في جميع لغات العالم يُعدّ الماء سرّ الحياة، وإن الكائنات الحية بحاجة إليه من أجل أن تعيش. ولكن هناك حيوانات وطيور يُعتقد أنها لا تشرب، أو لم تُشاهَد وهي تشرب، فهل يعني هذا أنها ليست بحاجة إلى الماء؟ بالطبع لا؛ ذلك لأنها حتمًا تحصل عليه بطرق وأساليب أخرى. وسنتعرّف عبر هذه السطور على آية عظيمة من آيات الله تعالى، التي لا تعد ولا تحصى في هذا الكون، حول كيفية حصول بعض الحيوانات والطيور على احتياجاتها من الماء دون أن تتناوله بالطرق الطبيعية، ومعرفة قدرتها على ضبط مياه أجسامها، وكيف تصبر على الظمأ دون أن يلحق بها أذى أو يصيبها مرض أو علة في أجسادها.
فنون شرب الماء عند القوارض
تعيش القوارض بحجم الجيب في الصحراء على نظام غذائي من بذور الحشائش الجافة وحبوب المسكيت، التي تخبئها في جحور تحت الأرض. ونظرًا لأن الجحور أكثر رطوبة من السطح، فقد تمتص البذور المخزنة ما يصل إلى 30% من الرطوبة أكثر من البذور الموجودة فوق سطح الأرض. لذلك، عندما تأكل القوارض مخزونها من البذور، فإنها تحصل على الماء. ويقابلنا في ذلك فأر الكنغر الذي يعيش في الصحراء؛ ولكي يتجنب جفاف الهواء نهارًا ويقي نفسه فقد الماء، يحمل البذور التي جففها الهواء إلى جحره داخل جيوب مبطنة بالفراء في صفحة الرأس، حيث تمتص البذور الرطبة من التربة داخل الجحر. والعجيب أن جرذان الكنغر قد تمضي حياتها بأكملها دون شرب قطرة واحدة من الماء، إذ تعتمد في المقام الأول على توفير احتياجها من الماء من بذور الحشائش الجافة والبذور التي تحتوي على نسبة عالية من الماء.
الكنغر الأحمر واقتصاد شرب الماء
يُعدّ الكنغر الأحمر أو ما يُعرف بالقنفذ الأحمر، نموذجًا حيوانيًّا فريدًا بين الكائنات الحية، لا يماثله كائن آخر في صبره وقدرته على التكيف البيئي. فهذا الحيوان الصحراوي الذي يعيش في أستراليا، من عجائب قدرة الخالق عز وجل في تطور جهازه البولي؛ ليتلاءم مع ظروف الحياة في الصحراء، فهو لا يشرب الماء إلا في حالات الحرارة القصوى والجفاف المفرط.
الحصول على الماء عن طريق الفرائس
هناك أنواع من الحيوانات تعيش في الصحراء، وتبقى مدة طويلة من دون ماء، مكتفية بما تستهلكه من لحوم فرائسها. ومن أمثلة ذلك ثعلب الكيت الصغير، الذي يعيش في الصحراء الكبرى، ويحصل على الماء عن طريق ضحاياه من الفرائس التي تقع في أشراكه. كذلك الأمر بالنسبة لسنوريات الصحراء الصغيرة، التي من أشهرها نوع يُطلق عليه رامس. فهي تبقى دون حراك بانتظار اقتراب فريستها التي تعتمد عليها اعتمادًا كليًّا في توفير الماء لها. وأيضًا ما يُعرف بسحالي الشيطان الشوكي، وهو نوع من السحالي يعيش في أستراليا، تخصص في أكل النمل الذي يحصل منه على كثير من الماء الذي يحتاجه. ولكن عندما يكون النمل نادرًا، فإن لديه وسيلة بديلة، عبارة عن شبكة من القنوات الصغيرة على جلده الشائك، حيث تلتقط كميات صغيرة من الماء وتوجّه السائل مباشرة إلى فمه.
الظباء وفنون تحمّل العطش
دلّت دراسات الباحثين على أن الظباء وأنواعًا أخرى من الكائنات الحية، تتحدى الظمأ دون أن يصيبها مرض أو يلحق بها هلاك. ومن ذلك “المهاة”، وهي جنس من الظباء ذات قرون حلقية لولبية، وكذلك البقريات. ويقال إن هذه الحيوانات تفوقت إلى حد ما على الإبل تكيفًا ومرونة، فأصبحت لا تحتاج إلى شرب الماء إطلاقًا، إذ تستمد الرطوبة الضرورية لأجسامها من النباتات التي تأكلها وأنواع الكلأ الذي تقتاته. وكذلك المهاة، فهي تستطيع على مسافات بعيدة تحديد الأماكن التي هطل عليها المطر بمجرد استنشاقها الهواء، مما يمكّنها من العيش في مناطق قاحلة لا يستطيع مخلوق آخر العيش فيها.
ومن ناحية أخرى، هناك أيضًا الأيائل، وبخاصة الإيل الأسمر، وهي حيوانات تصبر على الظمأ في ربوع الصحاري، ولا تُصاب بمرض ولا ينتابها وهن أو ضعف. ومن الإيل الأسمر إلى أغنام جبال البورنيوليه، فهي لا تشرب، إذ تحصل على الماء الذي تحتاجه من النباتات التي تأكلها. ولذلك تقوم بتقشير النباتات العصارية وأوراق التين الصغيرة الطرية بعد إزالة أشواكها بحوافرها. أما حيوان الكوالا، هذا الحيوان الأسترالي الشهير، فهو لا يشرب الماء أبدًا، ويعتمد على الماء الموجود في أوراق نبات الأوكاليتوس. كذلك الغزلان الرملية، فهي تعيش في المناخات الجافة ونادرًا ما تشرب المياه العذبة، لكنها تمتلك قدرة فريدة أودعها الخالق عز وجل فيها، إذ تستطيع تقليص حجم الكبد بنسبة تصل إلى 30% من حجمه الطبيعي، كما يمكنها تقليل عدد الميتوكوندريا النشطة وإبطاء التنفس، مما يحافظ على الماء، لأن الرئتين بحاجة إلى البقاء رطبتين للتنفس السلس، وقلة التنفس تعني استهلاكًا أقل للماء.
الضفدع حامل الماء
ومن عجائب القدرة ما نجده في الضفدع من قدرة فائقة على الاحتفاظ بالماء لمدة طويلة، حيث اختصه الخالق عز وجل بهذا النموذج الفريد بين مخلوقاته. فيذكر العلماء المختصون في علوم الحياة أنه خلال فترات الجفاف تفرز الضفادع شرنقة مخاطية لمنع فقدان الماء من الجسم قبل الدخول في السبات. وقد وجد العلماء أنها يمكنها البقاء على قيد الحياة بهذه الطريقة دون ماء لمدة عامين أو أكثر.
فنون اقتصاد الماء في عالم الطيور
وإذا انتقلنا إلى عالم الطيور، تقابلنا أنواع متعددة من الطيور لها مميزات وخصائص فريدة في فنون اقتصاد المياه، نذكر منها:
1- طيور تشرب ماء البحر: ليس في مقدورنا نحن البشر أن نشرب ماء البحر، لكن الأمر مختلف عند بعض الطيور البحرية، التي يأتي على رأسها طائر القطرس، وهو طائر بحري قوي، حيث يشرب القطرس وغيره من الطيور الأنبوبية المنقار، ماء البحر دون أن يسبب له ضررًا. والسر العجيب في ذلك، أن هذا الطائر له قنوات شمية مزودة بغدد خاصة تستخلص من الدم كل ما به من ملح زائد، ثم تحمله مخاط الأنف ويطرحه خارجًا. كما تفعل الأسماك البحرية العظمية الشيء ذاته عن طريق الخلايا المفرزة للملح التي تنتشر على أسطح الخياشيم.
2- طيور مزودة بخزانات لحفظ المياه: ومن عجائب القدرة، هناك طيور من عائلة القطوريات (Sand Grouse)، موطنها أفريقيا وآسيا، لديها ممسحات مدمجة في ريشها، يمكننا أن نطلق عليها خزانات لحفظ الماء. ففي برودة الصباح يطير ذكر طائر الرمل لمسافة تصل إلى 20 ميلاً بحثًا عن الماء، وبعد أن يروي ظمأه تغمس هذه الطيور بطونها في البركة، ويمتص ريش بطنها الماء، ثم يطير الذكور المشبعون بالمياه عائدين إلى عشهم الأرضي، حيث يستخدم فراخهم مناقيرهم لكشط المياه من ريش الأب.
3- طيور الصحراء وتحمل العطش: إن هناك طيورًا كثيرة تعيش في الصحراء، تقاوم الجفاف والعطش، نذكر منها طائر الحر، والبومة القزمة، والحمام الهدّال، وما يطلق عليه الطائر الطيب الذي يعيش في أستراليا.. والجوّاب، وقبرة الصحراء، وقيق الأرض، والدج الأسترالي، والنعامة، وكلها طيور ضربت أروع الأمثلة في حفظ أجسامها حية دون ماء. ولعل الدج الأسترالي من أهم طيور الصحراء التي لا يرهبها العطش أو يستبد بها الظمأ، فهو يستطيع مقاومة الجفاف المفرط، ونادرًا ما يشرب الماء لأنه يحصل عليه من الحشرات التي يأكلها.
أما النعامة التي لا تقوى على الطيران، فهي تعد من أكبر طيور العالم. وهذه النعامة مكيفة تكيفًا كبيرًا مع الحياة الصحراوية، فهي تأخذ الماء الذي تحتاج إليه من النباتات التي تقتات بها، وتختلط بلون رمال الصحراء عندما تكون رابضة على الأرض. وإذا ما تعرضت لخطر في عشها، وهو مجرد تجويف في الأرض قليل العمق، تبسط عنقها الطويل على الرمل فيصعب عندئذ رؤيتها. ولعل هذا الوضع هو ما أوحى بالاعتقاد الخاطئ الشائع، بأن النعامة تدفن رأسها في الأرض كي لا يراها أحد. فسبحان الخالق العظيم وأسراره العجيبة التي أودعها في مخلوقاته.
(*) كاتب وباحث مصري.
المراجع
(١) العطش وأسراره عند بعض الكائنات الحية، منير مصطفى البشعان، مجلة وج، المملكة العربية السعودية، عدد يناير عام 2009م.
(٢) مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية، العدد الصادر بتاريخ 19/ 8/ 2021.
(٣) شرب الماء عند الحيوانات، سلوكيات فريدة، موقع النجاح نت العلمي.
(٤) حيوانات لا تشرب الماء، جريدة النهار اللبنانية، العدد الصادر بتاريخ 11/ 8/ 2024.


