أبو محجن الثقفي الشاعر الفارس

ما أروع أن يكون المرء بطلاً، وما أروع أن تجتمع البطولتان بطولة الجسد وبطولة الإرادة، وما أروع أن تتآلف البطولتان في ظلال دوحة الإيمان بالله، الأولي في ميادين الجهاد الأصغر، جهاد أنصار الشرك والثانية في ميادين الجهاد الأكبر جهاد النفس وأهوائها.

والتقت البطولتان في شخصية الشاعر الفارس أبي محجن الثقفي وكان اللقاء رائعاً حقاً لقاء البطولة القتالية بالبطولة الإيمانية، فكيف كان ذلك؟

أبو محجن في رحاب الإسلام

شاعرنا البطل هو عبد الله بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عنزة بن عوف بن قسي وهو ثقيف، هذا ما يذكره الأصفهاني(1).

وقد اشتهر في وسطه الاجتماعي بكنيته (أبي محجن) بها عرفه الناس في عصره وبها تناقلوا أخباره وأشعاره. أبو محجن شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، ثم إنه ينتسب إلى (ثقيف) تلك القبيلة التي كانت تسكن (الطائف) وليس هذا فحسب وإنما ينتمي إلى الطبقة الارستقراطية في قبيلته وللأرستقراطية القبلية في الجاهلية دلالاتها ومقوماتها إنها تعني –أول ما تعني– الفروسية والبطولة والثراء والكرم والسيادة والقيادة، ويشير أبو محجن إلى ذلك في قوله:

لقد علمت ثقيف غير فخر *** بأنا نحن أكرمهم سيوفاً

وأكثرهم دروعاً سابغات *** وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا

وأنا رفدهم في كل يوم *** فإن جحدوا فسل بهم عريفا (2)

ومعروف أن قبيلة ثقيف لم تتحمس بادئ الأمر للدعوة الإسلامية، بل وقفت ضدها بعناد شديد فها هم سادتها يرفضون نصرة الرسول محمد صلي الله عليه وسلم حين توجه إليهم آملاً في أن يعتنقوا الإسلام ويكونوا جندًا له، وهم لم يكتفوا برفض دعوته تلك وإنما راحوا يغرون به سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به (3)

يبدوا أن ثقيفًا كانت مصرة على موقفها الرافض إلى وقت متأخر فها هي تنضم إلى القبيلة القوية هوازن وذلك في السنة الثامنة للهجرة بعد الفتح فتخوض معركة حنين تحت قيادة مالك بن عوف دفاعاً عن الشرك وعن اللات صنمها المقدس وتتحصن إثر الهزيمة بأسوار الطائف ولا تقبل علي الإسلام إلا في السنة التاسعة للهجرة بعد تردد كبير وتمنع شديد (4)

أما أبو محجن فليس ثمة أخبار تنير لنا الجوانب الغامضة في حياته قبل الإسلام، بما أنه أسلم في السنة التاسعة للهجرة(5) فهذا يعني أنه كان في صف قومه الثقفيين إزاء الدعوة الإسلامية، رفض عندما رفضوا وأسلم عندما أسلموا ولا غرابة في ذلك فالرجل حسبما يذكر ارستقراطي المنبت، ومن البديهي أن يكون ارستقراطي الهوى والرأي والموقف أيضا.

ومهما يكن من أمر فإن أبا محجن قد أسلم ومع إسلامه تتضح لنا ملامح شخصيته، وتتجلي ناصعة مواقفه على الصعيدين الذاتي والاجتماعي.

أبو محجن في دائرة الأزمة

أسلم أبو محجن في النهاية غير أنه كان امرأً مدمنًا على معاقرة الخمر ولم تنغص عليه شريعة اللات في الجاهلية متعة ذلك، فكان له في ظل الشريعة الجاهلية أن يعب الخمرة كيفما شاء وحسبما يشاء.

لكن ها هي ذي الشريعة الإسلامية تسلط سيف التحريم على تناول الخمر وتصنف الخمر في مقدمة الأرجاس التي يجب علي المسلم تجنبها، ثم إن الإسلام يلزم الحاكم المسلم بتنفيذ العقوبة إقامة الحد في كل من يعاقرها.

ههنا يحتدم الصراع الكبير، الصراع بين تقوى الله واتباع الهوى، الصراع بين النفس الأمارة بالسوء، وإنفاذ ما يوجبه شرع الله، الصراع بين الرواسب الجاهلية وضوابط العقيدة الإسلامية، ويبدوا أن أبا محجن عاني كثيراً وهو يخوض هذا الصراع الخطير، ويبدوا أيضاً أن كلفه بالخمر كان يغلبه علي أمره فيبادر إليها ويناولها عللاً بعد نهل ويقيم عليه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد مراراً وهو لا ينتهي وأني له ذلك وهو القائل:

إذا ما مت فادفني جنب كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفني بالفلاة فإنني *** أخاف إذا ما مت ألا أذوقها (6)

بل نجد الصراع ينجلي أحيانًا عن أبي محجن وقد استسلم للخمر كل الاستسلام فهو يعرف بكل تأكيد حكم الإسلام فيها، ويعلم مدى الإثم الذي يرتكبه وأن المجتمع الإسلامي يرفض أن يكون أبناؤه ضعاف النفوس أمام الأهواء والملذات، ويشدد النكير على كل من يجرأ على مباشرة ما حرم الله ولا ريب أنه حاول أن يضرب عنها الذكر صفحاً ويلتزم أوامر الشرع الحنيف لكنه – فيما يبدوا – كان شديد التعلق بها حتى إنه بات يري كل شيء هيناً في سبيل الفوز بها والتلذذ بشربها إنه يقول في ذلك:

ألا سقني يا صاح خمراً فإنني *** بما أنزل الرحمن في الخمر عالم

وجد لي بها صرفاً لأزداد مأثماً *** ففي شربها صرفاً تتم المآثم

هي النار إلا أنني نلت لذة ** وقضيت أوطاري وإن لام لائم (8)

الانقلاب البطولي وانتصار الإيمان

إن رجلاً يحظى بهذه القيم السامية ويتحلى بهذه المثل الرفيعة، ما كان ليرضي بالقعود عن جلائل الأعمال أو يتقاعس عن خوض ميادين الحرب ولذ التحق أبو محجن بالقائد سعد بن أبي وقاص يشارك في الجهاد ويقاتل لإعلاء كلمة الله.

لكن هذا المجاهد الصلب في مقارعة الأعداء كان لا يزال واقعًا في أسر النفس الأمارة بالسوء وتحتدم المعركة بين العرب والمسلمين والفرس في القادسية ويؤتي بأبي محجن وقد شرب الخمر مرة أخري يا للخطأ الكبير، أيواجه جند الإسلام جند الشرك ويتسابق المجاهدون للقتال في سبيل الله، وأبو محجن لا يزال منشغلاً بلذة الخمر؟ ويأمر به القائد سعد إلى القيد ويسجنه في أسفل القصر الذي كان يقيم فيه بعد أن أخذ فيه رأي الخليفة عمر(7).

ومرة أخري تنبثق المأساة في وجدان الشاعر الفارس غير أنها هذه المرة مأساة تسري فيها روعة البطولة مأساة المحروم من الكر والفر وقد آن أوانهما، بلي ها هم أولاء المسلمون يخوضون القتال ضد القوة الفارسية الهائلة يوم (أرماث) من أيام القادسية ولما اشتد القتال في الليل لم تهنأ لأبي محجن نفس ولم يقر به قرار فحبا- وهو يرسف في قيوده – إلى سطح القصر حيث كان القائد سعد يدير المعركة وشرع يعتذر إليه ويستعفيه ويستقيله ويستأذنه في أن يغادر السجن إلى ميدان المعركة حيث العراك والضرب والطعان.

غير أن القائد سعدًا حريص على تنفيذ شرع الله في أبي محجن فيزجره ويأمره بالعودة إلى السجن وكيف لا؟ فأبو محجن لا يزال يعيش في السقوط في درك الهوى وحري به أن يحقق الانتصار على ذاته أولاً ليشارك من بعد في تحقيق الانتصار على جند الشرك.

ولم ير أبو محجن بد من طاعة القائد فنزل حزينًا على أنه لم يقر له بقرار، وكيف له أن يخلد إلى القعود وهو يسمع صيحات الأبطال وصهيل الخيل وصليل السيوف؟ إذاً لابد من الاستمرار في المحاولة وأتي سلمى بنت أبي حفصة زوجة سعد فقال لها هل لك إلى الخير؟ قالت وما ذاك؟ قال تخلين عني وتعيرنني البلقاء (فرس سعد) فلله علي -إن سلمني الله- أن أرجع إلى حضرتك حتي تضعي رجلي في قيدي، فقالت وما أنا وذاك؟

ورجع أبو محجن إلى محبسه وهو يجرجر الأغلال ثانية، عاد وهو يشعر أن الومضة الإلهية التي كان ينتظرها شرعت تتفجر في قرارة ذاته وتنداح على امتداد كيانه وتحدث فيه الانقلاب الكبير فيقول في حزن جليل:

كفي حزناً أن تردي الخيل بالقنا *** وأترك مشدودًا عليَّ وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد وأغلقت *** مصاريع من دوني تصم المناديا

فلله دري يوم أترك موثقاً *** وتذهل عني أسرتي ورجاليا

حبيساً عن الحرب العون وقد بدت *** وإعمال غيري يوم ذاك العواليا

ولله عهد لا أخيس بعهده *** لئن فرجت ألا أزور الحوانيا(8)

وتسمع سلمي إنشاده الحزين ذلك، تسمع تحسره على أن يكون من القاعدين، في وقت يجلجل فيه هدير الأبطال وتسطر فيه ملاحم البطولة، وتسمع ما قطعه من عهد على نفسه أمام الله بأن يتوب فلا يعاقر الخمر ثانية، ويقلع عن تلك العادة المقيتة واطمأنت في قرارة نفسها أنه صادق في توبته تلك وأنه قد حقق الانتصار على السقوط فأشفقت عليه وتوجهت إليه قائلة “إني قد استخرت الله ورضيت بعهدك فأطلقته ورجعت إلى بيتها”.

أما أبو محجن فكم كان فرحه باسترداد حريته عظيمًا وكم كان سعيدًا وقد حانت له الفرصة لأن يكون في موقعه الصحيح، موقع الفارس المجاهد، موقع البطل الذي يرتقي على الذات ويثبت أن البطولة أكبر من أن ترضي بالحضيض.

وسرعان ما اقتاد أبو محجن البلقاء فركبها وانطلق عليها إلى أرض المعركة لا يلوي على شيء حتي إذا كان بحيال الميمنة وأضاء النهار وتصاف الناس ركب ثم حمل علي ميسرة الفرس ولعب بين الصفين برمحه وسيفه بكل براعة وهو يقصف الناس قصفاً منكراً ويبلي في الجند الفارسي بلاء حسناً.

وعجب المسلمون من هذا الفارس المجهول وأخذتهم الدهشة وهم يرون أقدامه وانقضاضه على صفوف الأعداء غير عابئ بالموت، إنهم لم يعرفوه ولا ريب أنه كان قد تلثم وظن بعضهم أنه الخضر عليه السلام جاء يشهد الحرب ويقف إلي جانب المسلمين في هذه المعركة الفاصلة.

أما القائد سعد فإنه بدوره راح يتعجب ويقول وهو مشرف ينظر إلى أبي محجن الطعن طعن أبي محجن والضبر ضبر البلقاء ولولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء(9).

ولم يزل أبو محجن يصول ويجول ويحمل على صفوف الفرس تارة من هنا وأخرى من هناك حتى انتصف الليل وتحاجز أهل العسكريين وأقبل الشاعر الفارس حتى دخل القصر وأعاد رجليه في القيد ويفي بما وعد.

شهامة القائد ونبل البطل

أخبرت سلمى زوجها سعدًا بخبر أبي محجن وعهده لله بأن لا يعود إلى الخمر وإطلاقها إياه من سراحه واندفاعه إلى المعركة ممتطيًّا صهوة البلقاء وعودته إلى المحبس ثانية(10)

إذ أنها ومضة الإيمان وقد فعلت فعلها أوليس الإيمان هو (ما وقر في الصدر وصدقه العمل) كما ورد في الحديث الشريف؟ فها هو ذا قد وقر في صدر أبي محجن أن السقوط لا يليق بالمسلم وكان لابد لهذا الإيمان أن يتجلى على صعيد العمل، فيكون توبة نصوحًا عن الإثم الذي يعصف به، وهكذا كانت إرادة البطولة وهكذا كان الفعل البطولي.

وقد ظل أبو محجن وقافاً عند عهده الذي قطعه على نفسه وراح يؤكد أنه لن يتبع النفس اللجوج هواها ولن تغريه الخمر ثانية وقال يصور ذلك:

أتوب إلي الله الرحيم فإنه *** غفور لذنب المرء مالم يعاود

ولست إلى الصهباء ما عشت عائداً *** ولا تابعاً قول السفيه المعاند

وكيف وقد أعطيت ربي مواثقاً *** أعود لها والله ذو العرش شاهدي(11)

بل إن الخمر التي كانت حبيبة إلى قلبه فيما مضي باتت مذمومة عنده، إنه الإيمان الحقيقي عندما يفعل فعله في النفوس فيرتقي بالإرادة الإنسانية من مهاوي الضعف إلى مراقي القوة ومن حضيض الانحطاط إلى قمم البطولة وها هو ذا يذم الخمر ويصف من يعاقرها بالسفه قائلاً:

يقول الناس اشرب الخمر إنها *** إذا القوم نالوها أصابوا الغنائما

فقلت لهم جهلاً كذبتم ألم تروا *** أخاها سفيهاً بعدما كان حالماً؟ (12)

وقد استطاع أبو محجن مستضيئًا بنور الإيمان أن يطهر ذاته من شوائب الأنانية ويرتفع عن الهوى الوضيع، ويجعل جلال الدعوة الإسلامية غاية لإرادة البطولة فيه فأنطلق شرقاً مع الجيش الإسلامي يساهم في زلزلة عروش الأصنام والطغاة إلى أن وافته المنية بأذربيجان أو بجرجان قرابة سنة ثلاثين للهجرة.

  • الأغاني للأصفهاني، مؤسسة جمال عبد الناصر بيروت 19/1 وانظر الأعلام للزركلي، دار العلم للملايين بيروت 5/76
  • الأغاني للأصفهاني 19/6
  • السيرة النبوية، ابن هشام دار إحياء التراث العربي بيروت 2/61
  • المصدر السابق 4/80، 182 – 186
  • ديوان أبي محجن الثقفي، العسكري، بيروت 1970 ص37
  • الأغاني 19/1
  • المصدر السابق نفسه
  • المصدر السابق 19/11.
  • الأغاني 19/8
  • ديوان أبي محجن ص35-36
  • المصدر السابق ص34- 35
  • الأعلام 5/76