تجربة واقعية حية زار فيها شخصيتان أكاديميتان وازنتان من المغرب والجزائر؛ الدكتور محمد إقبال عروي، والدكتور سعيد بويزري، مناشط “الخدمة” في إقليم كردستان العراق، ووثقوا تجربتهم من خلال هذا الحوار الذي أجراه معهم نوزاد صواش جاء فيه:

“بالنظر إلى الأنشطة التي عايشناها والزيارات التي قمنا بها، تأكد لي أن فكر الأستاذ كولن، قد أسهم بدور مهم في الأمن المتحقق في هذا الإقليم. ففكر الأستاذ بطبعه يدعو إلى الإسهام في تحقيق الأمن والسلام والتسامح في أي بيئة يعيش فيها؛ حيث يجعل التربية والتعليم مداخل قوية لتأسيس هذه القيم… ففي المدرسة نفسها تلاميذ وتلميذات من مختلف الجنسيات والعرقيات والألوان والأديان” (محمد إقبال عروي).

“لاحظنا كيف حُولت الأفكار إلى إنجازات؛ الأستاذ فتح الله كولن -حفظه الله- كان يدعو دائمًا إلى ترجمة الأفكار والقيم في شكل ملموس، فيدعو إلى تحويل هذه الأفكار إلى كائنات حية تسري في الناس. لقد استبشرتُ خيرًا مما رأيته من خلال استثمار التنوع، تنوع في المجال الديني، والمجال الثقافي، والاجتماعي واللغوي. فهذا الاستثمار قد شكَّل روافد تقوي المسيرة الحضارية” (سعيد بويزري).

لسان الحال أصدق وأقوى تأثيرًا من لسان المقال.

  نوزاد صواش:

بعد أن حلَّقنا مع علمائنا وأساتذتنا الأكارم إلى بلدٍ خارج تركيا، واطلعنا على تجربة “الخدمة” من خلال مناشطها المختلفة، سنناقش في هذا الحوار ما شاهدناه وما رصدناه هناك، الأفكار التي ولّدت هذا النشاط، أنواع هذا النشاط، تداعياته، تفاعله مع المجتمع… معنا في هذا الحوار ضيفان كريمان عزيزان معروفان؛ الأستاذ الدكتور محمد إقبال عروي أستاذ التعليم العالي في المغرب، والأستاذ الدكتور سعيد بويزري من الجزائر. أساتذتي الكرام، قضينا في إقليم كردستان العراق يومين، اطلعنا فيهما على تجربة “الخدمة” التي كان الأستاذ “فتح الله كولن” هو الملهم لها. نحن بالطبع كنا نسمع عن هذا الإقليم (كردستان العراق) من خلال أخبار مختلفة، من خلال المشاكل التي تثور في المنطقة، المشاكل القديمة أيام صدام حسين؛ مأسات حلبجه، والمظالم التي تعرض لها الشعب الكردي هناك… وفي هذه الأيام الآن توجد داعش والتطرف الذي تمارسه، والمشاكل التي تعصف بالمنطقة عصفًا.

لكننا في مقابل ذلك وجدنا هناك رجالاً ونساءً حملوا معهم مشاعل مختلفة عن المشاعل التي يحملها العسكري الجندي أو السياسي، حملوا معهم مشاعل المدرسة، التعليم، المعرفة، وذهبوا إلى كردستان العراق سنة 1993. شخصيًّا، لقد أذهلني ما شاهدته هنا، فقد حدَّثَنا القائمون على النشاط هناك عن حوالي 40 مدرسة منتشرة في 7 ولايات من أرض العراق، حوالي أكثر من 30 مدرسة متوزعة في العراق؛ أربيل، السليمانية، دهوك، حلبجه، كركوك، الرمادي، الموصل -طبعًا قبل داعش- بغداد، البصرة… يعني هذا عالم جديد بالنسبة لنا، أحب أن أسمع انطباعاتكم بصفة عامة. أظن أن هذه هي الزيارة الأولى للمنطقة، هل كنا نتوقع أن نرى هذا؟! وما المشاعر الأولية التي أحسستم بها في اللحظة الأولى عندما رأيتم هذا الخير؟

محمد إقبال عروي:

أمانة إذا كانت هذه البداية، بداية الحديث عن المشاعر، فاسمحوا لي أن أركز على حالة بسيطة لكن لها دلالة؛ فعندما وُجِّهت إليّ الدعوة لكي أزور “إقليم كردستان”، حدَّثتُ بعض أصدقائي وزملائي عما يعرفونه عنه، وكانت المفاجأة القوية هي أن جميعهم حذروني من المكان، جميع من أخبرته كانوا يتوجسون. لكن بمجرد ما بدأنا نتواصل مع الناس، ونخرج لزيارة هذه المدرسة أو تلك أو هذه الجامعة، أو هؤلاء الأساتذة الباحثين، أو هؤلاء المفكرين والمشايخ، ترسخ في ذهني أن هذا بلدًا آمنًا. نسأل الله أن يُمتِّع سائر البلاد العربية والإسلامية وسائر بلدان العالم بالأمن والسلام.

لكن الإنسان بخبرته في الحياة لا يكتفي بهذا الظاهر، وإنما يسأل عن الأسباب الكامنة خلف هذا الأمن الذي -مع الأسف- لا تُصدِره وسائل الإعلام، أو لا تريد -لهدف من الأهداف- أن تصدره إلى المشاهد العربي والإسلامي والعالمي. من حق الباحثين الاجتماعيين، من حق الدارسين، من حق المحللين، أن يبحثوا عن الأسباب، لكن بالنظر إلى الأنشطة التي عايشناها والزيارات التي قمنا بها، تأكد لي أن الفكر الذي بشّر به الأستاذ محمد فتح الله كولن -حفظه الله- هو الذي يكمن وراء جانب كبير من هذا الأمن المتحقق هنا. يتجلى هذا الدور في أن فكر الأستاذ بطبعه يدعو إلى أن يُسهم كل شخص في تحقيق -ولو نسبة ضئيلة- الأمن والسلام والتسامح في أي بيئة يعيش فيها. هذا الفكر يجعل التربية والتعليم مداخل قوية لتأسيس هذه القيم. وهذا الاجتهاد الذي أشرتم إليه من سنة 1993 إلى اليوم، يؤكد أن مدارس الخدمة اشتغلت من بين ما اشتغلت عليه هذا الجانب. خاصة، وأنها ترسخت في المنطقة الكردية التي لا أسمح لنفسي بأن أتحدث عنها، لأنني لست متخصصًا في المجال، ولكن أشير إشارات عابرة؛ أنها منطقة متنوعة من حيث الأعراق، والإثنيات، والأديان، والمذاهب، والاتجاهات.

إن فكر الأستاذ فتح الله كولن بطبعه، يدعو إلى أن يُسهم كل شخص في تحقيق -ولو بنسبة ضئيلة- الأمن والسلام والتسامح في أي بيئة يعيش فيها، وهذا الفكر يجعل التربية والتعليم مداخل قوية لتأسيس هذه القيم.

نوزاد صواش:

ومن حيث المشاكل التي تعيشها المنطقة وتتقلب فيها من حين لآخر.

محمد إقبال عروي:

نعم، جزء من هذه المشاكل، لاحظتُ أن الإقليم ضحية لها؛ فهي لم تصدر هذه المشكلات، لكن هي ضحية لاعتبارات تاريخية، حضارية، اعتبارات سياسية معاصرة… إلخ، هي ضحية لهذه المشكلات. لكن الأفراد الذين انخرطوا في التأسيس لهذه التربية وهذا التعليم المتميز في مدارس الخدمة، قد وضعوا من ضمن ما وضعوا من أهداف، أن يسهموا في تقليص هذا التوتر الذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة، فلذلك تجد في المدرسة نفسها، تلاميذ وتلميذات، منهم العربي والتركي والكردي، بل ومنهم المسلم، وغير المسلم.

فنوع الخطاب، نوع القيم التي تبثها هذه المدارس، هو الذي يسمح بأن ينشأ جيل جديد قادر على أن يتجاوز هذا الركام التاريخي من المشكلات ومن المحن ومن الخلل الذي تسلل إلى العقل العربي والعقل المسلم.

نوزاد صواش:

دكتور سعيد، باعتبارك تشرف على مجالس الصلح في الجزائر في المناطق ذات الخصوصية والحساسية هناك، هل فاجأتك المناشط الموجودة هنا من مدارس، وجامعة، ومؤسسات حوار، وجمعيات رجال أعمال، عمل ثقافي، عمل إغاثي… هل كنت تتوقع هذا؟ كيف تقيمه؟ وما دوره في حل بعض النزاعات والمشاكل الإقليمية؟

سعيد بويزري:

لا شك أنني شعرت كما شعر أخي محمد إقبال بسعادة غامرة تملأ حدائق قلوبنا من خلال ما رأينا من إنجازات ومن مشاريع. كيف حُوِّلت المشاعر -مشاعر حب الخير- إلى إنجاز مشاريع. فتحويل المشاعر إلى مشاريع، هذا مظهر الصحة. لاحظنا كيف حُوِّلت الأفكار إلى إنجازات. الأستاذ محمد فتح الله كولن -حفظه الله- كان يدعو دائمًا إلى ترجمة الأفكار والقيم في شكل ملموس، فيدعو إلى تحويل هذه الأفكار إلى كائنات حية تسري في الناس. لقد استبشرتُ خيرًا مما رأيته من خلال استثمار التنوع، تنوع في المجال الديني، والمجال الثقافي، والاجتماعي اللغوي… فهذا الاستثمار شكَّل روافد تقوِّي المسيرة الحضارية، وطبعًا نحن لا ننسى بأن منطقة أربيل والسليمانية والعراق -بشكل عام- كانت مهدًا لحضارات كبيرة جدًّا، من أقدم الحضارات. ومدينة أربيل بالذات من المدن التاريخية الكبرى التي لم تنقطع فيها الحياة منذ أكثر من سبعة الآف سنة، ولكن هناك تراكمات ومشكلات كثيرة جدًّا تراكمت وعطلت هذه المسيرة، فأتت مدرسة “الخدمة” لتعمل في هذا الاتجاه؛ تستثمر عوامل النهوض الحضاري، تستثمر الإسلام في قيمه ومبادئه، في بناء الإنسان الذي يبني الحضارة. ولا شك أن الحضارة لا يمكن أن تقام إلا بالاهتمام بالعنصر الأساس وهو “الإنسان”. ثم مما أعجبني كثيرًا هذا التنوع في المناشط؛ فلم تنصرف الجهود إلى مجال معين، بل كانت حاضرة حضور التجربة (تجربة الخدمة) في جميع المجالات، فكأنها فجرت ينابيع الخير الكامنة في الإنسان. فنجد بعض الناس مهيئين للعمل العلمي للتعليم، فـ”الخدمة” استثمرت في هذا المجال، وهناك من هو مهيأ للمجال التربوي، أو المجال الإعلامي، أو مجال الأعمال والأموال… فمعرفة الإنسان، ومعرفة الطاقات الكامنة فيه، واستثمار هذه الطاقات، توفيق من الله، واجتهاد من “الخدمة”. رأينا الشيء الكثير، نسأل الله أن يحول هذه المنطقة إلى قلعة حضارية كبيرة، تمهيدًا لاستعادة الحضارة المفقودة، سواء في هذه المنطقة العزيزة إلينا جميعًا العراق، أو في ربوع الأمة قاطبة.

نوزاد صواش:

دكتور إقبال، أعرف اهتمامك بالفن والأدب، وأذكر في مجلس من المجالس عندما جلس المدرسون والمدراء يحدثوننا عن أيامهم الأولى (التسعينات) أيام الحرب، خرج الجميع من المدينة أربيل، وتحولت إلى مدينة مهجورة، لكن المدرسين بقوا هناك ولم يخرجوا، أنت قلت هذا يستحق أن يكون سيناريو لفيلم واقعي، فهل يمكن أن تصف ما حدثنا المدرسون عنه؟

محمد إقبال عروي:

فعلاً، أستاذي نوزاد أستسمحك قبل أن نفتح هذه الواجهة واستئنافًا لما قاله أستاذي الكريم سعيد، في الواقع هذا الانخراط الذي يبدو أنه متنوع ومتعدد، يعود إلى عقل يحسن التدبير، ويحسن استشراف المستقبل الذي يمكن أن يفيد الأمة. لأول مرة أشعر وأنا أتابع مناشط مدارس الخدمة في أربيل أنه لم يكن بالإمكان الانخراط في هذا العمل المتنوع المتعدد إلا بعد مهارة دقيقة في التشخيص. أزمتنا اليوم -وأنا مقبل عليكم من العالم العربي- لا يمكن أن ندخلها في خانة اليأس والأزمة والخلل، لكن التوصيف العلمي يقتضي أن نقول هذا الكلام؛ نحن نحب بلداننا ونريد لكل بقعة في عالمنا العربي والإسلامي، بل نريد للإنسانية جمعاء أن تكون في أحسن حال، سواء على المستوى النفسي، أو على المستوى الاقتصادي، أو على المستوى التربوي، أو في كافة المستويات.

لكن التوصيف لا يعني أننا نجلد ذواتنا أو أننا ننتقد بلداننا، بل يقتضي أن نذكر أن الفكر الإسلامي لحد الساعة -ومن قبله ومن بعده الفكر العربي- لم يوفق إلى تشخيص دقيق حكيم لأزمة الأمة، ولذلك ظهرت توصيفات في هذا التشخيص معظمها كان توصيفًا ناقصًا قاصرًا، ومعظمها أبقى على الأزمة، وهو يراهن على حلها. فمن التوصيفات ما يقدم الأزمة على أنها أزمة سياسية، أو اقتصادية، ومن التوصيفات ما يقدمها على أنها أزمة أخلاقية، أو تربوية تعليمية… إلخ.

في الواقع منطلق الأستاذ فتح الله كولن -وهذا واضح في كتاباته ومؤلفاته، أو على الأقل التي تُرجم منها إلى اللغة العربية- واضح أن التشخيص كان تشخيصًا متكاملاً متوازنًا، بحيث لم يُغفِل جانبًا من الجوانب. هذا التشخيص المتكامل الشامل المتوازن، هو الذي نحتاجه في بيئاتنا، ولذلك أنت لا تستطيع أن تفصل المناشط في الجانب الإعلامي عن غيرها في الجانب التربوي أو الجانب الاقتصادي، وهكذا. ولذلك نجد أن فتح الله كولن لم ينخرط في ذلك التوصيف الذي يقول إن سبب أزماتنا هي أسباب سياسية، وأنه عندما تتغير الأنظمة تتغير المجتمعات نحو التقدم والعدل والرفاهية. وهذا ما يفسر أننا زرنا مختلف المناشط التي تقوم بها مدارس الخدمة؛ زرنا مؤسسة رجال الأعمال، ومؤسسات تربوية، زرنا الجامعة، ومؤسسات إعلامية في أربيل. وقد حدثنا الأساتذة عن العمل الإغاثي، والذي كان في لحظة حاسمة، حيث إن العديد من المتشدقين بحقوق الإنسان وبخدمة الإنسانية فرّوا من أربيل، فرّوا من السليمانية، فرّوا من كركوك، فرّوا من بغداد، لكن مدارس “الخدمة” بقيت هناك تتولى شأن التربية والتعليم لأبناء تلك المناطق. وهذا الذي أثار انتباهي، لم نزر مقر حزب لمدارس الخدمة، يعني هذا أن الشأن السياسي غير داخل في الاعتبار الذي أدخله بموجبه الإنسان العربي، فاشتغل بما هو سياسي على حساب المناشط الأخرى التي ترتبط بالإنسان بشكل قوي، إلى درجة أنك تستطيع أن تقيم هذه المعادلة، أنه كلما انخرط الإنسان في العمل السياسي فقط مستبعدًا هذه الجوانب التربوية الإنسانية، بدءًا بإصلاح نفسية الإنسان وتزكيته، ومرورًا بتصحيح المفاهيم المتعلقة بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وبعلاقة الإنسان بمن يخالفه في العقيدة والمذهب وما إلى ذلك… إذا لم تستطع أن تتناول موضوعًا بهذه الشمولية، فهذا العمل السياسي حتمًا سيكون أداة من أدوات الهدم وأنت تريده أن يكون أداة من أدوات البناء. هذا التشخيص القاصر تجاوزه الأستاذ فتح الله كولن.

مدارس الخدمة بإسهاماتها المتميزة، وبقدرتها على نشر ثقافة التسامح والتعايش، والتفاهم والتقبل، قادرة على أن تقلص حجم القبح الذي ينشأ من جراء ضخ ثقافة الإقصاء، وثقافة التهميش، وثقافة الحقد، وثقافة الكراهية.

ثم نقطة أخرى مهمة، فتح الله كولن رأى برؤيته الاستشرافية، أن الدولة الحديثة مثقلة بالمسؤوليات والمهام، وأنها عاجزة عن أن تحل مشكلات الإنسان، مشكلات المواطن، وخاصة المشكلات التقليدية والقضايا التقليدية من تعليم وتربية وطبابة وما إلى ذلك، وتقديم خدمات وما إلى ذلك. هو أدرك بحسه وبرؤيته الاستشرافية، أن الدولة الحديثة مهما كان شأنها فهي عاجزة عن أن تلبي جميع هذه المطالب لجميع المواطنين. فلم يراهن على مؤسساتها، وإنما شجع على إنشاء مؤسسات تنتمي إلى القطاع الخاص، وتنتمي إلى المجتمع المدني. ومن هذا الباب فإن المقبلين على دراسة فكر فتح الله كولن، حتى ولو لم يعنيهم الشأن التربوي الديني القيمي، عليهم أن يستفيدوا من هذه الخبرة. إنه يبشر بهذه المقولة التي أصبحت الآن تتصدر التخطيطات الإستراتيجية للدول المتقدمة، أو ما يمكن أن نطلق عليه “تنمية فكر المجتمع المدني”. إنه ليس قوة بديلة عن الدولة، وليس قوة ضد الدولة، وإنما هو قوة مكمِّلة للدولة، تأخذ عن الدولة بعض المسؤوليات لتنجزها للمواطن. وهذا ما يفسر أن أعمال الإغاثة تعجز الدولة أن تقوم بها وحدها، فمدارس الخدمة تنشئ مؤسسات للإغاثة.

نوزاد صواش:

هناك حديث عن الديمقراطية الحديثة المتطورة التي تُعنى بتقليص دور الدولة وتفعيل دور المجتمع.

محمد إقبال عروي:

نعم، فعلاً إلى درجة أننا نستطيع أن نصوغ قاعدة أنه “كلما سُمح بفعاليات المجتمع المدني أن تنشط وأن تعمل، تقلصت المشكلات التي تعاني منها الدولة”.

نوزاد صواش:

دكتور سعيد، هناك شحذ مستمر لفكرة الثورة؛ فالمواطن يطلب من الدولة أن تؤمِّن له كل شيء، وإن لم تفعل يبدأ بالثورة، هذا المواطن الذي يطالب بحقوقه -في ظل دولة تعجز عن تقديم بعض الخدمات- يؤدي في النهاية إلى نوع من الاحتقان والمواجهة بين الطرفين، فهل نحن هنا أمام طرح جديد؟ أعني ليس الأمر متعلقًا بالمطالبة بالحقوق فحسب، هناك شعور بالمسؤولية.

سعيد بويزري:

الدولة الحديثة تقوم على عدة أركان؛ منها رعاية حقوق المواطنين، ومنها تقرير فتح الفضاءات أمام المجتمع المدني ليؤدي دوره. أخي محمد إقبال قبْل حينٍ قال إن هناك بعض المجالات تعجز الدولة عن أدائها، فإذا سُمح للمجتمع المدني أن يتحرك في الفضاءات المتاحة في المجتمع، فسيصير هذا المجتمع المدني مكمِّلاً للدولة، وهكذا تتحقق النهضة. إذن التكامل يتحقق بين جميع المؤسسات الرسمية والمؤسسات الشعبية أو الأهلية.

نوزاد صواش:

المؤسسة الرسمية أليست هي أيضًا مظهر من مظاهر المجتمع في نهاية الأمر؟

سعيد بويزري:

نعم، أقصد الحكومية والأهلية، أما ما يتعلق بلغة الواجبات والحقوق، فإذا عدنا لشرع الله يمكن القول إن المسلم مكلَّف، وهناك مصطلح معروف في الشريعة وهو التكاليف، فإذا غلَّبنا جانب التكاليف أو الواجبات على الحقوق تحققت إقامة الدين في هذا المجال الحيوي. لقد أُمرنا بإقامة الدين، وهنا أستحضر كلمة لبديع الزمان سعيد النورسي -رحمه الله- يقول: “لولا الدين لتحولت الدنيا إلى سجن رهيب”، والقرآن يأمرنا بإقامة الدين، فأقول إن أداء الواجبات هو أكبر ضمانة للحفاظ على الحقوق -هذه في غاية الأهمية- أما تغليب لغة الحقوق، وكل إنسان يقول حقي حقي حقي، فقد تضيع الحقوق وتضيع الواجبات معها.

نوزاد صواش:

كيف يتجلى ذلك؟ أو ما مظاهره في المجتمع؟

سعيد بويزري:

من تجلياته الشعور بالمسؤولية؛ كل إنسان مسؤول، نبينا (ص) يقول: “كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته” (متفق عليه). فهذا الحديث الجامع يحمِّلنا جميعًا المسؤولية، مسؤولية أداء الواجبات. ثم إننا سنسأل أمام الله وأمام التاريخ وأمام المجتمع عن أداء واجباتنا. وربنا يأمرنا في آي القرآن: وَقُلِ اعْمَلُوا، يأمرنا بالعمل: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ(التوبة:106). أعتقد أن أداء الواجبات وأداء التكاليف، أكبر ضمانة للحفاظ على الحقوق، وفي الوقت نفسه مظهر من مظاهر المواطنة. الآن يُتحدث في عالم اليوم عن المواطنة، من هو المواطن؟ المواطن هو الذي يبني وطنه وهو الذي يبني أمته، لذلك أقول وبمنتهى القناعة، لا نستحق العيش في وطن لا نبنيه.

نوزاد صواش:

المجتمع الإسلامي التقليدي -حسب ما يقول فلاسفة الحضارة- هو مجتمع مدني؛ مؤسسات الأوقاف هي التي تفتح المدارس، والمصحات، والمستشفيات، وما إلى ذلك. للأستاذ محمد إقبال تقييم فني حول هذا الموضوع؟

محمد إقبال عروي:

في ثنايا كتابات الأستاذ فتح الله كولن مشروع، لا نقول: “بديل” عن ثنائية الحقوق والواجبات، بل مشروع يحاول أن يعيد الأمور إلى نصابها. بحيث لا تكون هناك ثنائية أصلاً، أحادية مصطلح “الخدمة” هي في جوهرها تتضمن فلسفة الواجبات والحقوق؛ فمثلاً عندما يضحّي مدرس ويهاجر من تركيا إلى أربيل -ولعل هذا لا يُسمى في منطقة الخدمة هجرة، لأننا تعرفنا على أناس هاجروا من أقصى الدنيا إلى أقصاها- فهذا الذي يهاجر من أجل الخدمة، هو في الواقع يؤدي خدمة للآخرين، لكنه في جوهره هو الذي أخذ، هو الذي استحق هذه السعادة، استحق هذا الاحترام، استحق هذا التقدير الذي لمسناه عند الآباء والأمهات وهم يتحدثون عما أنجزته المدارس لأبنائهم، وخاصة في الجانب التربوي القيمي، دون أن ننسى النتائج الإيجابية التي تتحقق على المستوى العلمي والمعرفي والأكاديمي. ونحن عندما زرنا جامعة “إِشِك” (الضياء) لم يكن المسؤولون عن الجامعة ينتظرون منا أن نزور الأقسام المتعلقة بالحقوق أو الدراسات، ذهبوا بنا إلى كلية متخصصة في الطب (طب الأسنان) التي تقدم خدمة لا يمكن لأحد أن ينكرها. فهو عندما يؤدي هذه الخدمة ثم يعود إلى بيته ينام مستقرًّا مرتاح البال مطمئنًّا أنه أدى واجبه، هذا أكبر حق تحلم به البشرية. وما ينتج اليوم، في الكتابات المرتبطة بالسعادة الإنسانية في أوروبا وأمريكا، يؤكد على هذا الجانب، يؤكد على أن الذين يحرصون في حياتهم على أن يأخذوا فقط، نموُّهم النفسي، وحتى علاقتهم الاجتماعية، فيها شيء من عدم التوازن. لكن الذين يحرصون على العطاء، يحققون أكبر درجات من التوازن، وأكبر درجات السعادة، يحققون أكبر درجات من السِّلْم الداخلي ومن التوافق الاجتماعي.

مما أعجبني كثيرًا في الخدمة التنوع في المناشط، فلم تنصرف الجهود إلى مجال معين، بل كانت حاضرة حضور التجربة في جميع المجالات، فكأنها فجرت ينابيع الخير الكامنة في الإنسان.

أما بالعودة إلى قضية الـمَشَاهد؛ فخلال يومين كانت المشاهد من الكثرة والعمق، بحيث نحتاج إلى وسائل تساعدنا على تذكرها. فأي مدرس يتكلم عن تجربته في هجرته أو في تعليم الأولاد، وجدناه يقدِّم فكرة نشر التربية والتعليم على كل الحقوق الأخرى وعلى كل المتطلبات الأخرى. شيء فعلاً يثلج الصدر. ونحن محتاجون إلى أن تنتقل هذه التجربة من أفقها المحلي إلى أفقها الكوني. وأعني بذلك أن نُطلع العالم العربي على ما يجري في هذه البيئات.

مثلاً لدينا في بلادنا نسبة كبيرة من الشباب لا تريد أن تُعيَّن في مناطق نائية بعيدة للتدريس. معظمهم يشكو من أن يقذف به إلى مناطق نائية لا تتوفر فيها أبسط ضروريات الحياة، لكن عندما تُكَوِّنُ إنسانًا يشعر بأن مسألة التربية والتعليم هي السبيل الوحيد لتنمية الإنسان، وتحقيق التقدم والرفاهية والاستقرار، وأنها هي المدخل الوحيد لصياغة الإنسان صياغة راشدة، عندما تبث هذا النوع من القيم، فستكون قادرًا على أن تضمن أن نسبة كبيرة من هذه المشاعر ستتحول، وسيُقبِل الشباب على التسابق والتنافس إلى الذهاب إلى تلك المناطق. نحن لا ننكر المحفزات المادية، لكن يبقى أقوى محفز هو أنك تقوم بدور مقدس، وأنك تؤدي مهمة تربوية مقدسة، وأن من حق أولئك الأبناء الموجودين في مناطق بعيدة أن تصلهم التربية وأن يصلهم التعليم. من أجل ذلك حبذا لو توثق هذه المواقف وهذه الحالات عبر أفلام وثائقية أو تتحول إلى أفلام سينمائية، أنا متأكد أن الذي يمكن أن تقدمه لنا في العالم العربي سيكون في غاية الأهمية.

نوزاد صواش:

فعلاً، لقد تعرفنا على مدرسين هناك، أحدهم قال: إنه بقي تسع سنوات في كازاخستان، وسبع سنوات في الدولة الفلانية، أحدهم يقول: وُلد أحد أبنائي في كامبوديا، والآخر في أفريقيا، والثالث في الشرق الأقصى… يعني هذه نماذج يمكن الحديث عنها بكل سهولة، لكن الواقع ليس بالسهولة عينها.

محمد إقبال عروي:

نعم، حتى إني رددت عفويًّا: نحن الآن بين يدي مفهوم “الإنساني الكوني”، فمن العبث أن تسأله عن جنسيته. فهذا الذي عاش في تركيا وهاجر إلى روسيا وأنجب أبناءه في كازاحستان أو في مناطق أخرى… هذا إنسان كوني.

نوزاد صواش:

أستاذي، ما الذي يدفع هؤلاء لكي يهجروا بلدهم؟ هل هو المحفز المادي؟ لقد سألناهم عن رواتبهم فوجدناها غير محفِّزة لمن يبحث عن المادة على الإطلاق.

محمد إقبال عروي:

صحيح، لقد سألتهم بالتفصيل عن رواتبهم، وهي عادية جدًّا بالمقارنة مع ما عندنا نحن في البيئة العربية، فالأستاذ الجامعي يتقاضى الراتب الذي يتقاضاه عندنا الأستاذ بالسلك الثانوي.

نوزاد صواش:

إذن ما هي الروح التي تدفعهم؟ هم الآن في 160 دولة أو أكثر، وهم من نخبة المجتمع التركي، لم يتخرجوا من مدارس أو جامعات عادية، فأي روح هذه؟ ما الموجود عندهم؟ أو بالأحرى ما الغائب عندنا نحن؟

سعيد بويزري:

قبل أن نجيب على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى ما ورد في كتاب الأستاذ محمد فتح الله كولن تحت عنوان “ونحن نقيم صرح الروح”، تحدث فيه عن ورثة الأرض، إذن قد أجيبك أخي نوزاد بهذه الكلمة فقط “ورثة الأرض”. من له الحق في أن يكون وارثًا للأرض؟ هذا التوريث ليست هبةً تُمنح بلا مسوغ وبلا استحقاق؛ بل تُمنح لمن يستحقها، لمن يملك المؤهلات. فهؤلاء الذين هاجروا؛ تركوا أوطانهم وتركوا بلدانهم وتنقلوا في هذه البقاع مع اختلاف البيئات، واختلاف الثقافات، واختلاف الذهنيات. وبعضهم أو الكثير منهم سافر إلى المجهول، لا يعرف البلد الذي يذهب إليه، ولا اللغة. وكم رجلٍ منهم واجه عقبات حقيقية كبيرة قد تثبطه ويعود ويتراجع… ولكن باختصار شديد فما لا يدرك كله لا يترك جله. أعتقد أن هذه هي المؤهلات التي بها استحقوا هذا المقام. فمن أراد أن يعرف مقامه عند الله فلينظر حيث أقامه. والمؤمن كالغيث أينما حل نفع.

فالمؤهل الأول هو الإيمان، ففي كتابه “ونحن نقيم صرح الروح”، وهو يتحدث عن ورثة الأرض، ذكر الصفة الأولى؛ الإيمان الكامل، الإيمان الكامل وليس الناقص، الإيمان الكامل المتكامل، هذا الإيمان الذي يقترن بالعمل ربنا قال في القرآن: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، إذن هذا هو الشرط الأول، المكون الأول، المؤهل الأول، وهو تحقيق الإيمان الكامل، لذلك استحقوا هذه المنحة وهذا المقام.

والمؤهل الثاني هو الاستعداد للتضحية، فحينما نقرأ سيرة النبي (ص)، نجد أنه قبل أن يأمر غيره بالتضحية كان مضحيًا؛ فغرس قيمة التضحية في قلوب الصحب الكرام.فكل منهم كان يضحي بما يستطيع، وهنا أستحضر كلمة لصاحبه أبي بكر الصديق حينما كان جالسًا مع بعض الصحب الكرام، فقال لهم ما معناه: “أينقص من دين الله وأنا حي؟” هذه عبارة قالها أبو بكر الصديق (ر) وتعني: لا قيمة لحياتي ولا سر لوجودي، إذا لم أستثمر ما أملك في سبيل الله عز وجل وفي تحقيق مقتضيات الاستقرار فوق الأرض. إذن السر هو التضحية، والتضحية هنا تتعلق بالتضحية بالمال، التضحية بالجهد، بالعرق، بالخبرة، بكل ما يملك، بالصبر على الفراق؛ فراق الأهل، وفراق الأوطان، وفراق الأولاد.

المؤهل الثالث الوفاء؛ الوفاء صفة عزيزة، صفة جميلة، أن يكون الإنسان وفيًا لدينه، وفيا للفكرة التي تشربها، يبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيقها.  أما الصفة الرابعة؛ فهي الاستعداد للعطاء، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(الليل:5). إذن القرآن الكريم يتحدث عن العطاء والذي يعطي يُكرّم من الله عز وجل، ويكرم أيضًا من الناس، الذين يقتنعون بأن هذا هو الأنموذج الذي نريد، ويشجعهم على العطاء، حينما نرى أخي نوزاد الناس تعطي، نحن نحب العطاء فنعطي أيضًا، فهكذا تنتشر ثقافة العطاء في الناس. فالنبي (ص) حينما سئل عن أحب الأعمال إلى الله قال: “سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ” (رواه الطبراني). إذن صفة العطاء هذا مقوم ومؤهل كبير.

المقوم الخامس والمقومات كثيرة أكتفي بهذا وهو تحقيق مبدأ أو قيمة التعاون، لأن النجاح أو الإنجاز صناعة جماعية؛ لا يمكن للإنسان أن يبني حضارة، أو يؤسس مدرسة، ولا هيئة إغاثية، ولا جمعية خيرية، أو أي نشاط من النشاطات بمفرده. قال الله عز وجل في القرآن في حق المصطفى (ص): هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ(الأنفال:62)، وقيمة التعاون لاحظناها، الكل يعمل، الكل يجتهد في تحقيق هذا المشهد الحضاري الرائع الجميل في تواضع، أقولها بصراحة -والله على ما أقول شهيد- إن أفراد الخدمة رجالاً ونساء قدموا لنا الأنموذج الذي يجب أن نقتدي به. إذن أزمتنا في هذا المجال، بطون كتب عمَّارة بالأفكار والقيم والتحليلات والنظريات، هذا كثير، لكن ما نريده هو الأنموذج الحاضر شاهد العيان، ويقال لسان الحال أصدق وأقوى تأثيرًا من لسان المقال.

نوزاد صواش:

أو كما يقول الأستاذ فتح الله كولن: “الآذان شبعت والعيون جوعى”. طبعًا هذا الكلام نحن لا نقوله تملقًا لهؤلاء أو مدحًا لهم، ربما لو جلست ومدحتهم سيهربون منك وتحمرّ وجوههم حياء. د.عروي، كيف كسب هؤلاء ثقة الناس في البلدان التي حلوا فيها؟ في النهاية عندما تذهب إلى بلد غير بلدك فأنت دخيل، وبالمناسبة كأن لدينا -نحن المسلمين- عقدة، إذ عندما نرى نجاحًا أو إنجازًا استطاع بعضُنا تحقيقَه، نسارع إلى سوء الظن، نقول: ما دام هناك إنجاز فبالتأكيد وراء هؤلاء جهة ما تدعمهم، فهل لاحظتم –من خلال جولاتكم– شيئًا ما من هذا القبيل؟ يعني هل رأيتم جهات أجنبية؟ قوى عميقة؟ أيادي خفية؟ أسرارًا غامضة؟ تُحرِّض هؤلاء، أو تزودهم بالمال وما إلى ذلك؟ كيف أسسوا الثقة في قلوب الناس أستاذي؟

النجاح أو الإنجاز صناعة جماعية؛ لا يمكن للإنسان أن يبني حضارة، أو يؤسس مدرسة، ولا هيئة إغاثية، ولا جمعية خيرية، أو أي نشاط من النشاطات بمفرده. قال الله:”تعالى هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ” (الأنفال:62)،

محمد إقبال عروي:

سأبدأ ببعض الأفكار ثم ننتقل إلى جو من الصراحة والشفافية. الواقع أن فكر الأستاذ فتح الله كولن وتحققه في هذا الصنف من الشباب والشابات يربكنا، يجعلنا نعيد صياغة المفاهيم، أنا أظن أن هذه الهجرة التي تحدثت عنها وتفضل الأستاذ سعيد بالحديث عنها، توصيفها بالهجرة سيكون تقصيرًا في حقها، لأن من المعاني البسيطة للهجرة أن الإنسان يهاجر ليستفيد نفسيًا، أو أمنيًا، أو ماديًّا، إلى آخره. ونحن الآن في العصر الحديث لدينا نوعان من الهجرة بالنظر إلى أهدافها؛ هجرة تبحث عن الأمن، وهجرة تبحث عن الاستقرار المالي، فهذا “التوصيف للهجرة” لا ينطبق على هؤلاء. وأذكر أن اللقاء الذي جمعنا ببعض رجال الأعمال الأكراد بأربيل -وأعجبتني فيه صراحته-كان يقول نحن شخصيًا -بعض الأكراد- باعتبارات تاريخية، وسياسية، لدينا حساسية تجاه الأتراك،  لكن عندما جاء هؤلاء، وبدأوا ينشرون الثقافة الإنسانية الراقية، ويربون الأبناء على حب الله عز وجل وحب الرسول الله (ص)، وحب الناس، أحببناهم وسلمناهم فلذات أكبادنا. جربناهم واختبرناهم وتأكدنا من أنهم فعلاً هجرتهم إلى هنا، لم تكن لدنيا سيصيبونها أو غنيمة أو ما إلى ذلك، إنما لنشر هذه القيم.

من هنا أقول إن ما يربكك في فكر فتح الله كولن، والإنجازات العملية، هو أنه يفرض عليك أن تغير حتى المفاهيم. ينبغي أن تبحث عن لغة جديدة لكي تصف بها هذه الظاهرة. وأنا عندما أقول هذا الكلام، لا يعنيني أن أكون مبالغًا، الذي يعنيني أن المثقف العربي يسأل نفسه ماذا يمكن أن يفعل، وبماذا يمكن أن يُسْهِم، حتى يزيل فتيل التوتر، وفتيل المشكلات من هذا البلد؟ الذي أظن أن أي عربي، أي مسلم، أي إنسان صادق مع نفسه، يرى في ابنه حُلمًا، وأنتم تتحدثون عن أن الأبناء التلاميذ-كما حدثنا المدرسون -يحصلون على نسب عالية، من حيث تحصيلهم العلمي في الفيزياء والرياضيات، في الكيمياء في كذا وكذا. أي حُلم يحلم به الأب والأم إذا لم يكن هذا؟ وأنا كنت صريحًا مع المدرسين قلت لهم: حتى لا نكون مثاليين حدثونا عن المشكلات التربوية والنفسية التي تواجهكم مع الأبناء مع التلاميذ، وكانوا كذلك صرحاء! قالوا مثلاً عندنا إقبال على مدارسنا يصل إلى درجة أن الناس تتهافت علينا بوسائط من هذا وذاك خلال الفترة الضيقة التي نفتح فيها التسجيلات، لكن لا نقبلهم لأنن عندنا معايير معينة. هؤلاء عندما تسمع أنهم يحصلون على نتائج إيجابية هذا هو حُلم. عندما حدثونا عن المشكلات قالوا: نحن لسنا ملائكة عندنا مشكلات.

لكن دورنا نحن باعتبارنا مربين، هو أن نحتضن هذه المشاكل، وأن نجد لها حلولاً، وأعطونا أرقامًا تقريبية قياسية تجعلك تدعو الباحثين النفسيين والاجتماعيين لإيجاد دراسات، أنا أظن أن هذه المدارس هي مختبرات الآن لإنجاز دراسات وبحوث. قضية غياب التسامح بين الإثنيات في مجتمعات أخرى، أنا أدعو الباحثين والدارسين إلى أن ينجزوا دراسات في هذا الجانب معتمدين مدارس الخدمة كبيئة ميدانية في كل أقطار العالم، وخاصة في المناطق التي فيها توتر إثني. سنلاحظ أن هذه المدارس بإسهاماتها المتميزة، وبقدرتها على نشر ثقافة التسامح، والتعايش، والتفاهم والتقبل، قادرة على أن تقلص حجم القبح الذي ينشأ من جراء ضخ ثقافة الإقصاء، وثقافة التهميش، وثقافة الحقد، وثقافة الكراهية. الذي أريد أن أنتهي إليه في هذا التوصيف الذي قد يبدو مثاليًا أنني كمثقف عربي لا يعنيني أصلًا أن أصف هذا التوصيف المثالي، لكن الذي يعنيني هو أنني عندما أقارن هذه التجربة الرائدة، مع تجارب أخرى بالعالم العربي والإسلامي أتساءل لماذا كان النجاح هنا؟ ولماذا كان الإخفاق هناك؟

نوزاد صواش:

ما الذي يمكن أن نخلص إليه في نهاية هذه الدراسة؟

محمد إقبال عروي:

أنا متأكد أن هناك قواسم مشتركة من مثل التي تفضل الأستاذ بإيرادها قبل قليل، مثل التربية الإيمانية والتضحية، أنا متأكد أن مختلف التوجهات التي انطلقت من الفكرة الإسلامية؛ سواء كانوا من إخوة التبليغ، أو من الإخوة السلفيين، أو من الإخوان المسلمين، أو غيرهم من الجماعات كان لهم نصيب من التركيز على قضية الإيمان والتضحية، لكن المشكلة هي في المخرجات، ما الذي جعل المخرجات تختل هنا؟ وتنجح هناك؟ هذا الذي يعنيني كمثقف عربي. وعندما أبحث أجد أن التكاملية والشمولية وجعل الإنسان محور العملية التربوية والتعليمية، وجعل القلب موضوعًا للفحص والتدقيق والمراقبة والتتبع، بحيث نُخرج منه حظوظ النفس، وحظوظ الكبرياء، والأنانية والفردانية، نُخرج منه حظوظ البحث عن الأخذ دون العطاء، هذا الذي يعنيني، وهو ما يميز هذه التجربة الرائدة.

نوزاد صواش:

أستاذي، بما أنك تشتغل في موضوع الصلح وحل النزاعات في المجتمع الجزائري وفي مجتمعات أخرى، كيف رأيت التجربة سواء في المجال التربوي أو المجالات الأخرى التي تتحرك فيها؟ وما القيم التي رأيتها -لأنك تعرف مداخل الشيطان في مثل هذه النزاعات- هل هناك تدارك؟ هل هناك وضع سدود للشيطان؟ مضادات لفيروسات النزاع؟ ما الذي رأيته في الحراك هنا في هذه المنطقة؟

سعيد بويزري:

اختلاف الناس، وتباينهم في أفكارهم وذهنياتهم وثقافاتهم، قد يكون سببًا لإثارة النزاعات. لو اجتمع اثنان يختلفان في الثقافة، في الذهنيات، في موروثنا الحضاري، ربما في أول حركة أو في أول خطوة سيختلفان. ولكن ما الذي يجمع بين اثنين أو بين العشرة أو المئات، ذكرتَ الآن الأكراد والأتراك، يعني يمكن تحويل هذا الاختلاف إلى قوة، فتتحول إلى روافد، فيصير التنوع؛ اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، اختلاف تكامل وليس اختلاف تصارع، ولكن لا يتحقق ذلك إلا بجملة قيم، لاحظناها موروثة من خلال منهج الخدمة، سواء في المدارس، وفي جميع المؤسسات الإعلامية والمالية والتجارية وغيرها من المؤسسات؛ القيمة الأولى، هي قيمة الأخوة، فالأخوة تربطنا في الله، النبي (ص) يقول: “كلكم لآدام وآدام من تراب” (رواه أبو داود).

نوزاد صواش:

هل ترى أن هناك جهدًا لترسيخ هذه القيمة في مناشط الخدمة؟

سعيد بويزري:

نعم، كذلك زرع مشاعر المحبة؛ بمعنى أن المحبة إذا سكنت القلوب تقلصت دائرة الأوجاع؛ فالأوجاع والآلام تتقلص، لا أقول نبني مجتمعًا ملائكيًّا، لا يمكن، نحن بشر، ولكن بصراحة الحب إذا حضر، إن شاء الله ينتهي الوجع والألم أو يتقلص على الأقل، وكذلك قيمة أخرى وهي قيمة التكامل، كل إنسان يرى في غيره أنه يكمل غيره فلا يُقصيه، بل هو في حاجة إليه، لأنه كما قال أخي محمد إقبال -قبل حين-الإقصاء والتهميش يزرع الأحقاد والضغائن، ويكرس نزاعا لا يمكن أن يعالج بعد ذلك.

نوزاد صواش: هل يمكن أن نعتبر هذه المؤسسات مصانع أو ورش عمل لنقش هذه القيم، والتدريب والتدرب عليها، حتى تتحول إلى طبيعة، إلى فطرة، إلى أخلاق إلى جزء من سلوكيات الإنسان؟ أستاذي لدي سؤال لكن  قبل أن أسأل هل تود أن تضيف شيئًا في هذا السياق؟

محمد إقبال عروي:

نعم، في هذا السياق نفسه، مما يثلج صدري أن بلداننا العربية تطمح إلى تطوير المناهج التربوية، سواء على مستوى فلسفة التعليم، أو على مستوى مناهج التربية، ومناهج تنزيل هذه المقتضيات الفلسفية والرؤيوية. وفي هذا السياق عشنا تجارب متعددة وكنا من حين لآخر نسمع أن هذه نظرية كندية في التربية، وهذه نظرية أمريكية، وهذه نظرية بريطانية. أنا أُقِر من خلال ما لاحظت أن شباب مدارس الخدمة منغمسون في العمل، وانغماسهم في العمل يجعلهم لا يدركون الموقع الذي هم فيه، وأن الذي يدرك الموقع الذي هم فيه هو الذي يوجد خارج هذا الانغماس، ولذلك يقال عندما تريد أن تكون لك رؤية شمولية متكاملة موضوعية، عليك أن تبتعد قليلاً عن الظاهرة. تحتاج إلى مسافة، هذه المسافة تجعلني أقول اليوم: إن المهندسين لهذه الروح التربوية، بهذا العطاء والديداكتيك التربوي، محتاجون اليوم إلى أن يجلسوا مع أنفسهم ليسجلوا هذه الأدبيات بلغتهم التركية، ويدعوا خبراء تربويين من العالم العربي والإسلامي ومن العالم كله، ويجعلوها مناط تحليل، ودراسة، وأخذ وعطاء. بعد ذلك سيصلون إلى أنهم يملكون رؤية تربوية على المستوى الفلسفي، ويملكون إجراءات تربوية على المستوى المنهجي التنزيلي، يمكن أن توضع في مصاف هذه النظريات الكبرى، التي تُصدر الآن إلى العالم العربي، نظريات كندية، وأمريكية، وبريطانية، وإنجليزية وما إلى ذلك. أنا أراهن أنه إذا تحقق هذا العمل يمكن في قادم الأيام أن نسمع عن التجربة التركية في التعليم.

 هناك بعض المجالات تعجز الدولة عن أدائها، فإذا سُمح للمجتمع المدني أن يتحرك في الفضاءات المتاحة في المجتمع، فسيصير هذا المجتمع المدني مكمِّلاً للدولة، وهكذا تتحقق النهضة.

نوزاد صواش:

حسب علمي هناك دراسات أكاديمية ميدانية، خصوصًا في الغرب، ترصد التجربة في مجالاتها المختلفة وتسجلها. هناك شركات إنتاج تلفزيونية تذهب إلى تلك الدول وتصور المدارس، وتجلس مع من ذهبوا إليها وأسسوها؛ يسمعون قصصهم، ويسجلون تجربتهم هناك، وفي السنوات الأخيرة أيضًا، بدأت شركات إنتاج تركية تتنبه إلى قصص هؤلاء الأبطال وتنتج أفلامًا سينمائية، ومؤخرا أُنتج فيلم سينمائي شاهده حوالي مليون شخص في قاعات السنيما التركية، حول تجربة من تجارب الخدمة في بعض البلاد.  رأينا بعض إعلاناته، هذه أفلام سنيمائية تصور بإنتاج عالٍ جدًا، وتأخذ قصص هؤلاء الأبطال وتقدمها برؤية فنية عالية.

محمد إقبال عروي:

نعم، الأمور التي تفضلت أستاذي نوزاد بإيرادها شيء جميل، لكني أتحدث عن شيء أكبر،. فمثلاً عندما أقول فلسفة التربية ومنهج التربية وتنزيلها، أقصد أشياء أخرى، بعيدًا عن التوثيق وعن التصوير والتسجيل؛ أعطيك مثالاً، في بيئاتنا نحن، ليس عندنا شيء اسمه مرشد تربوي نفسي، لا في المدارس الحكومية ولا المدارس الخاصة، أما عندما تأتي إلى مدارس الخدمة وتجد أن في كل فصل مرشدًا تربويًّا نفسيًّا، فهذا تطوير جديد في العملية التربوية والتعليمية. فمعظم المشاكل التي تعاني منها المدرسة العربية ترتبط بما هو نفسي، فالفترات التي يمر بها، والإكراهات النفسية والسلوكية التي تفترس التلاميذ في هذه المرحلة العمرية، تقتضي أن تكون هناك يقظة لرصد هذه المشكلات النفسية وإيجاد حلول لها. فعندما تُوفر في كل فصل مرشدًا تربويًّا نفسيًّا، تكون قد أسهمت في أن يكون الفصل في أكبر درجاته من التفاعل الإيجابي، في أكبر درجاته من الاحترام والتقدير المتبادل بين التلاميذ وبين الأساتذة. ويكفي أن ننفتح على الفيديوهات التي تنتشر في اليوتوبيات، ونرى مدى المعاناة التي صار يعاني منها الأساتذة والمدرسون من جراء غياب هذا النوع، هذا الذي أقصد. ونثنّي بالبيداغوجيات، ونثلّث بالمراقبة التربوية، وأضيف عنصرًا رابعًا بالشروط التي ينبغي أن تتوفر في المُدرس، هذه كلها تجعلنا في الحقيقة أمام نقلة نوعية ترتبط بمنهجية التربية والتعليم. هذا الذي أقصده أنا.

نوزاد صواش:

وكذلك البرامج المتعلقة بعلاقة المدرسة بالأسرة، فالاهتمام بالأسرة شيء أساسي في مدارس الخدمة، لديهم نظام خاص يعرف بأُمِّ الفصل، كل فصل يخصصون له أُمًّا من أمهات الأولاد. يعني نستطيع القول كما قال أحد الباحثين: إن القصة ليس فيها أسرار غامضة؛ هذا النجاح له أسبابه الموضوعية التي يُعزى إليها، أليس كذلك يا دكتور؟

محمد إقبال عروي:

صحيح، نحن تمر علينا أحوال، أحيانًا الأب والأم لا يدري أين تقع المدرسة التي يدرس بها ابنه، أين هو اتجاهها؟ ومن هو مديرها؟ عندنا تَحَسُّس أن يزور الأب والأم المدرسة. فنحن نتحدث عن انقلاب تربوي في العملية التربوية التعليمية، هذا الذي أقصد. فيا ليت مدارس الخدمة تهتم بهذا الجانب.

وهنا آتي إلى ذكر نقطة ثانية تتعلق بنفس الموضوع، التربية الحديثة بصفة عامة كانت تركز على المهارات المعرفية العلمية، التي تجعل التلميذ يتفوق في الرياضيات، وفي الفيزياء، وفي الكيمياء وما إلى ذلك، وهذا هو ديدن المدرسة الحديثة في مختلف مناطق العالم، هناك دراسات تؤكد أن هذا شيء جميل، لكنه ناقص؛ لأنها في آخر المطاف تشغل كما يقال الجزء الأيسر من الدماغ، الذي يُعنى بهذه العمليات المرتبطة بالذهن، والمنطق وما إلى ذلك. لكن ما فعلته مدارس الخدمة في تقديري هو أنها تجاوزت هذا المستوى الذي يكتفي بتشغيل مهارات الجزء الأيسر من الدماغ. في عملية التربية التعليمية ركزت على التزكية، ركزت على القيم، ركزت على الجمال، ركزت على الفنون، ركزت على العلاقات الإنسانية، وهذا كله لا يمكن أن يزدهر إلا في ظل تشغيل الجزء الأيمن من الدماغ، لأن الجزء الأيمن من الدماغ هو الذي يختص بهذه المهارات.

في المحصلة النهائية أنت تقدم منهجًا لا يقدم لك فقط خبرات ترتبط بالمنطق من مواد تؤهلك لكي تنجح في وظيفتك، ولكن يقدم لك مهارات تجعلك تنجح في الحياة. وكما يقول المفكر التربوي والطبيب النفسي البرازيلي “أوجوستو كيري” في كتاب قيم له ترجم إلى اللغة العربية عن طريق أستاذنا الفاضل الدكتور “مصطفى عزوزي”، تحت عنوان “مفاتيح التربية السعيدة”: نحن الآن أمام التحديات والإكراهات والمشكلات التي نشأت مع المدرسة والجامعة في العالم، مشاكل المخدرات، مشاكل العلاقات الجنسية المشبوهة، مشاكل الهروب من المدرسة، الزهد في الدراسة، هذه المشكلات كلها، تؤكد على أن نُـظمنا التعليمية راهنت على أن ينجح الإنسان في الوظيفة، أن يحصل عليها، لكنها فشلت في أن تُكوِّن لنا جيلاً ينجح في الحياة. ومهمة التربية الحديثة هي أن تراهن أولاً على أن ينجح الإنسان، التلميذ، الطالب، في الحياة. ومعنى النجاح في الحياة؛ أن يكون متوازنا نفسيًّا واجتماعيًّا، وتربويًّا، وأن يكون ثمرة من ثمرات التفكير الإيجابي الذي يقوم على العطاء أكثر مما يقوم على الأخذ. ويقوم على التسامح أكثر مما يقوم على الإقصاء، ويقوم على التعاون أكثر مما يقوم على الفردانية والأنانية. إذا نجحت المدرسة في تحقيق هذا، فستكون أولاً قد شغَّلت القسم الأيمن من الدماغ، وتكون فعلاً قد قدمت أنموذجًا للمجتمع قادرًا على أن يسهم في التنمية.

نوزاد صواش:

حسنًا، من الواضح أن مدارس الخدمة تفعّل هذه القيم حيثما حلّت، ليس في تركيا فقط، أو أربيل والعراق فقط، بل في أفريقيا، والشرق الأقصى، في مدارسها في أوروبا، وآسيا الوسطى، في كل مكان. والأستاذ فتح الله كولن نفسه عندما يصف هذه المدارس، يسميها “جزر السلام”. أظن أنه بهذه التسمية يلخص الرؤية كلها. أستاذي، نأتي إلى سؤال أخير نختم به هذا الحوار، هذا السؤال يحيرني أنا كذلك؛ هناك مفكرون كثر جاءوا وذهبوا، نظَّروا وكتبوا، تكلموا، لكن لم يجدوا هذا الإقبال على أفكارهم، لم يجدوا أبطالاً حملوا هذه الأفكار وفعَّلوها، لم يستطيعوا أن يؤثروا على الجماهير لكي تحمل أفكارهم وتُفَعِّلها،  لكن ما سر هذا الإقبال الذي وجدتَه على أفكار الأستاذ كولن؟ أو ما سر تأثير الأستاذ نفسه؟ فكما عبر أحد الباحثين الأكاديميين في أحد كتبه يقول:” الأستاذ كولن ما أن يطلق كلمة أو فكرة فيتلقفها الناس قبل أن تسقط على الأرض فيحولونها إلى مؤسسات”. ما سر تأثير الأستاذ كولن على الناس هكذا؟

نوع الخطاب ونوع القيم التي تبثها مدارس الخدمة، هو الذي يسمح بأن ينشأ جيل جديد قادر على أن يتجاوز الركام التاريخي من المشكلات والمحن والخلل الذي تسلل إلى العقل العربي والعقل المسلم.

سعيد بويزري:

لا شك أنه سؤال قوي وذكي، وبالطبع لا تكفي هذه الإجابة المختصرة، ولكن لا بد أن تكثر الإجابات؛ كل إنسان ينظر بمنظوره، بحثًا عن هذه الأسرار وأعتقد أن السر الأول هو توفيق الله عز وجل، فكل نصر يتحقق، وكل نجاح يُشاهد في دنيا الناس، فالله عز وجل هو الموفق وهو المعين، “وما النصر إلا من عند الله”، ولكن لا بد أن يكون هذا النصر مستحقًا، لا بد من مؤهلات لا بد من مقومات، فالكسول والمتشائم والذي لا يجتهد، والذي لا يعمل، لا يمكن أن يوفق؛ فَقَدْ فَقَدَ شروط استحقاق التوفيق. ولكن باختصار أعتقد بعد هذا العامل الذي ذكرته يأتي العامل الثاني وهو تحويل أو ربط منطق الفكرة بمنطق العمل. وأستاذنا الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله أشار كثيرًا إلى هذا؛ هناك قواسم مشتركة كثيرة بين الأستاذين وكذلك بين أساتذة آخرين، يعملون في الحقول المختلفة في مجال الفكر والعلم ونشر الثقافة والحضارة. أقول هذا سر آخر، ربط منطق الفكرة بمنطق العمل “وقل اعملوا” مباشرة ترجمة الأفكار والقيم إلى عمل.

نوزاد صواش:

عفوًا أستاذي، دائمًا ما كان الأستاذ يدعو إلى تقديم لسان الحال على لسان المقال؛ لسان الحال هو الفعل في النهاية، صحيح هو في بعض كتاباته يتحدث عن هذه العلاقة الطيبة بين الفكر والفعل وكيف يغذي بعضهما، لكن في بعض الأماكن يقول: “في منهجنا الفعلُ يتقدم على الفكر”. فالفعل هو الذي سيولِّد الأفكار.

سعيد بويزري:

نعم، لسان الحال أصدق وأقوى تأثيرًا من لسان المقال. ونأتي إلى مقوم ثالث وهو الصدق، ومن كلمات الأستاذ –فتح الله- الرائعة يقول: “الصدق هو أقوم طريق موصل إلى الحق”، فالصدق أيضًا قيمة مهمة جدًا تبعث تلك الطاقة من قلبه إلى قلوب الناس، فهم يفعلونها ويترجمونها إلى أعمال. ثم نأتي إلى مقوم آخر وهو استثمار الطاقات الكامنة في الإنسان؛ كل إنسان يحمل طاقات، لأن ربي عز وجل وزّع المواهب على الناس، ولكن أين ذلك المفكر الذكي الذي يكتشف تلك الطاقات وبذور الخير التي يحملها الإنسان فيُفَعِّلها، ثم يطلقها؟ يعني إعطاء الحرية للإنسان. نحن لاحظنا شباب وشابات ورجال ونساء الخدمة، يشعرون بهامش كبير من الحرية، والإنسان إذا شعر بأنه حر، “كِرَّ وأنت حُرٌّ” -كما قيل لعنترة بن الشداد- ينطلق وتتفجر فيه الطاقات… أما إذا شعر بالتقييد، والحصار والتهميش، فهذه مشكلة. والسر الخامس يكمن في تحفيز العاملين والعاملات، أن يقول للعامل شكرًا، فتحفيز العاملين والعاملات؛ مقوم كبير، والمقومات كثيرة أختمها بمقوم الصبر؛ لأنه طريق البناء وطريق الإرشاد. وتأسيس المدارس والتعليم ومؤسسات الخير، والحوار، هذا طريق شائك؛ لأنه طريق محفوف بالأشواك والمنعرجات والمخاطر، فحضور الصبر في مسيرة العمل هذا أيضًا سر.

نوزاد صواش:

جزاكم الله خيرًا، نعم الدكتور محمد إقبال.

محمد إقبال عروي:

مثلما قال أستاذنا سعيد، وأنا أعود دائمًا إلى أن التجربة تربكنا في إيجاد المفاهيم والمصطلحات التي نضفيها عليها. وجدت أستاذنا يكرر كلمة المفكر فتح الله كولن، في الواقع أنا أجد نفسي أمام ظاهرة لا يمكن أن يتحقق فيها هذا التوصيف. علينا أن نبحث عن مصطلح آخر لنصف به ظاهرة “فتح الله كولن”. هو أكثر من مفكر، أكثر من داعية، أكثر من صوفي، أكثر من مربي، يعني يمكن أن يجتهد أهل الفكر سواء داخل مدرسة الخدمة أو خارجها من باحثين ومتخصصين ومفكرين في إيجاد التوصيف القريب إلى هذا، في غياب هذا نقول، الأستاذ ظاهرة، الأستاذ وما ينتج عنه من فكر لا يمكن أن يحدد بسبب وحيد. هناك أسباب متعددة، وكل متخصص يمكن أن يرصدها من زاوية تخصصه. لكن من الأمور المهمة بين يدي الحديث عن سر نجاح هذه المدرسة، هو السياق التاريخي والحضاري التي ولدت به تركيا. تركيا كانت أمام خيارين؛ إما أن تنهج الأساليب التي انتهجتها الحركات الإسلامية، والفكر الإسلامي في مناطق أخرى من العالم العربي والإسلامي، وقد رأينا جزءًا من هذه المآلات كيف انتهت إلى خلل، وكيف انتهت إلى مشكلات، كيف أنها لم تحل الأزمات التي تعاني منها الأمة، بل أضافت إليها أزمات أخرى. وإما أن يتم التفكير في طريق ثان. تجربة الأستاذ هو أنه فكَّر بعمق في هذه الطريق الثاني فاهتدى إلى مسألة الخدمة، وجعل ما رتبته التجارب الإسلامية في إطار الوسائل أهدافًا.

نوزاد صواش:

كيف ذلك يا أستاذي؟

محمد إقبال عروي:

إذا اعتبرنا المناط من التجارب أن التربية هي مجرد وسيلة لكي تنشئ لنا هذا الإنسان الذي سينخرط في العمل السياسي، وسينخرط في المشاركة السياسية، وسيحكم وما إلى ذلك؛ تجربة مدارس الخدمة -باعتقادي المتواضع- جعلت التربية هدفًا، يعني ليس وراءه مبتغى آخر، سوى أن يكون هذا الإنسان فعلاً مُربَّى تربية متوازنة، تربية سليمة، فهذا هدف. وسخرت له وسائل، من بين هذه الوسائل، وسائل تربوية، لكن تبقى الغاية في حد ذاتها غاية تربوية. اشتغلت بالجانب الاقتصادي ليس كوسيلة للوصول إلى الحكم، وإنما اشتغلت بالتنمية الاقتصادية كهدف. أفراد الأمة العربية الإسلامية، ومؤسسات الأمة العربية الإسلامية، ينبغي أن تكون في حالة ازدهار، فسخرت له بعض الوسائل التي تنتمي إلى الاقتصاد. وقس على ذلك بقية المجالات.

هذا التمَيُّز في جعل ما يوجد في تجارب أخرى من نتائج جعلته تجربة الخدمة أهدافًا، هذا ينبغي أن يُفكر فيه، وأن يكون مجال بحث ومجال وُرَش، لأنه فعلاً يضعنا أمام جوهر هذا التميز الذي تبحثون عنه في سؤالكم. من أهم ما فعلته مدارس الخدمة هو أنها أقامت قطيعة هادئة مع المناهج الإسلامية التي كان يحكمها عنصر المثالية، وعنصر الطُهرانية، وعنصر الاستعلاء على المجتمع، بعد أن قسمت المجتمع إلى مجتمعين، وبعد ما جعلت هدف المجتمع الأول هو أن يتطهر ثم بعد ذلك يقوم  بفتح المجتمع الآخر. وأن العلاقة التي تقوم بين المجتمعين، لا يمكن أن تكون علاقة السلم، لأن المشروع بمثاليته هو إيجاد بديل. ومقولة البديل الإسلامي هذه مع الأسف خلقت نسيجًا نفسيًا ورطت فيه الكثير من الفعاليات وكثيرًا من الأفكار. فكان الهدف هو أننا سننسخ مجتمعنا ونأتي بمجتمع ثانٍ. هذه الثنائية تكاد تكون ملغاة في فكر الأستاذ. تحدث عن مجتمع واحد، دور أبناء الخدمة هو أن يجعلوا هذا المجتمع أقرب إلى مرضاة الله عز وجل. وتعاملوا مع التربية، ومع التعليم، ومع الإعلام، ومع الاقتصاد كوسائل تقربنا أو إن استطعنا أن نستثمرها في أن يقترب الإنسان من رضى الله عز وجل. وأنه عندما يقول الحمد لله أو عندما يشكر الله لا يشكر الله تحت ضغط الإكراهات، ولا يشكر الله تحت ضغط التقاليد وإنما يشكره تحت الوعي الكامل، بأن هذا الإله الذي أنعم عليه بهذه النعم يستحق أن يُحمد ويستحق أن يُشكر. وهناك أسباب أخرى لعلنا نأتي بها في سياقات مقبلة إن شاء الله تعالى ونتوسع فيها.

نوزاد صواش:

دكتور محمد إقبال ودكتور سعيد بويزري أشكركما شكرًا جزيلاً، على رفقة الدرب وعلى هذا الكلام الطيب. في النهاية كنا مع خبراء يرصدون ظاهرة، يرصدون تجربة، لا تملقًا، أو مجاملة، بل رصدًا وأمانة، نقول هذا ما رأيناه وهذا ما شاهدناه إن كان فيه من خطأ يُقوَّم، وإن كان فيه من جمال فهو ملك الجميع. شكرًا جزيلاً.

المصدر: موقع نسمات

Leave a Reply

Your email address will not be published.