تقديس السرعة: الكيف قبل الكمّ

يوصف هذا العصر بأنه “عصر السرعة”، بل “تقديس السرعة”، عصر طيّ المسافات وتجاوزها. ومع ذلك، لم يؤدّ هذا التسارع إلى توفير الوقت، بل بدا وكأن الوقت نفسه يمضي مسرعًا. ومن هنا ظهر تيار ثقافي عالمي يعاكس هذه الوتيرة المتسارعة للحياة الحديثة، مستندًا إلى أسباب موضوعية تُعلي من قيمة الحركة الهادئة المتأنية وجمالياتها. فنحن نعيش بوتيرة سريعة، ننظر فيها إلى الوقت بوصفه موردًا محدودًا ينبغي استغلاله لإنجاز أكبر قدر ممكن من المهام اليومية. والعقلية التي تحركها السرعة تُقدّر الكمّ والعدد على حساب الكيف والجودة.

ومع انطلاق الثورة الصناعية وعصر الآلة، أصبح البشر والمواد الخام والمنتجات والمعلومات، يتحركون بسرعة غير مسبوقة. فالشركات التي تُنتج بشكل أسرع وأضخم، تهزم منافسيها وتعيد استثمار أرباحها لتسريع نموها. وبدأ دفع الأجور على أساس الساعة بدلاً من مردود العمل، وشاعت أيديولوجيا تنتقد الهدوء والتريث. فالعاملون الأقل إنتاجًا في الساعة يُفصلون، وصار على العمال “ختم” ساعات دوامهم في بدايات ونهايات نوباتهم. وأصبحت الساعة نظام التشغيل الأساس للرأسمالية الحديثة، وتحول الزمن إلى مورد قابل للتسليع. ومن رحم الثورة الصناعية وُلد شعار “الوقت مال”، الذي أنجب بدوره “تقديس السرعة”.

“تقديس” السرعة، كيف تسلل إلى تفاصيل الحياة؟

لم يقتصر تمجيد السرعة على بيئة العمل، بل امتد كفيروس ليغزو جوانب الحياة الحديثة كافة. فحين ساد مبدأ “افعل كل شيء بسرعة”، تصاعدت مظاهر التسارع والتنافس والجشع والأنانية، وارتفعت معدلات القلق والتوتر والاكتئاب. وتسربت معايير الكفاءة والإنتاجية السريعة إلى نسيج حياتنا اليومية، وسيطرت على علاقتنا بالزمن عقلية لا تهتم إلا باستخراج أكبر قيمة كمية من حياتنا، لا نوعيتها.

وغدت السرعة مرادفًا للكفاءة، ومقياسًا للإنتاجية، وعنوانًا للنجاح. فهناك سباق دائم نحو “الأسرع”؛ أسرع طائرة مدنية أو حربية، أسرع قطار، أسرع سيارة، أسرع دراجة نارية، أسرع سفينة، وأسرع عدّاء.

لكن هذه الاندفاعة لم تخلُ من كوارث؛ ففي عام 1912م اصطدمت سفينة “تايتانيك” بجبل جليدي، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف وخمسمائة شخص. وكان غرق “تيتانيك”، التي وُصفت بأنها غير قابلة للغرق، صدمة كبرى دفعت إلى مراجعة هذا الهوس بالسرعة. كما ظهرت في اليابان ظاهرة “الكاروشي”، أي الموت نتيجة الإفراط في العمل، فضلاً عن آلاف الوفيات اليومية بسبب حوادث المرور الناتجة عن السرعة، ومعاناة الأطفال من قلة رعاية آبائهم بسبب الإرهاق المستمر.

لقد أسَرَتْنا وعود السرعة و”مرض الوقت”، فوجدنا أنفسنا عالقين في دوامة لا تنتهي من العجلة واللهاث. ومهما أسرعنا لا يبدو أننا نبلغ السرعة الكافية لمجاراة مسؤولياتنا وتوقعاتنا وأحلامنا. والمفارقة أننا لا نجد وقتًا كافيًا للعيش، ونحن في سباق دائم مع الزمن.

كيف تعامل أسلافنا مع هذا المورد المحدود؟

نعم، الوقت مورد محدود لا يعود إذا مضى، لكنه كان كذلك عند أسلافنا أيضًا. فلماذا نشعر اليوم بضغط أكبر؟

لقد تغيّرت علاقتنا بالزمن جذريًّا مع تطور أدوات قياسه. فقبل اختراع الساعات، كان الناس يعيشون وفق ما يسميه الأنثروبولوجيون “الزمن الطبيعي”، حيث ينامون مع غروب الشمس ويستيقظون مع الفجر، ويأكلون عند الشعور بالجوع ويعملون وفق وتيرتهم الخاصة.. كانوا يفعلون الأشياء عندما يشعرون بأن الوقت مناسب، لا حين تُخبرهم الساعة بذلك. لم تكن حياتهم مجزأة إلى جداول دقيقة؛ لأن الجدولة لا تصبح ممكنة إلا بوجود أدوات دقيقة لقياس الوقت. أما اليوم، فقد أصبح كل الوقت متشابهًا، وامتلأت حتى “أوقات الفراغ” بالأعمال والسعي المستمر لتحقيق المزيد من الإنجازات.

إنجازات وعدم رضا

كلما تضخّمت الأوامر التي تتلقاها مراكز الاستقبال في الدماغ، نشأت حالة من التكدس والتراكم المعرفي، مما يؤدي إلى مزيج معقد يصعب تحليله. وأصبح تفكيك مواقف الحياة وفهمها عملية شاقة، تتطلب صفاءً ذهنيًّا نفتقده في زحمة الحياة المتسارعة.

لذلك، مهما تعددت الإنجازات وتراكمت الخبرات، يشعر كثير من الناس بعدم الرضا العميق. ففي زمن نفتقد فيه متعًا بسيطة -كالأكل على مهل، والجلوس مع الأبناء، وزيارة الأهل، وقراءة كتاب، أو التأمل- يتنامى شعور بفقدان “الهناء الوجودي”.

إن هذا الإحساس لا يتحقق بالسرعة ولا بكمّ ما ننجزه، بل بنوعية الحياة التي نحياها. إنه يتولد من قدرتنا على التمهل، وتذوق اللحظة، وإعادة بناء علاقتنا بالزمن.

نحن بحاجة إلى أن نبطئ قليلاً، وأن نعيد الاعتبار لقيمة التؤدة، وأن نعالج جذور الخلل في نظرتنا للوقت، فالحياة لا تُقاس بما ننجزه فقط، بل بكيف نعيشه.

المنبوذ أو من رُمي بعيدًا خارج الزمن

كتجلٍّ درامي عالمي على “تقديس السرعة”، أُنتج عام 2000م فيلم “المنبوذ، أو من رُمي بعيدًا” (Cast Away)، من إخراج “روبرت زيمكيز”، وبطولة الممثل “توم هانكس” وآخرين. وتدور أحداثه حول “تشاك نولاند”، الموظف في شركة “فيديكس” العالمية الضخمة (مقرها في ممفيس/ تينيسي/ أمريكا) للتوصيل السريع وشحن الطرود الجوي عالميًّا. ويظهر “تشاك” في بداية العمل متحمسًا، متحفزًا، نشيطًا، يصارع الزمن، ويؤكد على زملائه قيمة الوقت وإدارته حتى بالثواني، ويشجعهم على استغلاله بأقصى كفاءة لإيصال طرود الشركة في موعدها، بل وقبل موعدها، بما يحقق مصالح الشركة ومصداقيتها، ومن ثم تحقيق أرباح تعود عليهم بالخير الوفير.

“سأعود حالاً”، ودّع خطيبته مسرعًا، تاركًا لها مفتاح سيارته، ليلحق -على عجل- بطائرته. لكنه لم يعد إلا بعد أكثر من أربع سنوات؛ إذ سقطت طائرته في المحيط، ونجا ليجد نفسه وحيدًا، معزولاً خارج الزمن على جزيرة غير مأهولة. فحرص على الإبقاء على نفسه حيًّا يتنفس، بل يعدّ أنفاسه في بطء وهدوء، وأحيانًا في احتضار. وحاول جاهدًا توفير حاجياته الأساسية، ففشل مرات. فسعى إلى جمع قطرات ماء من داخل ثمرات جوز الهند، أو من الندى المتكثف فوق أوراق الشجر، يبلّ بها ريقه. ووجد المأوى في كهفٍ سكنه.

وبعد محاولات، اكتشف النار عبر حكّ أغصان يابسة ببعضها، ومع أول شرارة وضع عليها أعشابًا جافة، فأضرم النار، وكانت فرحته غامرة. ثم طها ما طالته حربته الخشبية من صيد بحري، واصطلى بالنار ليلاً، واستضاء بها في عتمة ووحشة كهفه.

وفي جزيرته النائية شحذ طاقات ذهنه، وحافظ على قدرات عقله من التوقف والاستسلام للخواء. فكان يدربه وينشطه، فصنع “رزنامة” بعلامات ينقشها بواسطة قطعة حجر، وقام بحساب الأيام، ومدى المسافة التي أبعدته عن موقع الطائرة الغارقة. لم ييأس، فاليأس صنو الموت. فبدلاً من أن يلقى حتفه وحيدًا بائسًا يائسًا، فضّل أن يغامر و”يعارك المحيط”. فصنع مركبًا بدائيًّا من سيقان الأشجار، وربطها بخيوط من أليافها، وحبلٍ كان قد حاول أن يشنق به نفسه. وبمجدافين باليين حاول الإبحار ومصارعة الأمواج. ثم -وهو يلهث أنفاسه الأخيرة- مرت سفينة شحن عملاقة، فانتشلته مما هو فيه، ليعود إلى وطنه وإلى الحياة ثانية.

ورجع إلى خطيبته وأصدقائه وزملاء عمله، فوجد خطيبته قد تزوجت من طبيب أسنان وأنجبت. فردّ إليها ساعة اليد -التي تحتوي صورتها-، وقد احتفظ بها طيلة عزلته، وردّت إليه سيارته التي تركها لها. ووجد ما كان في الجزيرة نادرًا شحيحًا من مشروبات ومأكولات بحرية، حاضرًا على موائد الحفل متنوعًا كثيرًا وضخمًا. ثم ودّعوه قائلين: “غدًا يوم حافل.. سنعيدك للحياة من جديد”. وجاءت الخاتمة لتكرّس حيرة التائه؛ فهو لا يعلم ماذا سيفعل بعد “عودته للحياة”، وإلى أين يتجه: هل يعود أدراجه منعزلاً في جزيرته؟ فلقد بات الزمن غير الزمن، والناس غير الذين تركهم منذ سنوات.

كيف بدأت الحركة الهادئة؟

نعم، السرعة جيدة فيما نحتاجه منها، لكنها قد تُبطئ تقدمنا الحقيقي، إذ تجعلنا نعيش مواقف، ونقدّم أعمالاً وإنجازات عاجلة باهتة، فاقدة مثلث التعاون بين الروح والذهن والوقت. لذا انبثقت فلسفة “الحركة الهادئة” من مبادرة “الغذاء البطيء”. ففي عام 1986م، نظم الناشط الإيطالي “كارلو بيتّريني” احتجاجًا ضد افتتاح مطعم للوجبات السريعة في ساحة “بيازا دي سبانيا” في روما. ثم أسس منظمة “الغذاء البطيء” لمقاومة الإنتاج الصناعي الضخم للأطعمة، والدفاع عن المأكولات التقليدية والمزارعين المحليين، وتعزيز نهج واعٍ في تحضير الطعام وتناوله.

وقد وُقّع “بيان الغذاء البطيء في باريس” من قبل ممثلين عن 15 دولة. وسرعان ما انتقلت مبادئ “الغذاء البطيء” إلى مجالات حياتية أخرى. ففي عام 1999م ساعدت المنظمة على تأسيس حركة “المدينة البطيئة” (Cittaslow)، وهي منظمة قائمة على العضوية تهدف إلى خفض وتيرة الحياة في المدن. ومن هناك، امتدت فلسفة التمهل إلى مجالات مثل العمل والسفر والموضة، وأخيرًا إلى أسلوب الحياة بشكل عام. حيث ينبغي للإنسان ألّا يتسرع قبل تعقّل الأمور ودراستها والتشاور والاختيار، فالندامة والحسرة تأتي من العجلة، بينما في التأني النجاة والسلامة.

العيش الهادئ، الكيف قبل الكمّ

هو أسلوب حياة، وجوهره ليس تحويل الكوكب إلى عالم كسول أو منتجع هادئ، بل تحقيق التوازن بين “ثنائية الذهن والجسد”، وتفضيل “الكيف” على “الكم”. فالأعمال التي تُنجز بتأنٍ هي الأعلى قيمةً والأغلى أثرًا. وعلينا ألّا نندفع باستمرار دون أن نمنح أنفسنا لحظة وعي وهدوء -دون قلق مما بعدها- ووقتًا كافيًا للتجويد اللازم.

وإليك بعض ملامح نمط حياة أهدأ:

طهو الطعام الصحي ببطء تجربة ممتعة ومريحة. والاستيقاظ والنوم المبكر. المشي، والسباحة، وممارسة الأنشطة البدنية المناسبة لكل عمر. قراءة الكتب والاستمتاع بالقصص وسيلة لإبطاء وتيرة الحياة. قضاء وقت أطول مع الأسرة والأصدقاء والأقارب. قضاء وقت في الطبيعة يساعد على الاسترخاء وتقليل التوتر. التأمل والتفكر والتدبر وسائل لتهدئة العقل وزيادة الوعي. تقليل استخدام الهواتف الذكية، والحواسيب لخفض وتيرة السرعة والقلق. اختيار دوائر اجتماعية داعمة للسلوكيات الصحية والروحية والعمل التطوعي.

ولا تنسَ: من السهولة تعلّم قيادة الحياة بسرعة، لكن من الصعوبة تعلّم قيادتها بهدوء.

(*) كاتب وأكاديمي مصري.