الرزق بين السعي واليقين

الرزق هو مطلق ما ينتفع به الإنسان، سواء أكان حلالاً أم حرامًا، طيبًا أم خبيثًا، وهذا الانتفاع له اتجاهان: انتفاع مادي يستبقي به الإنسان حياته، وانتفاع قيمي (معنوي) يثري به الإنسان حياته (1). وليس المال وحده هو الرزق، بل كل شيء أعطاه الله للإنسان ينتفع به نفسه ويكفي حاجته فهو رزق له؛ فالعافية رزق، والصحة رزق، والحِلم رزق، والبطش رزق، والبخل رزق، والكرم رزق، وما يُتصدَّق به على خلق الله هو رزق، وحُسن الخلق رزق، والزواج رزق، والذرية رزق، والنجاح وحبّ الناس والشهرة رزق، وكل ما في الكون رزق لمن ينتفع به (2). وكل ما لا ينتفع به الإنسان، وإن كان يتملكه، ليس رزقًا له، بل هو رزق غيره (3).

فهذا الذي يملك الملايين من الجنيهات، رزقه منها تلك التي ينفقها كل يوم، أمّا باقي هذه الملايين فليست رزقه، وإن كان قد كسبها، لكنه حارس عليها، حارس أمين ودقيق، حتى يوصلها بالتمام والكمال إلى أصحابها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت». فهذه الأوجه الثلاثة التي حدّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف هي أبواب الرزق بالنسبة للإنسان، وليس للإنسان من ماله سواها، وما يملكه بعد ذلك ليس رزقه ولا ماله، وإنما هو مُكلَّف، دون أن يدري، بمهمة توصيل أقدار الله لبعض خلق الله (4).

فما يكسبه الإنسان ليس هو رزقه فقط، بل ما يكسبه فيه رزقه، ورزق زوجته، ورزق أولاده، ورزق آخرين لا يعلمهم، وكل واحد منهم يصل إليه رزقه تمامًا دون أن ينقص منه شيء (5). والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن الرزق الذي يعطيه لنا فيه نصيب لمن نعول، فقال جل جلاله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾(الإسراء:31)، وفي آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾(الأنعام: 151). وهذا الإخبار من الله لنعلم أن الرزق، وإن كان يأتي عن طريق ربّ الأسرة، إلا أنه لم يكن رزقه وحده، وإنما هو رزق من يعولهم من أسرته، ومن خارج أسرته أيضًا (6).

والرزق دائمًا يعرف مكان صاحبه، ويعرف عنوانه، وكيف يصل إليه، ولا يتوه عنه أبدًا؛ وذلك لأنه مُقدَّر من الله سبحانه وتعالى، وما دام مُقدَّرًا فلا بد أن يصل إلى صاحبه (7). يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا حيلة في الرزق ولا شفاعة في الموت»، أي إنه مهما احتال الإنسان على الرزق، واستخدم مكره وعقله، فلن يحصل إلا على رزقه، ومهما شفع الناس لأي إنسان لكي يطول عمره فلن يطول، ولو ليوم واحد (8).

فهل سألت نفسك: لماذا تشتري من محل بعينه دون آخر؟ ولماذا ترغب في سلعة معيّنة، وتشعر بحاجتك إليها وتقتنيها، بينما لا يفكّر غيرك حتى في مشاهدتها معروضة في المحل؟ ولماذا لا تستطيع عمل كل ما تحتاجه بيدك، وتحتاج إلى خبرة ومعاونة الآخرين؟ ولماذا تثق في صاحب حرفة معيّنة، وترتاح إلى طريقته وأسلوب معاملته لك، وتشكره، بينما لا يرتاح إليه غيرك ولا يوفيه حقه من الشكر؟ ولماذا تتعاطف مع شخص، وتبذل ما في وسعك لمساعدته، بينما لا ينتابك نفس الشعور مع آخر، ولا ينتاب الآخرين شعورك هذا نحو الشخص نفسه؟ ولماذا تقترب من امرأة بعينيها، وتشعر بجمالها، وترغب في الزواج منها، بينما لا تثار عند الآخرين أي جاذبية نحوها، ولا يفعلون مثل ما تفعل؟

والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وأكثر من أن تُحصى، وما لها من إجابة إلا أن الرزق يذهب إلى صاحبه، ويُوزَّع على كل فرد حقه فيه ونصيبه منه كما قُسِم له. وهذا، وكون الرزق يصل إلى صاحبه بالتمام والكمال، لا ينفي السعي وابتغاء الوسيلة لإدراك أسبابه.

وإذا آمن الإنسان بالله واحدًا ورازقًا، فإنه يتعيّن عليه أن يثق في كل ما يخبرنا به سبحانه وتعالى ثقة لا يعتريها شك. فعندما يسمع أو يقرأ قول الحق سبحانه، يقسم بذاته على صدقه في ضمان الرزق لعباده بقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾(الذاريات: 22–23)، فيجب أن يشعر بالأمان في حياته؛ لأن الرازق نفسه هو القائل، وقوله الحق والصدق، ويجب أن ينتزع من نفسه كل هواجسها فيما يتعلّق بالخوف على الرزق.

وإذا آمن الإنسان بذلك فلن تمتد يده إلى الحرام أبدًا؛ لأنه يعرف أنه ما دام هذا رزقه فلا بد أنه آتيه، وما عليه إلا أن يصبر. وإن لم يصبر، واعتراه الخوف مما قد يمرّ به من ضيق، وملأ الفزع قلبه، فإنه يمد يده إلى المال الحرام، والخوف هذا من عمل الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾(آل عمران: 175).

وعلى الرغم من هذا القسم من الله عز وجل، فإن بعض الناس لا يزالون يعتقدون أن رزقهم في يد البشر مثلهم، وأن البشر يملكون الضرّ والنفع، ومع أن أساس هذا الدين ينفي أن يملك إنسان لإنسان نفعًا أو ضرًّا إلا ما شاء الله، يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في محكم التنزيل: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾(يونس: 49) (9).


المراجع

(1) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ص 4.

(2) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ص 46.

(3) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ص 4.

(4) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ص 22–23.

(5) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ص 4.

(6) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ص 58.

(7) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ص 4.

(8) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ص 87.

(9) كتاب الرزق لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، من ص 4 إلى ص 8.