الحديث مع الذات.. بين العلم والقرآن

حظيت فكرة “الحديث مع الذات” بجزء أساسي من علم النفس البشري بتأييد نخبة من الفلاسفة. ووفقًا لـ”فيجوتسكي”، فإن الحديث مع الذات يُعد جزءًا لا يتجزأ من تطوّر الوظائف العقلية العليا.

الكثير من الناس يدرك وجود صوت داخلي يُجري حوارًا مستمرًّا حول حياتهم وأحداثها طوال اليوم. هذا الصوت الداخلي أو الحديث مع الذات، الذي يجمع بين الأفكار الواعية والمعتقدات والتحيزات اللاواعية، يُتيح للدماغ تفسير التجارب اليومية ومعالجتها. ويمكن أن يكون الحديث مع الذات مفيدًا عندما يكون إيجابيًّا، إذ يهدّئ المخاوف ويعزز الثقة، ولكن -ولسوء الحظ- تميل الطبيعة البشرية غالبًا إلى الحديث السلبي مع الذات.

أنواع الحديث مع الذات

اقترح “هاردي” تصنيف الحديث مع الذات وفقًا لعدة عوامل، منها الوظيفة والقيمة.

أ- فيما يتعلق بالوظيفة: وُصِف الحديث مع الذات بأنه ذو وظائف تعليمية وتحفيزية، ويؤثر في التركيز، والثقة، وتنظيم الجهد، والتحكم المعرفي والعاطفي، والتنفيذ التلقائي، كما يوجّه نحو تحقيق الأهداف.

بـ- فيما يتعلق بالقيمة: يُصنّف الحديث مع الذات عادةً إلى إيجابي وسلبي.

يتكون الحديث الإيجابي مع الذات من عبارات يقولها الشخص لنفسه تتسم بالتشجيع والإيجابية، مثل “إن معي ربي”.

أما الحديث السلبي مع الذات فيتضمن عبارات سلبية، أو تلك التي تعكس الغضب أو الإحباط أو اليأس، مثل “أنا فاشل”.

القرآن والحديث مع الذات

إن التأمل في القرآن الكريم، يكشف لنا عن دقة بالغة في وصف ما يدور داخل “النظام الإدراكي” في دماغ الإنسان، فيما يُسمى حاليًّا بـ”حديث الذات” (Self-Talk)، باعتباره المحرك الأول للسلوك وسلامة النفس. وفيما يلي تحليل للآيات التي تناولت ذلك، وتصنيف لأنواعه:

1- حديث الذات الوسواسي (الإيجابي والسلبي): قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)(ق:16)، وتُعد هذه الآية قمة في الدقة في وصف “المونولوج الداخلي”؛ فكلمة “توسوس” تعني الصوت الخفي أو الهمس في حديث الإنسان مع نفسه، وهي تشمل مختلف أحوال ما يجول في العقل من تقديرات متعددة، إيجابية وسلبية.

2- حديث الذات الإيجابي (حسن الظن): قال تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا)(النور:12)، والآية هنا لا تتحدث عن الظن بالآخرين فقط، بل قالت “بأنفسهم”. وهذا يشير إلى وحدة النسيج النفسي. فالمؤمن السوي يمتلك حديثًا داخليًّا إيجابيًّا مع ذاته، بحيث إذا سمع سوءًا عنها، يرفضه عقله تلقائيًّا، لأنه لا يتناسب مع صورته الذهنية الإيجابية عن نفسه وعن مجتمعه.

3- حديث الذات السلبي (سوء الظن) والتدمير الذاتي: قال تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)(الحجرات:12)، عبارة “بعض الظن إثم” لا تقتصر على اتهام الآخرين بالباطل، بل تشمل أيضًا الظنون السوداوية تجاه النفس أو القدر. فالحديث الداخلي القائم على توقع الفشل أو استحقاق العقوبة، هو “ظن آثم”، لأنه يورث القنوط ويحبس طاقة الإنسان.

وكذلك ذُكر الحديث السلبي مع الذات في قوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)(يوسف:53)، وفي قوله تعالى: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ)(النور:11).

ما هو الحديث الإيجابي مع الذات؟

يتضمن الحديث الإيجابي مع الذات، استخدام لغة مشجعة ومؤكدة مع النفس، مما يعزز الثقة بالنفس ويحسن الصحة النفسية.

وتشير الأبحاث إلى أن الحديث الإيجابي مع الذات مهم لعدد كبير من الأسباب، منها:

  • المساعدة في التغلب على الاضطراب، الذي يشوّه صورة الجسم، وتحسين الأداء الرياضي، والتخفيف من القلق والاكتئاب، وصولاً إلى تعزيز التعلم.
  • المساعدة في تخفيف التوتر: أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يميلون إلى التفكير بتفاؤل، يميلون أيضًا إلى الحديث الإيجابي مع الذات، ويستخدمون إستراتيجيات تكيف أكثر فعالية عند مواجهة المواقف والتحديات الضاغطة.
  • تعزيز الثقة بالنفس والمرونة: إن تبنّي نهج إيجابي في الحديث مع الذات، يُسهم في تعزيز الثقة بالنفس. فالأفراد الذين يتمتعون بمستويات عالية من الثقة بالنفس، هم أكثر قدرة على تحقيق أهدافهم والحصول على درجات جيدة، والتعافي السريع من العمليات الجراحية.

إستراتيجيات الحديث الإيجابي مع الذات

قبل البدء في استخدام الحديث الإيجابي مع الذات، ينبغي أولاً تحديد مدى تكرار ونوع التفكير السلبي أو الحديث السلبي مع الذات الذي تمارسه. وبمجرد فهم ذلك، يمكن البدء في إعادة تدريب الأفكار. ومن الإستراتيجيات التي يمكن استخدامها لتحقيق ذلك، ما يلي:

أ- تحديد مصدر الحديث الذاتي السلبي: قد تدفعنا بعض المواقف إلى الانغماس في حديث ذاتي سلبي، أكثر من غيرها. على سبيل المثال، قد يجد الشخص الانطوائي، أن الحديث الذاتي السلبي، يظهر لديه عند حضوره مناسبات اجتماعية أو فعاليات للتواصل المهني. إن تحديد هذه المحفزات يمكن أن يساعد على الاستعداد بشكل أفضل لمعالجة الحديث السلبي وتحويله إلى حديث إيجابي.

ب- استخدام التوكيدات الإيجابية: تُعد التوكيدات الإيجابية، وسيلة فعالة لتغيير حديثنا الداخلي السلبي. قبل حدوث أي موقف قد يثير هذا الحديث، يمكن التدرب على ترديد التوكيدات الإيجابية أمام المرآة لتعزيز النظرة الإيجابية للذات. كما تُعد الإشارات البصرية وسيلة ممتازة للتذكير بتبنّي نهج أكثر إيجابية، مثل الملاحظات الصغيرة أو الملصقات أو الأوراق اللاصقة المنتشرة في المنزل، التي تحمل عبارات إيجابية، حيث يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا في الحالة الذهنية اليومية.

ج- مراقبة المشاعر بانتظام: يتطلب التحول إلى الحديث الإيجابي مع الذات جهدًا مستمرًا. وعند مواجهة التحديات، ينبغي مراجعة المشاعر والتأكد من أن الحديث الداخلي لم يتحول إلى سلبي، والعمل على استبداله بعبارات إيجابية.

د- عدم الخوف من وضع حدود أحيانًا: يوجد في حياتنا أشخاص لا يُظهرون أفضل ما فينا. وقد يعني تحديد مصادر الحديث السلبي مع الذات، تحديد شخص أو شخصين يشجعان على التفكير السلبي تجاه الذات. ولا بأس من وضع حدود، والابتعاد عن هؤلاء الأشخاص المحبطين أو السلبيين أو المتعاليين. بمعنى آخر، ينبغي التركيز على إحاطة النفس بأشخاص يتحدثون بإيجابية، ويشجعون على تبنّي السلوك نفسه.

إذن، كيف نحافظ على الحديث الإيجابي مع النفس؟ تشير الأبحاث إلى أنه عندما يتركز حديثنا مع أنفسنا على اللحظة الحاضرة، وعلى رؤية هذه اللحظة وفرصها باعتبارها فرصًا قيّمة، فإن ذلك يساعدنا بشكل أكثر فاعلية على تحقيق أهدافنا والابتعاد عن السلبية.

أنواع الحديث السلبي مع الذات

يميل الحديث السلبي مع الذات إلى أن يندرج ضمن إحدى الفئات الأربع التالية:

١- التخصيص: أي لوم النفس عند حدوث خطأ ما.

٢- الاستقطاب: أي رؤية الأمور إما جيدة أو سيئة فقط، دون أي مجال للحياد أو التدرج.

٣- التضخيم: أي التركيز فقط على الجوانب السلبية في كل موقف، وتجاهل أي شيء جيد أو إيجابي.

٤- التهويل الكارثي: أي توقع الأسوأ دائمًا ككارثة قادمة.

خطر الحديث السلبي مع الذات

تكمن مشكلة الحديث السلبي مع الذات، في أنه لا يعكس الواقع عادةً، وبالتالي قد يُقنع الشخص خطأً بأنه ليس فقط غير كفء، بل إنه لن يتحسن أبدًا، مما يُشلّ حركته ويوقعه في فخ الانغماس في الذات، والتقاعس، واليأس.

وكثيرًا ما يُعاني الأشخاص المصابون بالاكتئاب والقلق، من حديث سلبي مدمر وغير فعّال مع الذات؛ فقد يكون هذا الحديث الداخلي الذي يسمعونه متواصلاً وقاسيًا للغاية، فيما يُعرف علميًّا بـ”جلد الذات”. وبسبب هذه السلبية المفرطة، قد يغرقون في اجترار مؤلم للأفكار السلبية، فيُهاجمون أنفسهم بلا هوادة. وفي الحالات الشديدة، يمكن الحد من هذا النوع من الحوار الداخلي من خلال العلاج المتخصص، مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT).

كما يرتبط الحديث السلبي مع الذات على نطاق واسع باضطرابات مثل القلق، وتدني احترام الذات، والعدوانية، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وهو ما يؤثر أيضًا سلبًا على صحة الجسد.

إذن، كيف نغيّر حديثنا السلبي مع أنفسنا؟ حتى الحديث السلبي مع النفس يمكن تحدّيه وتجاوزه بفعالية. إن إدراك دوره بوعي يُعد الخطوة الأولى. بعد ذلك، يمكن الاستفادة من بعض تقنيات المساعدة الذاتية البسيطة والمباشرة، مثل التدريب على تكوين صوت داخلي بنّاء وأكثر إيجابية، أو تعلّم مخاطبة النفس بصيغة الغائب، مما يُتيح للشخص تجنّب الاجترار الفكري، والمضي قدمًا برؤية أوسع، وهدوء، وثقة أكبر.

معالجة القرآن لحديث الذات السلبي

عالج القرآن الكريم مسألة حديث الذات السلبي، أو ما يُعرف بـ”الوساوس والهموم”، من خلال منهج شمولي يجمع بين التوجيه الفكري، والتطمين القلبي، والعمل السلوكي. وفيما يلي أبرز النقاط التي توضح هذا العلاج مع الشواهد القرآنية:

1- تحديد مصدر الوسوسة: أول خطوات العلاج هي إدراك مصدر الوسوسة والأفكار السلبية، فقد تأتي من النفس، في قوله تعالى: (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)(ق:16)، أو قد تأتي من الشيطان، ويمكن الاستعاذة بالله منها فتزول، كما في قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأعراف:200).

2- التحرر من سطوة الحزن على الماضي: حديث الذات السلبي غالبًا ما يقتات على الندم أو الخوف. ويغلق القرآن أمامنا باب الماضي الذي يجرّ علينا الحزن والهم والوساوس الفكرية، كما في قوله تعالى: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ)(آل عمران:153).

3- إيقاف آلية التضخيم: يميل العقل في حديثه السلبي إلى تضخيم العجز، فيأتي القرآن ليعيد الأمور إلى حجمها الحقيقي، من خلال التذكير بالعمل قدر الاستطاعة، أي قُل لنفسك: “لقد فعلت ما بوسعي”، كما في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)(البقرة:286).

4- إشغال الذهن بالذكر بدلاً من الأفكار السلبية: وهو الإشغال والاستبدال الذي يغيّر الحالة النفسية من الاضطراب إلى السكينة، كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(الرعد:28).

5- استبدال اليأس بالرجاء: حديث الذات السلبي كثيرًا ما يقول: “أنا مذنب”، “لن يغفر لي ربي”، “سأدخل النار”.. لكن القرآن يكسر هذا المنطق اليائس مباشرة بفتح باب الأمل والرجاء أمام المذنبين، كما في قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ)(الزمر:53).

6- قاعدة حسن الظن لخفض القلق: يربي القرآن الكريم المؤمنَ على أن يتوقع الخير لا الشر، وبالتالي يخفف الشعور بالقلق، لأن حديث الذات السلبي هو في جوهره “سوء ظن”، كما في قوله تعالى: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(النور:11)، وكذلك قوله تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا)(التوبة:51).

(*) استشاري طب الأعصاب والطب النفسي / مصر.