الانحيازات العقلية: عندما يخونك تفكيرك

يُفترض أن «صانع القرار العقلاني» يأخذ في الاعتبار، قدر الإمكان، جميع المعلومات المتاحة، واحتمالات الأحداث، والتكاليف والفوائد المحتملة للنتائج الممكنة، وأن يختار الخيار الأمثل. لكن في معظم الحالات، يتخذ الناس قراراتهم بطريقة «حدسية انحيازية» أكثر، مما يخالف – إلى حد كبير – افتراضات نماذج الاختيار الرسمية؛ بسبب ما يُسمى بـ«الانحيازات العقلية أو المعرفية» (Cognitive bias)، والتي تُعرَّف بأنها ميول أو نزعات ممنهجة في التفكير والاستدلال البشري، غالبًا ما تتعارض مع مبادئ المنطق والاستدلال الاحتمالي والعقلانية. بحيث تصبح هذه الميول الحدسية واللاواعية هي أساس الحكم على الأمور واتخاذ القرارات والسلوك الناتج عنهما، مما قد يضلل الشخص.

تلك «الانحيازات» يطبقها الأفراد للتعامل مع محدودية البيانات لديهم، أو محدودية معالجة المعلومات بأدمغتهم، أو نقص الخبرة، وذلك بهدف توفير الوقت والجهد وتجنب الإزعاج. صحيح أنها غالبًا ما تُعزز صورتنا الذاتية أو نظرتنا إلى العالم، لكن للأسف على حساب الدقة والموثوقية، وتلك هي مشكلة الانحيازات، والتي أشار إليها القرآن الكريم في أكثر من موضع، كما سنبين في نهاية المقال.

أقسام الانحيازات العقلية

قسم العلماء «الانحيازات» التي يقع فيها العقل البشري إلى 4 مجموعات، وذلك وفقًا لميل تفكير الشخص إلى شيء ما:

1- انحيازات الميل إلى ربط المعلومات (غير المترابطة) بهدف إيجاد العلاقات والأنماط. ومن الأمثلة على ذلك: الخرافات، وانحياز القصة، وانحياز التمثيل، والتنميط.

2- انحيازات الميل إلى إعطاء الأولوية للمعلومات والخيارات المتوافقة والمتسقة مع توقعاتنا ومعرفتنا وخياراتنا الحالية. ومن الأمثلة على ذلك: انحياز التأكيد، ومغالطة التكلفة الغارقة، وانحياز المعتقد، والتنافر المعرفي، وانحياز الألفة، وانحياز الوضع الراهن، وتبرير النظام.

3- انحيازات الميل إلى الاحتفاظ بمعلومات معينة كان من الأفضل تجاهلها في بعض الأحيان. ومن الأمثلة على ذلك: انحياز الإدراك المتأخر، وانحياز التثبيت، وانحياز النتائج، وانحياز التأطير.

4- انحيازات الميل إلى التركيز على المعلومات المُفعّلة أو السائدة مع إهمال المعلومات ذات الصلة غير المتاحة أو غير المُدركة بشكل مباشر («انحيازات النقطة العمياء»). ومن الأمثلة على ذلك: تحيز التوافر، وتحيز البقاء، والتحيز الأناني، ووهم التركيز، والاستدلال بالأولوية، ونقطة عمياء التحيز.

أمثلة الانحيازات العقلية

ظهر مفهوم التحيز المعرفي منذ سبعينيات القرن الماضي. واليوم، يوجد أكثر من 150 مثالاً مختلفًا للتحيزات المعرفية، منها ما يلي:

– تأثير الهالة (Halo effect)

حيث قد نشكل انطباعًا إيجابيًّا عن شخص لمجرد إعجابنا بصفة واحدة بارزة فيه، كالجمال أو الفصاحة، مع تعميم ذلك الانطباع على بقية صفاته؛ فبالتأكيد هو أمين أيضًا، وبالتأكيد هو ذكي، وإلخ…

فمثلاً، عند إجراء مقابلات مع اثنين من المرشحين لوظيفة شاغرة، قد ترى أن أحد المرشحين أكثر جدارة بسبب مظهره الأنيق والوسيم، حتى وإن لم يكن يمتلك المهارات أو الخبرة اللازمة.

– انحياز التفاؤل المفرط (Overoptimism bias)

من المفيد أن تنظر إلى الحياة بنظرة إيجابية، أليس كذلك؟ في بعض الحالات، قد يكون لديك انحياز تفاؤلي، وهو اعتقاد غير واقعي ومفرط بأن احتمالية فشلك أو تعرضك لسوء الحظ أقل من احتمالية تعرض الآخرين لسوء الحظ.

مثال: قد تتخذ قرارًا تجاريًّا خاطئًا لاعتقادك أن الاستثمار في سهم معين سيضمن لك عائدًا ماليًّا مجزيًا. لكنك لا تبذل العناية الواجبة، ولا تأخذ في الحسبان احتمالية انخفاض أسعار الأسهم، مما قد يؤدي إلى خسارة مالية. إنه التفاؤل المفرط.

– التحيز الخادم للذات (Self-serving bias)

إذا حدث لك أمر جيد – على سبيل المثال، إذا فزت أنت وفريقك بمباراة كرة قدم – فذلك لأنك بذلت جهدًا كبيرًا، فتقوم بنسب الفضل لنفسك في هذه النتيجة المرجوة. أما إذا خسرت المباراة، فغالبًا ما تُلقي باللوم على عوامل خارجية؛ على سبيل المثال، قد تعتقد أن الحكم أخطأ في قراراته.

– التحيز التأكيدي (Confirmation bias)

مثال: زوجة كوَّنت قناعة راسخة بأن زوجها بخيل. لذلك أصبحت تركز على كل موقف يؤيد هذه الفكرة؛ فإذا اعتذر عن شراء شيء غير ضروري قالت: «أرأيتم؟ إنه بخيل». لكنها تتجاهل عشرات المواقف التي أنفق فيها على البيت، أو علاج الأولاد، أو احتياجاتها الأساسية؛ لأنها لا تنسجم مع قناعتها المسبقة.

ومع مرور الوقت، يترسخ هذا الاعتقاد حتى إذا رأت منه خيرًا كثيرًا، أصبح موقف واحد من التقصير يطغى على ذاكرتها، فيكون ذلك من صور كفران العشير الذي أشارت إليه السنة النبوية المطهرة؛ إذ غلبت الأدلة التي تؤيد فكرتها في ذهنها، وأهملت ما يخالفها.

– انحياز النتائج (Result bias)

يُعرف انحياز النتائج بأنه الميل إلى الحكم على فعل أو سلوك ما بناءً على نتيجته، بدلاً من المنطق الكامن وراءه.

مثال: شخص تجاوز الإشارة الحمراء ولم يقع له حادث، فاعتقد أن تصرفه كان صحيحًا، وكرر ذلك مرة أخرى؛ لأنه حكم على فعله من خلال نتيجته، وليس بدرجة خطورته. هذا هو انحياز النتائج.

– انحياز القطيع (Herd bias)

يُعرف انحياز القطيع بأنه الميل إلى تقليد سلوك الآخرين، بدلاً من اتخاذ قرارات مستقلة، باختيار الطريق الأسهل بالانجراف مع التيار دون تحليل أو حذر أو بحث.

مثال: اشترى شخص سلعةً لمجرد أن الجميع يتحدثون عنها ويشترونها، دون أن يعرف شيئًا عن الشركة أو يدرسها، ثم خسر أمواله. السبب أنه اتبع القطيع، بدلاً من اتخاذ قرار مستقل يعتمد على المنطق.

– انحياز النقطة العمياء (Blind-spot bias)

حيث يميل الناس إلى الاعتقاد بأن الآخرين أكثر عُرضة للتحيز منهم.

مثال: يصف شخصٌ غيره بأنه بخيل، لكنه إذا فعل السلوك نفسه قال: «أنا فقط حريص على مالي». بالتالي، هو يرى التحيز في الآخرين، ولا يراه في نفسه.

– انحياز الثقة المفرطة (Overconfidence bias)

هو المبالغة في تقدير الإنسان لقدراته الشخصية، مما قد يؤدي إلى قرارات خاطئة وسلوكيات محفوفة بالمخاطر.

مثال: شخص يقود سيارته بطريقة جنونية، معتمدًا على أنه سائق ماهر تلقى الكثير من التدريبات، مستهينًا بالمخاطر المحتملة، مما يوقعه في حادث.

مشاكل يسببها التحيُّز المعرفي

قد تتسلل التحيزات المعرفية إلى كل قرار نتخذه يوميًّا تقريبًا، مُسببةً مشكلات كثيرة، مثل:

  • تقييد انفتاحنا على المعلومات الجديدة أو المتناقضة: قد نتجاهل دراسة جديدة رائدة لمجرد أنها لا تتوافق مع معتقداتنا الحالية.
  • عدم دقة تذكُّر الأحداث: قد تكون ذاكرتنا المتحيزة هي السبب.
  • زيادة مستويات القلق: التركيز فقط على الجوانب السلبية للحياة قد يجعل كل شيء يبدو أسوأ.
  • توتر العلاقات: الحكم المتسرع على الآخرين بناءً على سمة واحدة قد يؤدي إلى افتراضات غير عادلة وسوء فهم.
  • إعاقة التفكير النقدي المتوازن: وبالتالي ترسيخ المفاهيم الخاطئة أو المعلومات المضللة.

أمثلة التحيز العقلي في القرآن

القرآن الكريم مليء بالآيات والمواقف الدالة على التحيزات العقلية غير العادلة من المنافقين والكفار، نذكر بعضها هنا على سبيل الاستئناس، لا على أن الآية نزلت لشرح هذا المصطلح النفسي الحديث. ومن تلك الأمثلة:

1. تحيز القطيع (Herd Bias)

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾[البقرة: 170]

تكشف الآية عن اتباع البعض للسائد والجماعة، حتى وإن كان ضد الحق والأدلة.

2. تحيز الوضع الراهن (Status Quo Bias)

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾[الزخرف: 23]

هنا تفضيل للوضع القائم لمجرد أنه المعتاد والمألوف والموروث عن آبائهم.

3. التحيز للسُّلطة (Authority Bias)

﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾[الأحزاب: 67]

حيث نجد الطاعة العمياء وقبول الرأي لمكانة قائله.

4. تحيز الثقة المُفرطة (Overconfidence Bias)

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾[فصلت: 15]

حيث تجد المبالغة في الثقة بالنفس والقدرة المالية والعسكرية والعددية.

5. الانحياز الخادم للذات (Self-Serving Bias)

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا… ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾[الزمر: 49]

نسبة النجاح إلى الذات وقدراتها، وإغفال فضل الله.

6. التحيز للتفاؤل المفرط (Optimism Bias)

﴿وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ﴾[فصلت: 50]

توقع الكافر لنتائج إيجابية دون دليل ولا إيمان ولا عمل.

7. تحيز النتائج (Outcome Bias)

﴿عَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾[البقرة: 216]

الحكم على الحدث من خلال النتيجة الظاهرة فقط؛ فرغم ما قد يكون في الحدث من خير، إلا أننا لا نراه إلا شرًّا.

8. التحيز العاطفي (Emotional Bias)

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾[المائدة: 8]

وهو ما يبرز تأثير المشاعر، كالكره، في حكم الإنسان وقراره.

9. التحيز للأنانية (Egocentric Bias)

﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾[آل عمران: 154]

حيث يكون اهتمام الشخص وانشغاله بالكامل منحصرًا في تأمين نفسه وحمايتها، متجاهلاً أي قيم عُليا أو مصالح عامة، فيما يسمى التمحور حول الذات.

10. تأثير الهالة (Halo Effect)

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾[المنافقون: 4]

حيث قد نشكل انطباعًا إيجابيًّا عن شخص بناءً على إعجابنا بفصاحته أو مظهره، دون النظر إلى حقيقة الشخص ومعدنه.

هذه الروابط تصلح لتوضيح أن القرآن الكريم وجَّه الإنسان إلى التحرر من «الانحيازات العقلية المضللة» التي تعوق الوصول إلى الحق والعدل، وإن كانت المصطلحات النفسية حديثة.

نصائح للتغلب على التحيزات العقلية

بما أن التحيزات العقلية قد تخدعك وتقودك إلى أحكام خاطئة وقرارات غير صائبة، فيجب أن تعرف كيف تتغلب عليها لتجنب الوقوع في شباكها المضللة. إليك خمس استراتيجيات لمكافحة التحيزات المعرفية:

1. التدريب المعرفي: تشير الأبحاث إلى أن التدريب والتثقيف حول التحيزات العقلية يُساعدان في تقليل اتباعها والوقوع في شباكها. على سبيل المثال، وجدت دراسة أن المشاركين الذين تلقوا تدريبًا حول التحيزات وكيفية تأثيرها على القرارات قد انخفض لديهم «التفكير المتحيز» بنسبة 29٪.

2. التأمل في المؤثرات: فكِّر في عوامل مثل «الثقة المفرطة» أو «المصلحة الذاتية» التي قد تؤثر على قراراتك. القليل من الوعي الذاتي يُحدث فرقًا كبيرًا.

3. تحدَّ تحيزاتك: بمعنى أن تشكك في افتراضاتك، وتبحث عن أبعاد قد تكون ناسيًا لها أو غافلاً عنها. لذا اسأل نفسك دائمًا: «ما الذي أغفله هنا؟»

4. البحث عن وجهات نظر متنوعة: تواصل مع أشخاص من خلفيات ووجهات نظر مختلفة. هذا يُثري معرفتك ويُساعدك على توسيع آفاقك.

5. التأمل في القرارات السابقة: تعلَّم من أخطائك ونجاحاتك السابقة، حتى يكون لك ضوء ينير لك الطريق.

خاتمة

تؤثر الانحيازات العقلية أو المعرفية (Cognitive bias) على كيفية اتخاذك للقرارات وحكمك على الأمور، وقد تؤدي إلى صعوبات ومشكلات في حياتك المهنية والشخصية. ولكن مع الممارسة، يمكنك تحسين قدرتك على إدراك متى قد تكون لديك انحيازات عقلية، وكيفية تغيير نظرتك إلى الموقف. لكن من المهم أن ندرك ونتقبل أننا جميعًا نستخدم الانحيازات العقلية في وقتٍ ما.


المصادر

Cleveland Clinic – Cognitive Bias

ResearchGate – Cognitive Biases

Psychology Today – Cognitive Biases and Bad Decisions

Investopedia – Outcome Bias

Psychology Today – Cognitive Bias and Critical Thinking

NaviMinds – Cognitive Bias