إن من ينظر إلى سنن الله الكونية يجد أن الشيخوخة طور زمني حتمي في دورة حياة كل مخلوق، فالشيخوخة من فطرة الخالق في هذا الكون، من أول الخلية الحية التي لا ترى إلا بالمجهر إلى خلق المجرة الهائلة في الفضاء الكوني، كما أن الشيخوخة تغير بيولوجي حتمي في جسم الإنسان لا يوقفه شفاء ولا يفيده علاج، فكل شيء في هذا الكون يبدأ خلقه بطور الطفولة وينتهي إلى طور الشيخوخة، نجد ذلك في الإنسان والنبات والحيوان والطير وحتى الجماد كالجبال والمحيطات، وكذلك الكواكب والنجوم.

فالزمن يسوق الجسم إلى الشيخوخة سوقًا ويدفعه إليها دفعًا، وتجري الحياة والموت جنبًا إلى جنب في جسم الإنسان، فنجد أن ملايين الخلايا تموت كل ثانية من الثواني، وملايين أخرى من الخلايا تحيا… ففي جسم الإنسان منايا وحياة، حتى إذا جاءت الشيخوخة زادت عمليات الموت والهدم على عمليات الحياة والبناء، وبذلك تحل الشيخوخة في الجسم ولا يمكن إعادة الشباب في خلايا الجسم أبداً.

إن الذين تخطوا سني عمرهم الخمسين أو فوق، يشعرون أن كل شيء فيهم يتغير ويهبط، ويتمرد على ذلك النظام الذي كان يسري في أجسامهم قبل ذلك، وكأن بصمات السنين قد تركت آثارها على ظاهرهم وباطنهم، فبشرة الجلد الغضة اللينة أصبحت متجعدة ومتهدلة، وتحولت سوداء الشعر إلى بيضاء، وبرزت عروق الأطراف، وضعف البصر وزاغ، وانخفضت كفاءة السمع، ونقصت معدلات الاستقلاب العامة.

سبب الشيخوخة

لا زال سر الشيخوخة غامضًا ومعقدًا، وهناك نظريات كثيرة تشير إلى أسباب تتعلق بالخلية، وأسباب تتعلق بالنظام الوراثي وعوامل الوراثة، وأسباب تتعلق بالزمن البيولوجي بالأجسام… وتؤثر على كل هذه العوامل عوامل البيئة وعوامل المرض وعوامل معاناة الحياة، وأغلب الظن أن سر الشيخوخة يكمن في كل تلك الأسباب مجتمعة. ولقد اختلفت الآراء كذلك في الوقت الذي تبدأ فيه الشيخوخة، وأوضحت دراسات عدة أن التقدم في السن، وبالتالي ظهور أعراض الشيخوخة سواء صحيًّا أو نفسيًّا أو عقليًّا قد يبدأ في أي مرحلة من مراحل العمر، فالقدرات عامة تبدأ في التغير ابتداء من سن العشرين، ومن جهة أخرى فمن المعروف أن سن الشخص قد لا يكون بالضرورة متفقًا واحتفاظه بوظائفه البدنية.

هل للشيخوخة دواء؟

لقد ضجت المجلات العلمية والمراكز الطبية بالحديث عن علاج الشيخوخة ومنعها، وقد دفعت طوائف من الناس آلاف الأموال أملا في أن يؤخروا الشيخوخة أو يمنعونها، لكن شركات الأدوية امتنعت مؤخرا عن تمويل أبحاث علاج الشيخوخة؛ استنادا إلى أن كل الأبحاث التي كتبت، والأموال التي صرفت؛ لم تفد في علاج الشيخوخة، وأنه من الأولى إغلاق هذا الباب في الطب والعلاج، لأن من يبحث عن شفاء من الشيخوخة إنما يسعي وراء سراب، ومن يفكر باختراع دواء لعلاج الهرم كمن يفكر بإرجاع الزمن للوراء وهذا أمر مستحيل علمياً.

والإنسان في هذه المحاولات يريد أن يخرج من نسق التغير إلى نسق الثبات ويحيا في شباب دائم بلا شيخوخة، وهذا أمر مستحيل الوقوع لأن ذلك لو تحقق لتوقف الزمن، ولا يتوقف الزمن أبداً في الحياة الدنيا، وإنما يتوقف في الحياة الآخرة لأن فيها الخلود ولا يحرم الناس فيها أبدًا.

One Response

  1. د محمد السقا عيد

    وهنا يأتي الإعجاز النبوي قبل أربعة عشر قرناً ليحسم هذه المسألة والحديث عن الحقيقة العلمية الـتي تؤكد على استحالة العلاج لما يسمى بمرض الشيخوخة وإمكانية علاج أي مرض آخر. يقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاءً إلا داءً واحداً الهرم) رواه أحمد.
    وتأمل معي عزيزي القارئ كيف يتوافق هذا الحديث الشريف مع الحقائق الطبية، ألا يدل هذا على أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى؟ وفي هذا المقام يحتار الإنسان ويتساءل: كيف يمكن لبشر عاش قبل أربعة عشر قرناً ـلو لم يكن رسول الله أن يتنبأ بحقيقة علمية تم اكتشافها بعد جهود مضنية طيلة القرن العشرين؟

    رد

Leave a Reply

Your email address will not be published.