تُشير بعض المعتقدات الصينية القديمة إلى أن الموسيقي نشأت قبل وجود الإنسان على الأرض، فهي أولي مخلوقات الآلهة وإبداعاتها، وربما يكون التقسيم الموضوعي لهذا الاعتقاد هو موسيقي الكون والطبيعة من دوى الرعد وخرير الماء وحفيف أوراق الشجر وتغريد الطيور…

ويري آخرون أن أصل الموسيقي يعود إلى نشأة الإنسان على الأرض عندما حاول الإنسان البدائي أن يستخدم أقدم آلة موسيقية عرفها العالم وهي “حنجرة الإنسان ” عندما حاول أن يُعبّر عن نفسه بأصوات غير مفهومة قبل أن يتعلم النطق بالكلمات، وبهذا تكون الموسيقي أقدم من الكلام.

ولا شك أن أول وأقدم آلة أخرجت الصوت المقصود والأكُفّ كانت أول آلة أخرجت أجزاء الزمن ونقرات الميزان وأنظمته، ومن هاتين الآلتين الإنسانيتين الطبيعيتين تمثّلت الموسيقي بعنصريها الجوهريين، وفيهما استطاع الإنسان أن يخترع بعد ذلك الآلات الموسيقية المختلفة ويطورها. ومن حيث المكان فقد اختلف الباحثون عن أصل الموسيقي هل أصلها في الهند أم الصين أم بابل، بينما يؤكّد آخرون أنها وُلدت في مصر.. والغالبية يرون أنها نشأت في رحم السحر القديم في كهوف السحرة وأكواخ الكُهّان في كل من مصر وبابل وبلاد الفرس على السواء، ومنهم انتقلت إلى اليونان ثم إلى أوروبا.

الموسيقي في الحضارة المصرية القديمة

عثر المؤرخون في نقوش العصور الأولي التي تقدّمت الملك مينا مؤسّس الأُسرة الأولي ( 3400 ق. م) على صور لآلات موسيقية كثيرة، مثل صورة الناي الطويل ذو الثقوب العديدة وهي تُمثّل منظراً للصعيد يعزف فيه ابن آوى بآلة تُنتَج من نبات الغاب، وصورة مصري عازف بالناي الطويل من نقوش ما قبل الأسرة السابعة، وصورة ناي طويل كما وجدت صورة لآلة الصنج أو الجنك أو الهارْب كاملة التكوين بصندوقها وأوتارها العديدة، وحامل الآلة.

كان عند قدماء المصريين آلات موسيقية عديدة، منها آلة ذات جناحين على طرف كل منها تمثال رأس جواد صغير، وكان عندهم آلة عليها تمثال “العنقاء”، وهو طائر خيالي بأجنحة منبسطة يعزفون عليها في أحزانهم وكان عندهم جرس رسمت على سطحه السحب وبعض الرموز السحرية يقرعونه بمطرقة عندما يريدون استدرار الغيث، وعدة شبّابات عليها تمثال ( تنّين ) ينفخون فيها عند تخيلهم أشباحاً مخيفة يريدون طردها، وآلات موسيقية مختلفة عليها صورة نمر يعتقدون أن أصواتها تُلطّف من شراسة الوحوش المفترسة، وفي عهد الملك مينا استُعمل التاج ذو اللونين الأبيض والأحمر  حلية على بعض الآلات الموسيقية.

وفي عهد الأسرة الثامنة عشر رؤى لأول مرة في الفرق الموسيقية الآسيوية الخاصة بأمينوفيس الرابع آلة (الجنك الزاوي) وهو نوع تتّصل الرقبة فيه بالصندوق المصوّت على شكل زاوية قائمة في الغالب وتؤلف هذه الآلة مع أوتارها شكل مثلث، ويكون صندوقه المصوّت في أثناء الاستعمال موازيًّا للعازف والقاعدة أفقية له تثبت فيه الأوتار، وفي عهد الأسرة السادسة والعشرين وهو عهد ملوك (سايس) تري الزاوي حادة، كما زاد عدد الأوتار إلى 22 وتراً، وأوتاد الأوتار مصنوعة من العاج والأبنوس، وواحدة من هذه الآلات موجودة في متحف اللوفر بباريس الآن ويدل الإتقان الدقيق لهذه الآلات أنها قطعت من أسباب التهذيب والتطوّر مراحل عديدة حتى وصلت إلى هذا الحد من الدقة.. وعُثر على آلة ” الجنك ” في أهرام الجيزة صُنعت أوتارها من ليف النخيل وعددها أربعة أو خمسة أوتار.

وفي المتحف المصري بالقاهرة نجد لوحة من الأسرة الخامسة نُقش عليها عازف بالناي ومغني بالجنك وعازف بالمزمار المزدوج في لوحة واحدة، وكان الغناء آنذاك باللغة الهيروغليفية وكان يسمي (حيت أم حرت) ومعناه الموسيقي بواسطة اليد هي أصل التدوين الموسيقي (كتابة النوتة) وما يُلفت النظر في الموسيقي عند قدماء المصريين هو وجود العناصر الثلاثة في الفرقة الموسيقية في المملكة القديمة مما يدل على مدي الاكتمال التي وصلت إليه، بالإضافة إلى دقة الآلات ذاتها، فنجد كل من الآلات الإيقاعية والوترية وآلات النفخ.

الآلات الإيقاعية

وعند قدماء المصريين المصفّقات على اختلاف أشكالها: الأجراس، الجلاجل، الشخاليل، الطبول، والنقّارات.. وكانت تُصنع عادة من الخشب أو الحجر أو العظام أو المعادن لضبط حركات الميزان أو حركات الرقص، أيضاً نجد الصاجات والطبول والدفوف والسستروم.

الآلات الوترية

كان الطنبور المصري القديم أرقاها، والعود ذو الرقبة الطويلة والقصيرة، وكان أشهر أنواعه الطنبور ذو الشراريب، له شراريب مُدلاّة من رقبته، ولكل واحدة منها وتر خاص وكان يُحمل على الصدر.

أيضاً عرفوا آلة الكنارة، هي آلة وترية مصرية مثبتة في إطار خشبي قد يكون غير منتظم الأضلاع، أطلق عليها العرب ” الصنج ذات الأوتار”، وهناك آلة الجنك أو الصنج عرفتها مصر القديمة.

آلات النفخ 

منها الأرغن أو الأرغول والمزمار المزدوج، وأشكال مختلفة من النايات تختلف فيما بينها طولاً وعدد الثقوب والطبقات الصوتية، ومن نقوش الدولة الحديثة في عصر الملك تحتمس الرابع في تل العمارنة وصلتنا آلة النفير وكانت تستعمل لتقديم القرابين وإعطاء الإشارات ومما لا شك فيه أن الموسيقي الفرعونية وآلاتها قد انتقلت إلى سائر الممالك سواء من حيث آلاتها أو من حيث السُلّم الموسيقي ذاته.

الخصوصية التاريخية لآلة الناي

الناي: يُعدّ من عائلة آلات النفخ الموسيقية أو الهوائية، وهي آلة النفخ الوحيدة في التخت الشرقي، وآلات النفخ متعددة، منها ما يُعدّ من فصائل الناي – لكن كل آلات النفخ تجتمع في صفة واحدة – وهي أنها تثقب ثقوباً يُسيّرها الموسيقي برؤوس أنامله عند النفخ فيها ما يحتاج إليه في عمله، وهذه الثقوب غالباً ما يحكمون وضعها بحيث تكون أبراجاً صحيحة.

والناي كلمة فارسية بمعني القصبة، وهي نبتة توجد على مشارف مجاري المياه وفي الأمكنة التي يكثر فيها الماء، وهي نبتة الغاب. وقد ميّز الفُرس بين نوعين من المزامير، الأول هو الصورناي، وهو ناي ذو صوت قوي صارخ وخصّوه باللفظ “مزمار”. والثاني ذو صوت رخو أطلقوا عليه “ناي نارم” وغالبًا هو الناي المعروف لدينا.

وتذكر الدراسات أن آلة الناي من الآلات الهوائية من فصيلة flute وهي عبارة عن أنبوب مجوّف مفتوح الطرفين، يُفتح على وجهه عدة ثقوب تكون بمثابة مواضع النغم وعادة ما يُتخذ من قصب الغاب، ونادرًا من الخشب أو المعدن أو البلاستيك، ويوجد على أحجام مختلفة.

والحقيقة أن في الوقت الحالي يخطئ مَنْ يخلط بين الناي والفلوت المعروف الآن – فالفلوت هي الآلة المماثلة للناي في الموسيقي الغربية، وهي أقرب إلى الناي – فالناي يُصنع من الغاب الرقيق المجوّف بطبيعته، بينما الفلوت يُصنع من الخشب أو الأبنوس أو المعدن، ويمتاز بتكنيك جديد في العزف، علاوة على تدوين آهات الناي، وهي آلة طوّرها الغرب عن آلة الناي الشرقية، فأصبح في الإمكان مع الاستعانة بالنوتة أن يضم الفرقة الواحدة أكثر من عازف أو ثلاثة أو عشرة من عازفي الفلوت، وهذا أمر لا يحدث مع الناي.

ولا يُمنع استخدام آلة الفلوت في اللحن الشرقي، فقد نتجنّب عندئذ بعض إمكانيات الناي المحدودة في إخراج الرُبْع تون أي الدرجة الثالثة والدرجة السابعة للسُلّم الموسيقى الشرقي. وفى كتاب “الكافي في الموسيقى” لأبى المنصور الحسين بن زيله المتوفي سنة 440هـ وصف الناي بأنه المشهور من آلات النفخ، ومواضع النغم فيها على هذا المنوال :

“في الناي سبع ثقوب، الأول من فوق وفي صفّ واحد، وثقبان من أسفل أحدهما في أقصي الناي لا حساب عليه بل هو مفتاح لتقدير أمر الريح، أمّا الثقوب السبعة التي في صفّ واحد فأقصاها وأبعدها من الفم هو: السابع من رأسه فهو مُطلق المثني، والسادس هو سبّابته والخامس بُنصره والرابع خُنصره الذي هو مُطلق الزير، والأول خنصر الزير والثقب القريب من الفم من الثقبين الذين في أسفله فهو نغمة تخرج من الزير أسفل الدساتين، فإن احتاج الزمر إلى نغمة أخري من نغم العود ولم يجدها في الناي عدل إلى ضعفها الموجودة فيه”.

ترجع أهمية هذا النص إلى آلة الناي كانت دائمًا ذات سبعة ثقوب قبل وفاة ابن زيله وليس في العصر العباسي الأول فقط.

تعدّد أسماء الناي

تنوّعت آلة الناي في كل البلدان ولدي كل الشعوب والحضارات حتى أصبحت لها رصيد هائل من الأسماء والألقاب لم تحظ بها أية آلة أخري منها:

شابين، القصبة، الشبّابة، القصّابة، الناي المعروف ذو القصبة الواحدة، الزير، والفحل عند العرب.

المزمار الزلامي، البراعة المثقبة أو الموصول، سيمسن، المزمار المثني، مزمارين مقرونين، المزمار المزواج، الهيرعة، الهنبقة، المنجارة، المعروبة، الكرجة، الناي المنصّف، ناي، ناي سياخ أو ناي قرة، ناي صفر، ناي شاه، ناي جرف، ناي ته ونيم، ناي برم، الناي العراقي، الناي كوجك، الناي سفرجة، الناي التتري، ناي كبلان، سرياني، سراي، سرنا، سور، صورناي، ناي نرم، الناي المزدوج، المستقّ، ناي زنامي، ناي جاور، ناي داوود، ناي بان، المونول.

الناي في العصر البدائي

عَرف الإنسان البدائي عندما أحدثت رياح شديدة فعلها في قصب الغاب فأحدثت صوتاً فحاول تقليده، واستطاع بعد ذلك إحداث ثقوب في القصبة فخرجت منها أصوات مختلفة، ورغم أن أول ما عَرف الإنسان البدائي الآلات الإيقاعية وخاصة الطبول إلا أنه عَرف هذه الآلات كأدوات يستخدمها في الإشارة أو النداء أو الإنذار عنه الحاجة.

إلا أن آلة الناي آنذاك لم تُستخدم لاعتقادهم أنها آلة حيّة يسكن فيها الروح تُخاطب بأسرارها مثلما تُخاطبها، ولذا كان يحظر استخدامها إلا للقادرين على استكشاف أسرارها ويتمتعون بمكانة مقدّسة في الجماعات البدائية، ولم يكونوا قد توصّلوا بعد غلى السُلّم الموسيقي.

الناي في الحضارة الفرعونية

ويرتبط آنذاك ارتباطًا وثيقًا بلحظة اكتشاف السُلّم الموسيقي فتقدّمت الحضارة والمعرفة بعد ذلك.

وأقدم أسطورة تحدّثت عن اكتشاف آلة الناي والسُلّم الموسيقي هي أسطورة الإله بان؛ والتي تحكى في التراث الإغريقي رغم أن الإله بان عرفه المصريون، وهو إله المراعي والقطعان الذي كان يجوب الجبال والوديان منظماً لرقصات حوريات الغاب، مصطحباً معه الناي الرعوي الذي توصل إليه عندما تنهد يوماً عبر قصب على صفة نهر نسمع نفسه يصور نواحاً كلما مر عبرها فقطعها إلى أطوال غير متساوية وربطها معاً، فكان لديه أول آلة موسيقية.

ومن النقوش التي خلّفها القدماء المصريون ما يدل على أنهم قد عرفوا أنواعاً مختلفة من النايات، فيوجد صورة ناي طويل ذو ثقوب عديدة في منظر للصيد، وصورة لابن آوي وهو يعزف على هذه الآلة في مقبرة بأهرامات الجيزة.. كما عُثر على آلة ناي في مقبرة ملكية يرجع إلى 1450 ق.م تحتوي على أربعة ثقوب متساوية المسافات فيما بينهما.. أما أشهر نوعين من النايات عرفهما الفراعنة فهما : الناي الطويل غليظ الصوت ويحتاج إلى قوة نفخ شديدة، والناي القصير الذي يستخدمه العازف وهو جالس على إحدى ركبتيه ممسكاً به مائلاً الفم جهة اليمين أو اليسار إلى أسفل.

ويُقال أن الناي وحيد القصبة قد تم اختراعه على يد الإله أوزوريس وهو يمثل عند المصريين القدماء إله الخصب والنماء، وأنهم قد نسبوا الموسيقي كلها إلى أصل مقدّس وهو الإله إيزيس.

الناي في الحضارة اليونانية

اختلف الكثيرون في ظهور واستخدام الناي عند اليونانيين، فبينما ينسب اليونانيون اكتشاف أول ناي إلى هياجينوس Hayaginus والذي عُرف لديهم بأنه أول عازف على شبّابة (ناي) آنذاك وأطلقوا عليه ناي فريجي، ويرجع إليه اكتشاف ” سُلّم فريجي ” الذي توصّل إليه عن طريق ثقوب القصبة وكان يشتمل في أول الأمر على أربعة أصوات، إلا أن الكثيرين يُرجّحون أن آلة الكنارة (القيثارة) ظلّت عند اليونانيين أحبّ الآلات حتى دخلت مؤثّرات من الجنوب الشرقي وآسيا الصغرى فاستوردوا آلة الأولوس  Aulo  أو المزمار المزدوج، وأصبحت بدورها آلة وطنية، خاصة بعد أن أصبحت الآلة المفضلة للإله ” ديونيزيوس” وجسّدت ما في الروح اليونانية من حيوية.

ورغم أن الموسيقي قد حظيت بمكانة كبيرة عند الكثيرين من فلاسفة اليونان، واهتم بها كل من فيثاغورث وأفلاطون وأرسطو وأصبحت في جمهورية أفلاطون تُمثّل أحد الأركان الأساسية لتربية النشء، إلا أن أفلاطون لم يقلّ موقفه محافظة تجاه المزامير، فقد اعتقد في القوي التي تمارسها الموسيقي على الانفعالات البشرية، وكان ينظر إليها باعتبارها قوي غير مأمونة تماماً كقوة السحر، وكان ينظر إلى المزامير الموسيقية Flute على أنها ذات قدرة خاصة على الغواية.

آلة الناي عند الأشوريين والفُرس

عند الأشوريين كانت آلة الناي تتماثل مع ناي قدماء المصرين شكلاً، وكانت أحبّ الآلات وأشهرها عندهم وأكثر انتشاراً في حفلاتهم وموسيقاهم من أي آلة أخري، وعرفوا المزمار المزدوج الذي يشبه الأرغول المصري.. وانتقلت آلة الناي إلى الفرس فأخذوا يستخدمونها بطريقة أكثر ذيوعاً وتقدماً.

آلة الناي عند العرب :

لم تختلف عنها عند الفرس من حيث الشكل والطول وعدد الثقوب وطريقة العزف، وعُرف باسم القصبة أوالقصيب أو القصّابة أو الشبّابة، ثم شاع استخدام الاسم الفارسي ( الناي) وأصبح أكثر شيوعاً.

ومن أسراره التي عبّر عنها العرب وسرّ استعانة المغنين به أنه ” يستر من حسن الغناء كما يستر من قبحه “، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على تفرّد هذه الآلة وتأثيرها عن سائر الآلات.

وبرع إسحق الموصلي في العزف على جميع الآلات الوترية والإيقاعية وآلات النفخ، و ” مخارق” الذي نال حظوة كبيرة عند الخليفة الأمين، وكان أشهر العازفين على الناي ” زنام “.

وفي أيام صفيّ الدين الأرموي نال الناي مكانة أثيرة عند الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي مؤسّس الطريقة المولوية ( 1207 – 1273هـ) والذي أنشد يوماً:

حكي الناي أنصت لصبّ حىّ في لوعة باح ثم اشتكـــي

لـقـد كنت فرعاً لغـصـن نـضـير صدي رجعه لامس الفــلكا

واستخدم المصريون المحدثون أنواعاً مختلفة من المزامير والنايات، وربما يكون أشهر المزامير لديهم المُسمّى زورنا، وهو المزمار المصري المعروف والذي يستخدم في الولائم والاحتفالات والأكثر شيوعاً عند المصريين بكل أنواعه.

مكانة الناي في الأديان المقدّسة 

ارتبطت الأديان المقدّسة منذ بدايتها بآلة الناي ارتباطاً عجيباً، حتى أننا نجد في التوراة تاريخاً موغلاً في القِدم لهذه الآلة : (وإسم أخيه يوبال الذي كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار) وقد يكون يوبال ابن قابيل أو أحد أحفاده، واقترن بأول قصيدة في التاريخ وكانت مرثية لهابيل، ويُحدّثنا ابن العبري السرياني 1289م أن بنات قايين ( أخت يوبال ) هُنّ اللاتي اخترعن آلات للملاهي زامرت بها، ولهذا سُمّي العرب بعد ذلك ” الأمة المُغنّية باسم قينة”.

وقد يكون أقصي ارتباط بين الناي والأديان المقدّسة قد تحقّق بشكل قد يصل إلى درجة التماثل في ” مزامير داوود ” الذي كان ينشد حكمته بمزماره فيشجي كل من يحيا في الأرض والسماء،  لإمام المغنين على ذوات النفخ :

( مزمور الداوود – لكلماتي اصغ يارب تأمل صراحتي) واحتل الناي مركزاً كبيراً في كل أسفار العهد القديم :

“تكون لكم أغنية كليلة تقديس عيد وفرح قلب كالسائر بالناي ليأتي إلى جبل الرب إلى صخر إسرائيل”.

وظلّت بعد ذلك موسيقى المعابد اليهودية تعتمد إلى حدّ كبير على مزامير داوود، ونقل عنهم المسيحيون بعد ذلك ” ترتيل المزامير ” إلى الصلاة المسيحية، ونقلت بعد ذلك الجموع المسيحية غناء المزامير إلى روما ومنها إلى البلاد الأوربية الأخرى، وما زالت الكنيسة الكاثوليكية تستخدم في تراتيلها هذا النوع من الغناء.

وظهر الناي أو المزمار بعد ظهور الإسلام بوصفه إشكالاً قد يكون أصعب من مشكلة تحريم السماع أم إباحته، والذي يثير الإشكال أن هناك مَنْ قال بإباحة السماع لبعض الآلات مثل الدفّ وتحريم المزمار أو الناي – استناداً إلى بعض الأسانيد فعن عبد الله بن عمر أنه قال: “أن الرسول كان في طريق فسمع زمارة راعِ فوضع إصبعه في أُذنيه ثم عدل عن الطريق”.

أما مدرسة الشافعي فقد أباحت غناء الحداد وحرّمت أنواع الغناء والآلات الموسيقية الأخرى من العود والصنج والمزمار العراقي والرباب لأنها تثير الأحاسيس، ويقول الغزالي بتحريم هذه الآلات أيضاً لأنها أصبحت شعار أهل الشرب والمخنثين، وحلّل الطبل والقضيب والعربال لأن الحجيج يستخدمونها.

ويحكي عن رسول الله صلّي الله عليه وسلّم أنه كان يُشبّه قراءة أبي موسي الأشعري للقرآن بمزمار من مزامير داوود.

إلا أن الناي ظلّ محتفظاً بشعبيته، بل أيضاً خصوصيته وأسراره بل وذاع صيته وانتشر في مهد الأتراك المسلمين – خاصة لدي المتصوفة منهم، وأصبح له خصوصية متميزة لدي الطرق الصوفية خاصة الطريقة المولوية، ولأصبحت الموسيقي طريقاً لتحقيق الاتصال بين الروح والعالم الأسمى.

المراجع

  1. كتاب دراسة الناي بالطريقة العلمية / عبد الحميد مشعل، 1997.
  2. أصول دراسة الناي / محمود عفّت، 1968.
  3. الناي/ رضا بدير، 1982.
  4. الأبعاد الصوتية في آلة الناي / ياسر الشافعي، 1997.
  5. الناي والغمّازات / على الحفني، 1997.
  6. ندوة عن آلة الناي ( الناي بين الحاضر والماضي والمستقبل ) رضا بدير وياسر الشافعي، 1999؟
  7. آلة الناي نشأة الموسيقي وتطورها / رضا بدير، ياسر الشافعي، مكتبة مدبولي، 2004.
  8. الكافي في الموسيقي / أبو منصور الحسين ابن زيله.
  9. موسيقي الممالك القديمة / محمود الحفني.
  10. موسيقي القدماء المصريين /محمود الحفني.
  11. تاريخ الموسيقي العربية / هنري جورج فارمر.
  12. الموسيقي البدائية وموسيقي الحضارات / فتحي عبد الهادي الضناوي.
  13. تاريخ الموسيقي العربية أصولها وتطورها / سمير يحيي الجمّال.