر .. إلخ لم تكن في بادئ الأمر سوى مجرد أدوات كان البدائيون يلهون بها، والحق ان أدوات الزينة قد كانت أسبق في الظهور من أقمشة الملابس، كما أن “القوس” كان آلة موسيقية قبل أن يصبح سلاحًا.

الهوامش

1ـ د. محمد المخزنجي : منحة لإبطاء الشيخوخة، العربي العدد 505، الكويت ديسمبر2000م 

2ـ B.Russell” in praise of Idleness”, London . Unwin Books. 1962. 9-21   .                                                                                                   

3ـ د.زكريا إبراهيم : الحياة مراوحة بين عمل ولعب، العربي العدد 141 ،الكويت أغسطس 1970 

4ـ F.Challayc “L Art et La Beaute “, paris Nathan.  p . 86