قراءة حضارية في مشروع الدكتور ماجد عرسان الكيلاني
لم يكن سؤال التربية يومًا سؤالاً تقنيًّا محضًا، ولا مسألة إجرائية تُختزل في المناهج وطرائق التدريس، بل ظلّ – في عمقه – سؤالاً حضاريًّا يعكس رؤية الأمة للإنسان، وموقعه في الوجود، ودوره في التاريخ. فالتربية، بوصفها عملية لتشكيل الوعي وبناء الشخصية، تعبّر عن الفلسفة الكامنة خلفها، وتكشف عن القيم التي تسعى الأمة إلى ترسيخه في الفرد والمجتمع. وحين تمرّ المجتمعات بأزمات عميقة في الهوية والغاية، يكون أول ما يتصدّع فيها هو المنظومة التربوية، لأنها المرآة التي تعكس سلامة الرؤية أو اضطرابها.
في هذا السياق، تكتسب الكتابات التي تتناول فلسفة التربية الإسلامية أهميةً خاصة، لا بوصفها تنظيرًا مجردًا، بل باعتبارها محاولةً لإعادة وصل التربية بجذورها العقدية والحضارية. ويأتي كتاب «فلسفة التربية الإسلامية» للدكتور ماجد عرسان الكيلاني في مقدمة هذه المحاولات الجادة التي سعت إلى إعادة بناء السؤال التربوي في إطاره الكلي، وربطه بمشروع النهضة الإسلامية، واستعادة المعنى في حياة الإنسان المسلم.
ويُعدّ الدكتور ماجد عرسان الكيلاني من أبرز المفكرين التربويين المعاصرين الذين انشغلوا بسؤال التربية في بعدها الحضاري، وسعوا إلى تأصيل فلسفة تربوية إسلامية تنطلق من التصور العقدي للكون والإنسان والحياة، وتربط بين بناء الفرد واستعادة الدور الرسالي للأمة. وقد مثّل مشروعه الفكري، ولا سيما كتابه «فلسفة التربية الإسلامية»، محاولةً واعية لتجاوز الطرح التربوي الجزئي، نحو رؤية منهجية شاملة تُعيد للتربية وظيفتها التكوينية والحضارية.
ويهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية سردية لهذا المشروع، تُبرز مرتكزاته الفلسفية، وتستجلي تصوره للإنسان والتربية والحضارة، وتناقش راهنيته في ظل التحديات الفكرية والتربوية المعاصرة.
التربية بوصفها سؤال الحضارة
ينطلق الكيلاني من قناعة مركزية مفادها أن التربية ليست نشاطًا محايدًا، ولا قطاعًا خدميًّا منفصلاً عن السياق العام، بل هي فعل حضاري موجَّه، يتشكّل وفق الرؤية الكلية التي تتبناها الأمة عن الوجود والإنسان والغاية. فكل نظام تربوي يحمل في داخله فلسفةً ضمنية، تحدد ما ينبغي تعليمه، وكيف يُعلَّم، ولماذا يُعلَّم، ومن أي نموذج إنساني ينطلق وإليه ينتهي.
ومن هذا المنظور، يرى الكيلاني أن الأزمة التربوية في العالم الإسلامي ليست أزمة مناهج أو وسائل فحسب، بل هي في جوهرها أزمة فلسفة وتصور. فقد أدّى استيراد النماذج التربوية الغربية الحديثة، دون وعي كافٍ بمقدماتها الفلسفية، إلى فصل التربية عن بعدها القيمي، وتحويلها إلى أداة لإنتاج الكفاءة الوظيفية، لا لبناء الإنسان المتكامل. ونتج عن ذلك إنسان يمتلك قدرًا من المعرفة والمهارة، لكنه يعاني فراغًا معنويًّا واضطرابًا في الغاية، وهو ما ينعكس على السلوك الفردي والبنية الاجتماعية على السواء.
وفي مقابل هذا الواقع، يؤكد الكيلاني أن التربية الإسلامية لا يمكن اختزالها في مواد دينية تُضاف إلى المناهج، بل هي رؤية شاملة تُعيد تعريف وظيفة التعليم، وتربطه بالغاية الوجودية للإنسان، وبالدور الحضاري للأمة.
التصور الإسلامي للوجود وأثره في الفلسفة التربوية
يقوم البناء الفلسفي للتربية الإسلامية، كما يقرره الكيلاني، على التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان. فهذا التصور يتميّز بوحدانية الخالق، وغائية الوجود، وتسخير الكون للإنسان في إطار الاستخلاف والمسؤولية. فالكون ليس مادةً صمّاء ولا مجالاً للعبث، بل هو كتاب مفتوح للسنن الإلهية، والإنسان ليس كائنًا طارئًا، بل مخلوق مكرَّم، مُنح العقل والإرادة، وحُمّل أمانة التكليف.
وينعكس هذا التصور مباشرةً على الفلسفة التربوية، إذ يجعل التربية عمليةً هادفة تسعى إلى توجيه الإنسان نحو غاية واضحة، لا مجرد تكييفه مع الواقع القائم. فالمعرفة في الرؤية الإسلامية ليست قيمةً محايدة، بل أمانة ومسؤولية، والعلم لا ينفصل عن العمل، ولا العقل عن الأخلاق.
ويرى الكيلاني أن غياب هذا التصور الكلي في كثير من الفلسفات التربوية الحديثة جعلها عاجزة عن تقديم إجابات شافية عن أسئلة المعنى والغاية، على الرغم من تفوقها في التنظيم والوسائل التقنية.
غاية التربية بين العبودية والاستخلاف
تتحدد الغاية المركزية للتربية الإسلامية – في مشروع الكيلاني – في تحقيق العبودية لله تعالى، بوصفها الإطار الجامع لكل حركة الإنسان في الفكر والسلوك والعمل. غير أن هذه العبودية لا تُفهم بوصفها انكفاءً روحيًّا أو عزلة عن الواقع، بل هي وعي شامل يحرّر الإنسان من الخضوع لغير الله، ويوجّه طاقاته نحو البناء والعمران.
ومن هنا، يتكامل مفهوم العبودية مع مفهوم الاستخلاف، حيث يصبح الإنسان مطالبًا بعمارة الأرض وفق منهج الله، وبناء الحضارة على أساس القيم، لا على منطق المنفعة المجردة أو الهيمنة. والتربية، في هذا السياق، هي الأداة التي تُعِدّ الإنسان لهذه المهمة، من خلال تنمية عقله، وتزكية نفسه، وتوجيه إرادته.
ويحذّر الكيلاني من اختزال الغاية التربوية في النجاح المهني أو التفوق الاقتصادي، لأن ذلك يُفرغ التربية من بعدها الرسالي، ويحوّل الإنسان إلى وسيلة لا غاية.
الإنسان محور العملية التربوية
يحتل الإنسان موقع القلب في فلسفة التربية الإسلامية، لأنه الغاية التي تتوجّه إليها العملية التربوية، والوسيلة التي تتحقق بها مقاصدها. فالإنسان – في التصور الإسلامي – كائن مركّب، يجمع بين الجسد والروح، والعقل والعاطفة، والحرية والمسؤولية. وأي تربية تتجاهل هذا التركيب المتوازن، أو تطغّي جانبًا على آخر، ستُنتج شخصيةً مختلّة في بنيتها الداخلية.
وينتقد الكيلاني النزعات التربوية التي تتعامل مع الإنسان بوصفه آلة إنتاج أو موضوعًا للتكييف السلوكي، ويؤكد أن التربية الإسلامية تنظر إليه بوصفه كائنًا أخلاقيًّا قبل أن يكون كائنًا اقتصاديًّا. ومن هنا، فإن بناء الضمير، وتنمية الوعي القيمي، وتزكية النفس، تمثّل عناصر جوهرية في العملية التربوية، لا يمكن تعويضها بالتدريب التقني أو التحفيز النفعي وحده.
مصادر التربية ومنهج التفاعل مع الفكر الإنساني
يحدّد الكيلاني مصادر التربية الإسلامية في الوحي أولاً، ممثلاً في القرآن الكريم والسنة النبوية، باعتبارهما المرجعية العليا التي تضبط الغايات والقيم. ثم يأتي التراث الإسلامي بوصفه خبرة تاريخية وتجربة حضارية، تليه الخبرة الإنسانية المعاصرة، في إطار من الضبط المنهجي والقيمي.
ويتميّز طرحه برفض الانغلاق والذوبان معًا، إذ يؤكد أن التفاعل مع الفكر التربوي الغربي ضرورة معرفية، لكن بشرط الوعي بمقدماته الفلسفية، والتمييز بين ما هو إنساني مشترك، وما هو مؤدلج عقديًّا.
التربية وبناء المعنى الحضاري
يربط الكيلاني بين التربية وبناء المعنى في حياة الفرد والمجتمع، ويرى أن فقدان المعنى من أخطر أزمات الإنسان المعاصر. فحين تنفصل التربية عن الغاية الوجودية، يصبح الإنسان أسير اللحظة والمنفعة، فاقدًا للاتجاه، مهما امتلك من أدوات القوة والمعرفة.
والتربية الإسلامية، في هذا السياق، تُعيد ربط الإنسان بالسؤال الكبير عن الغاية، وتمنحه إطارًا قيميًّا يوجّه العلم والعمل والسلوك، ويُعيد للإنسان إنسانيته في عالم شديد التشييء.
أزمة التربية وأزمة الأمة
يخلص الكيلاني إلى أن أزمة الأمة، في جوهرها، أزمة تربية، لأن التربية هي التي تصنع الإنسان، والإنسان هو الذي يصنع التاريخ. وحين تخلّت الأمة عن فلسفتها التربوية الأصيلة، واستبدلتها بنماذج وافدة لا تنسجم مع تصورها العقدي، فقدت قدرتها على الفعل الحضاري، ودخلت في حالة من التبعية الفكرية والثقافية.
خاتمة
يقدّم مشروع ماجد عرسان الكيلاني في فلسفة التربية الإسلامية رؤيةً متكاملة تُعيد للتربية مكانتها بوصفها قلب المشروع الحضاري الإسلامي. وهو مشروع يجمع بين العمق الفلسفي والوعي الواقعي، وبين الأصالة والانفتاح، ويؤكد أن النهضة لا تبدأ من الاقتصاد أو السياسة، بل من بناء الإنسان عبر التربية.
إن إعادة قراءة هذا المشروع، وتفعيله في الواقع التربوي المعاصر، تمثّل خطوةً أساسية في طريق استعادة المعنى، وبناء الإنسان القادر على الشهود الحضاري في عالم متغيّر.
المراجع
-
الكيلاني، ماجد عرسان. فلسفة التربية الإسلامية. دمشق: دار الفكر.
-
الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة.
-
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. درء تعارض العقل والنقل.
-
حبنكة الميداني، عبد الرحمن حسن. الأخلاق الإسلامية وأسسها. دمشق: دار القلم.
-
مالك بن نبي. شروط النهضة. دمشق: دار الفكر.


