البحث العلمي والإنترنت… إلى أين؟

كان الباحث التقليدي – قبل التطورات العلمية والتكنولوجية التي نعيشها اليوم – يبذل جهدًا مضنيًا في سبيل الوصول إلى المعلومة التي يسعى إليها؛ ليضمّنها بحثه. كان يسافر لمسافات طويلة ليحصل على مصدر أو مرجع يجد فيه الفائدة التي تخدم فكرة بحثه حتى يكتمل. وكان شغوفًا بالبحث والمعرفة، حتى وإن أنفق آلاف الدولارات؛ وذلك لقوة إرادته، وصدق عزيمته.

أما الآن فقد تغير الحال؛ إذ يعيش الباحث عصر الإنترنت وسرعة الوصول إلى المعلومة، والتسرع في تسجيلها دون إعمال العقل والفكر في مدى صحتها أو علاقتها بموضوع البحث، وبأقل جهد وأقل كلفة، في ظل الثورة المعلوماتية التي مكّنت الباحث من الوصول إلى المعلومة في وقت قصير، ففقد لذة البحث، وحلاوة التحليل، والنقد، والتفكير، والإبداع.

إن الباحث اليوم يستطيع أن يجوب ميادين العلم كلها في دقائق، بعد أن أصبحت الكرة الأرضية بين يديه كالقرية الصغيرة، بل كالغرفة الصغيرة التي يرى أولها من آخرها وآخرها من أولها في وقت قصير وبسرعة عالية. وذلك بضغطة زر واحدة نعرف ما يدور حولنا في الرياضة والفن والتعليم والثقافة صوتًا وصورة، بشكل لا نجد فيه عناءً أو تعبًا كما كان في الماضي.

كما يجد الباحث من يلبي طلباته ورغباته المادية والمعنوية في شتى مجالات الحياة الإنسانية: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية. ومن جميل ما أتاحته التكنولوجيا الحديثة أن الوصول إلى المعلومة أصبح سهلاً وميسرًا لجميع فئات المجتمع؛ إذ لا فرق بين غني وفقير، فالإنترنت في متناول الجميع وبأقل تكلفة مادية مقارنة بالماضي من حيث التنقل بين المكتبات، وقطع المسافات الطويلة، وبذل الجهد البدني والعقلي، وإنفاق المال للحصول على مصدر أو مرجع يعين الباحث على إتمام بحثه لتعم به الفائدة.

فالباحث الغني في الماضي كالفقير في الحاضر، ولكن ما الفرق إذن بين الباحث التقليدي والمعاصر؟ إنه الفرق في المصداقية، والإصرار على تحقيق الهدف، والصبر على تحمل مشقات البحث العلمي، وبذل الجهد الذهني لتقديم العلم النافع والثقافة الهادفة.

ثمة فرق كبير بين الباحث التقليدي والباحث المعاصر؛ فالباحث التقليدي، مع صعوبة تنقله بين المكتبات، وبذله للنفس والمال، كان يجد لذة في البحث، ومتعة في القراءة، وكان لديه الوقت لينقّب في بطون الكتب والمخطوطات ليقدّم كل جديد يجدد للناس حياتهم، ويبعث فيهم الأمل والتفاؤل.

كما أنه في تنقله من مكتبة إلى أخرى كان يلتقي بالمتخصصين في مجال بحثه، فيجلس معهم، ويتودد إليهم، ويناقشهم حول موضوع بحثه، فتعم الفائدة ويحصل الخير، وكان يجتهد في الحصول على المرجع الورقي، فيحمله فرحًا مسرورًا عندما يسمح له مدير المكتبة باستعارة الكتاب ذي الصلة ببحثه.

وبعد إتمام البحث لا يجد الباحث بدًّا من إيداعه مكتبة الجامعة؛ ليكون مرجعًا لطلاب العلم والباحثين. ولكن هل سيبقى هذا البحث الورقي دون أن يتعرض للتلف أو التمزيق؟

أما الباحث المعاصر فيستمتع بالمصادر والمراجع الإلكترونية؛ فقرص مدمج واحد قد يحمل آلاف الكتب بين يديه، ولكن تزاحم المصادر والمراجع في كل ما له صلة ببحثه وما هو بعيد الصلة يجعله في حاجة إلى من يعينه ويوجهه نحو صلب الموضوع، ويدفعه إلى مزيد من التحصيل، والصبر على طلب العلم من مصادره الأصلية. كأن يذهب إلى أستاذه ليبين له ما أجمل، ويوضح له ما أشكل، حتى وإن وجد بين يديه فيديو وصوتًا وصورة ومحادثة تجعله يجلس في بيته يستمع دون عناء أو تعب.

إن الباحث الجاد يضحي بوقته وجهده وماله؛ لكي يصل إلى المعلومة التي تعم بها الفائدة. فهو يجهد ذهنه، ويعمل عقله وفكره، وهو دائم النقد والتحليل ليقدّم للقارئ كل جديد في عالم الثقافة والمعرفة بعقله المستنير، وصبره، وأمانته العلمية.

الباحث الجاد يقف عند المصادر والمراجع ليكشف عن الحقائق

إن الباحث التقليدي الذي كان يذهب إلى المكتبة ليقف عند المصادر والمراجع والمخطوطات التي تعد زادًا معرفيًّا وثقافيًّا له أثره الطيب في الحياة الإنسانية، ألم تكن مقدمة ابن خلدون ولا تزال مصدر علم ومعرفة ينهل منها طلاب العلم والباحثون في شتى أصقاع المعمورة؟ ولولا العلماء الجادون في تنقيح وتحقيق تلك المخطوطات ما كانت بين أيدينا اليوم.

لقد بذل أولئك العلماء كل غالٍ ونفيس في خدمة العلم والمعرفة لاستخراج تلك الكنوز النفيسة من بطون المخطوطات، والتي لا تزال بحرًا لا ينضب فيه كل مفيد ونافع.

إن الباحث التقليدي يُعرف بالجدية في البحث، وتحصيل المعلومة للوصول إلى الحقائق مهما كلفه ذلك من جهد؛ فالجهد المبذول في تحصيل العلم والمعرفة على قدر الأجر المدفوع. وقد كان الباحثون الأوائل يمتلكون الحوافز المادية والمعنوية في تحصيل العلم وجمعه من مصادره الأصلية، فجاءت أبحاثهم قوية، موضوعية، دقيقة، قائمة على التحليل والنقد وإعمال العقل والفكر.

وهذا بخلاف ما عليه كثير من الباحثين المعاصرين من كثرة الاقتباس، وعدم الإلمام بالموضوع من جميع جوانبه، والتسرع في نقل المعلومة؛ فلو ذهب كل شيء إلى صاحبه لما بقي للباحث شيء يدل على ضعفه العلمي، إذ لم يأتِ بجديد، ولم تكن له بصمة واضحة؛ لاعتماده على غيره في جمع مادته العلمية دون أن يجتهد كما اجتهدوا، فحقّ عليه ألا يجد لذة أو متعة في رحلته البحثية والثقافية.

مخاوف من قلة الباحثين الجادين

نعيش حقيقة مؤلمة، وهي أن الباحثين الجادين أصبحوا قلة؛ فكثير من الباحثين يركنون إلى الراحة، ويسعون إلى إتمام أبحاثهم بالاستعانة بغيرهم من المتخصصين، فيعطي أحدهم بحثه لمن يكتبه له، ويأتي ليأخذ كمًّا لا كيفًا، ومادة بلا روح.

أما الباحث الجاد فسيبقى في الأوساط الثقافية والعلمية مهما توالت الأزمنة والدهور؛ لأنه اتسم بقوة الفكر، وسعة العلم، وصدق العزيمة. والباحث الجاد لا يضيع أجره؛ فله شعبية بين جمهور المثقفين والقراء الذين يعرفون قدره وقيمته، ويبحثون عن أعماله الأدبية والثقافية لينهلوا منها غذاءً روحيًّا ومعرفيًّا له أثره الطيب على حياتهم العلمية والمهنية، أمثال: الرافعي، والعقاد، ونجيب محفوظ، وزكي نجيب محمود، وغيرهم كثير.

إن المخاوف من قلة الباحثين الجادين الذين يقدمون للبشرية غذاءها الروحي والثقافي في ظل التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة جعلت الأمل معقودًا على التوفيق بين سهولة الوصول إلى المعلومة، وبين الصبر على تحصيل العلم والأخذ بالأسباب.

الخلاصة

الباحث التقليدي ليس كالباحث المعاصر في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي الذي نعيشه اليوم؛ فالحاجة إلى خدمات الإنترنت أصبحت من ضروريات الحياة الإنسانية، وقدّم الإنترنت خدمات علمية لا يمكن إنكارها في سهولة الوصول إلى المعلومة، والحصول على المصادر والمراجع المفيدة.

فالباحث المعاصر لا يجد عناءً ولا تعبًا في الوصول إلى المعلومة؛ فبضغطة زر واحدة يكون أمام عينيه وعقله كمّ هائل من المصادر والمراجع العلمية ليختار منها ما يخدم بحثه، لكنه – مع سهولة البحث – فقد لذة المشوار العلمي.

فإن أراد الباحث المعاصر أن ينجح في بحثه، فعليه أن يصبر على طلب العلم، ويثق في نفسه، ويأخذ العلم من مصادره الأصلية، ويتحلّى بالأمانة العلمية عند النقل والاقتباس، ويلتقي بالعلماء والمفكرين والمثقفين في مجال تخصصه ليناقشهم ويتعلم منهم، وألا يركن إلى خدمة الإنترنت وحدها في الاقتباس السهل دون إعمال العقل والفكر؛ ليقدم جديدًا تكون له بصمة علمية تميّزه عن غيره، وألا ينخدع بمن يقول له: سأعدّ لك رسالتك العلمية مقابل مبلغ من المال.