النجاح لا يأتي صدفة؛ وإنما يحتاج إلى التخطيط والاجتهاد، والأخذ بالأسباب التي أمرنا بها، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾(الكهف: 89)، فإذا بدأت عامك الدراسي، فعليك أن تنظم وقتك على حسب المنهج المقرر مذاكرته، كأن تقوم بوضع جدول للمذاكرة اليومية. وطلب العلم وتحصيله يحتاج منك إلى الصبر؛ فالجدول، وضعه وتعليقه على الحائط أو بجوارك، أمر سهل؛ ولكن التنفيذ وبداية العمل والمذاكرة ليسا سهلين؛ فالنفس تميل إلى الراحة، وتمني النجاح والتفوق ليس كلامًا؛ وإنما أفعال، قال الشاعر:
| وما نيل المطالب بالتمني | ولكن تؤخذ الدنيا غلابا |
فالعلم في تحصيله يحتاج إلى الصبر، وقد حدثنا القرآن الكريم عن أهمية الصبر في تحصيل العلم، فهذا نبي الله موسى عليه السلام، فمع علو مكانته ورفعة منزلته، يسافر في طلبه، متحملًا الصعاب والمتاعب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾(الكهف: 60-62).
ولما التقى نبي الله موسى عليه السلام بسيدنا الخضر، بعد عناء السفر، قال في أدب جم وتواضع، قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾(الكهف: 66-69).
فالفرق بين طالب أخذ كتبه وأخذ يتسكع في الشوارع، وطالب علم أخذ كتبه وذهب إلى مدرسته، هو أن الأول لم يصبر، والثاني اتخذ الصبر سلاحًا لتحصيل العلم: «ومن لم يصبر على ذل التعلم، بقي طول عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة».
وإذا جلست للتعلم بين يدي أستاذك، فاجلس في حشمة ووقار، وسكينة وتواضع، متربعًا، ولا تجلس مقعيًا، ولا مادًّا رجليك، أو إحداهما من غير عذر، واتقِ المزاح وكثرة الضحك؛ فإن كثرة الضحك تقلل الهيبة، وتسقط الحشمة.
عليك أن تستحضر النماذج الناجحة في حياتك الدراسية؛ ليكونوا لك قدوة طيبة، فتجتهد كما اجتهدوا، ففي سلفنا الصالح القدوة الطيبة. فزيد بن ثابت كان ذا همة وعزيمة، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم كتاب يهود، فتعلّمه في خمسة عشر يومًا.
وينبغي عليك أن تبذل غاية جهدك في البحث والتحصيل، واكتساب المعارف والخبرات، والتطلع لكل جديد، فالنفس تميل إلى الراحة، فلا تكثر من النوم؛ فكثرتُه تُلحق بالبدن الأمراض والأسقام. وإذا أصابك ملل أو كلل، فعليك بالترفيه عن النفس بشكل منظم، وفي أوقات محددة، بعض الوقت، بنية العودة إلى الدرس والمذاكرة؛ فالترفيه عن النفس بممارسة الألعاب الرياضية يساعد على تجديد نشاط الجسم وتنشيط الدورة الدموية.
وينبغي عليك، كطالب علم، إذا أقبلت على التعلم أن تتطهر من الحدث والخبث، وتنظف ثوبك، وتلبس أحسن ثيابك اللائقة بك بين أهل زمانك؛ فالنظافة تساعد العقل على التركيز وسرعة الفهم. فقد كان مالك إذا جاءه الناس لطلب العلم اغتسل وتطيب، ولبس أحسن الثياب عنده، ثم يجلس على منصة له؛ ليلقي العلم على المستمعين، وكان يقول: «أحب أن أُعَظِّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم يصلي ركعتي استخارة، إن لم يكن وقت كراهة.
وينبغي على طالب العلم أن يطهر قلبه من كل غش، وخديعة، وحقد، وحسد، وسوء خلق؛ فإن فساد العلم بفساد القلب، وصلاحه بصلاحه؛ فالقلب الصحيح الخالي من الحقد والحسد هو القلب المهيأ لاستقبال الأنوار الإلهية؛ فهو الذي يحفظ العلم، ويحمل الفقه.
وأن تختار من الأوقات أنفعها، ومن الأماكن أجودها، فأجود أماكن الحفظ الغرف، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع. وينبغي عليك أن تهيئ لنفسك جوًّا مناسبًا بعيدًا عن الضوضاء، وعن الملهيات، وما يشغل الذهن، ويبدد الوقت، ويرهق النفس، ويهدر الطاقة.
وأهم ما يتنبه له طالب العلم الوقت؛ فلا يفوّت وقتًا دون فائدة، فيغتنم أوقاته في البحث والتحصيل، ولا يركن إلى التسويف، فلا يعطي وقته للناس إسرافًا وبدارًا.
إن كل ساعة تمضي لا بديل لها، ولا عوض عنها؛ ففرِّغ نفسك من كل الشواغل التي تصدك عن التفوق والنجاح، ولا مانع من الابتعاد عن الأهل والعشيرة؛ فقد استحب السلف الصالح البعد عن الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق، وغموض الدقائق. قال الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾(الأحزاب: 4).
وعند الحاجة إلى الطعام والشراب، ينبغي عليك أن تعتدل في طعامك وشرابك. يقول الشافعي: «ما شبعت منذ ست عشرة سنة». والإكثار من الطعام سبب جالب لكثرة الشرب، وكثرة الشرب جالبة للنوم والبلادة، وقصور الفهم، وفتور الحواس، وكسل الجسم؛ فإن أكثر الأمراض يكون من الإسراف في الطعام والشراب.
وكذلك ينبغي أن تقلل من تناول الأطعمة التي تسبب البلادة والنسيان، وقلة الفهم، وضعف الحواس من السمع والبصر، كأكل الكزبرة الرطبة، والتفاح الحامض، وأكل سؤر الفأر.
لا تكثر من تناول المشروبات المنبهة؛ فإن ذلك دافع إلى طول السهر، وطول السهر يصيب الجسم بالعلل والأسقام، وهو يحول بينك وبين فرحتك بالنجاح؛ فالنوم الجيد يقي الجسم من الأمراض، ويحسن الأداء الوظيفي للعقل. ففي الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا؛ فأعطِ كل ذي حق حقه» (أخرجه البخاري).
وإن كنت متزوجًا، فلا مانع من ممارسة العلاقة الحميمة بينك وبين زوجتك باعتدال، دون إسراف، واحذر الإسراف في الجماع حذر العدو؛ فهو يضعف البدن، ويصيب الجسم بالتعب والإرهاق؛ مما يقلل مناعة الجسم، ويجعله عرضة للأمراض.
وعليك بتقوى الله عز وجل في السر والعلن؛ فهي خير معين على تحصيل العلم وحفظه، وامتثل قول الله دائمًا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(البقرة: 282)، وإياك واقتراف الذنوب والمعاصي؛ فإنها تنسي العلم، وتذهب بنور الوجه. قال الشافعي لشيخه وكيع بن الجراح، يشكوه قلة الحفظ:
| شكوت إلى وكيع سوء حفظي | فأرشدني إلى ترك المعاصي |
| وأخبرني بأن العلم نور | ونور الله لا يُهدى لعاصي |
وإذا صعب عليك شيء في فهمه وحفظه، فعليك بالتخطيط والرسومات والألوان؛ فإن ذلك يسهل عليك الفهم، وهو مما يقرب المعاني إلى الأذهان والأفهام، كضرب الأمثال. ومما يلزم أن تتنبه إليه في حياتك الدراسية ألا تكثر من العِشرة، وكثرة الخروج من المنزل؛ فإن كثرة الصحبة تضيع الوقت من غير فائدة؛ لما فيها من الملهيات والشواغل. فإن كان لا بد من المخالطة، فلتكن بقدر الحاجة مع أناس صالحين؛ إن نسيت ذكروك، وإن غفلت نبهّوك، وإن جهلت علموك.
ولكي تنال إعجاب أستاذك، فيعطيك من علمه، لا تقدم رأيك على رأيه، وكن معه كالمريض مع الطبيب، فشاوره، وتحرَّ رضاه، واستمع إليه، وأجلَّه، وارفع من شأنه في حضوره وغيابه؛ فهذا مما يرفع قدرك عند أستاذك، فيبذل غاية جهده أن يعطيك مما عنده. ومما يجب أن تتنبه إليه أيضًا ألا تشغلك الدنيا عن طلب العلم، وعليك أن تتسلح بالقناعة، وكن كما قال الشاعر:
| إذا ما كنت ذا قلب قنوع | فأنت ومالك الدنيا سواء |
وعليك أن تغتنم أوقات نشاطك، وتتخير من الأوقات أحسنها، وما يناسب كل علم؛ فأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.
وينبغي عليك، كطالب علم، إذا مشيت مع أستاذك، أن تكون أمامه بالليل، ووراءه بالنهار، وتكشف له عن الطريق المجهولة؛ حتى يتبين أنها خالية مما يؤذي أستاذك، كوحل أو خوض أو نحو ذلك. كما ينبغي عليك أن تسأل أستاذك في مسألة أشكلت عليك، وأغلق عليك فهمها، واحتاجت إلى مناقشة؛ فلا يمنعك الحياء من سؤاله، بحسن خطاب وأدب؛ فالعلم يضيع بين الكِبر والحياء.
وينبغي على طالب العلم أن يراعي ظروف أستاذه، فيأتيه في أوقات نشاطه، فلا يدخل عليه في ساعة القيلولة والراحة؛ فإن هذا أدعى إلى الضجر والرفض، بل عليك أن تختار أوقات النشاط، فيعطيك دون ملل أو ضجر.
إن النجاح والتفوق الدراسي لا يأتيان صدفة؛ وإنما يحتاجان إلى التخطيط المحكم، والأخذ بالأسباب، وتصحيح النية في طلب العلم، واتخاذ القدوة الطيبة، وبر الوالدين، وتنظيم الوقت، وتقديم الأهم على المهم، وعدم التسويف، واحترام المعلم وتعظيمه، وتقديم رأيه على رأيك، والتواضع له، والتأدب معه، والسعي إلى إرضائه، والقيام على خدمته، وطهارة القلب من الحقد والحسد، والاهتمام بالنظافة الشخصية، والاعتدال في تناول الطعام والشراب، والنوم الجيد، والترفيه عن النفس بممارسة الرياضة، ومناقشة الدرس مع المعلم والزملاء، ومصاحبة الصالحين.
الهوامش:
الأخلاق الزكية في آداب الطالب المرضية: أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل.
الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ).
مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار: أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ).
من هدي السلف في طلب العلم: أبو ياسر محمد بن مطر بن عثمان آل مطر الزهراني.
الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام: محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم.
الأغصان الندية شرح الخلاصة البهية بترتيب أحداث السيرة النبوية.
إحياء علوم الدين: أبو حامد الغزالي (المتوفى: 505هـ).


