علم أسماء الأماكن

تُعد الطوبونيميا (Toponymy)، أو علم أسماء الأماكن، من أهم الموضوعات المتصلة بكلٍّ من الجغرافيا واللغات. فالأسماء المنتمية إلى لغة معينة تميط اللثام عن حضارات وإمبراطوريات غربت عنها الشمس.

ولا تشير أسماء الأماكن إلى البعد المكاني فحسب، وإنما تشير أيضًا إلى البعد الزماني، وإلى التفاعل بين البعدين، من خلال دراسة التنظيم المكاني عبر الزمن. وبعض اللغات تغيب عنها كلمات معينة؛ لأنها لا تنطبق مدلولاتها على أشياء موجودة في البيئة. ومن ذلك اللغات التي نشأت في المناطق المدارية أو المناطق الجافة، إذ لا توجد فيها -على سبيل المثال- كلمة تدل على الثلج.

وتعكس لغات العالم مفردات البيئة الطبيعية في صور متعددة وكثيرة. وإذا أخذنا مثالاً لذلك كلمة جبال الألب (Alps) المعروفة لنا حاليًّا، نجد أنها مشتقة من إحدى اللغات الكلتية، وهي لغة Erse (الأيرلندية)، حيث تعني كلمة ailp في هذه اللغة جبلاً مرتفعًا. وقد انحدر الاسم من هذه اللغة حين دفعت القبائل الأنجلوسكسونية الكلتيين إلى معازل جبلية صعبة ومعقدة. ولولا هذه المناطق الوعرة لما بقيت آثار اللغات الكلتية، التي تنعزل اليوم في أقصى غرب أوروبا، وفي مناطق صعبة التضاريس، سواء في اسكتلندا أو جزيرة أيرلندا. ولولا تلك البيئات لما بقيت بقايا هذه اللغات موجودة حتى اليوم.

وقد تكرر المثال السابق في عشرات الحالات، حين لجأت جماعات معينة إلى الجبال طلبًا للحماية، فنجت نسبيًّا، وحفظت لغاتها.

وأحيانًا تُنقل أسماء الأماكن مع المهاجرين إلى خارج بلادهم، إما بالاسم نفسه، أو بأسماء تعكس لغة المهاجرين. ومن ذلك الأسماء السويدية والهولندية المنتشرة في بعض الولايات الأمريكية.

ويتيح الموقع الجزري للغة أن تبقى على قيد الحياة، في الوقت الذي تكون فيه مهددة بالزوال إذا كانت في موقع تتفاعل فيه لغات قوية، ويسوده العمران. ومن ذلك أن اللغة الأيسلندية نجت من الاندثار بسبب عزلتها الجزرية، وتشير أسماء الأماكن بهذه اللغة إلى أنها الأقرب إلى لغة Norse القديمة.

وبالمقارنة، نجد أن الجزر الواقعة على طرق التجارة والاتصال لا تعكس أسماء الأماكن فيها لغة واحدة، وإنما تعكس تعددًا لغويًّا. ومن أمثلة ذلك قبرص وصقلية؛ إذ تعكس أسماء الأماكن في الأولى اللغتين التركية واليونانية القبرصية، بينما تعكس في الثانية اللغات الإيطالية واليونانية والألبانية.

وفي كثير من الأحيان، لا يشير اسم المكان إلى ملمح جغرافي طبيعي فحسب، بل يشير أيضًا إلى الأصل اللغوي الذي انحدر عنه. ومن ذلك جبل طارق (Gibraltar) المعروف بالإنجليزية والإسبانية، الذي انحدر اسمه من العربية، بمعنى «صخرة طارق». وليس هذا فحسب، بل إنه يشير أيضًا إلى الفتح الإسلامي لإسبانيا، وإلى تأثير اللغة العربية في اللغة الإسبانية.

ويصدق الأمر نفسه في إسبانيا على تسمية الأنهار، مثل الوادي الكبير (Guadalquivir)، وعلى المناطق الجغرافية مثل الأندلس (Andalucia)، المحصورة بين جبال Betico وجبال سييرا مورينا في أقصى جنوب إسبانيا.

ويوضح هذا الاسم التفاعل بين اللغات؛ إذ إن العرب، حين أحكموا قبضتهم على جنوب إسبانيا، هزموا حكام المنطقة من القوط الغربيين (Visigoths)، الذين كانوا قد حلوا لتوهم محل الوندال (Vandals)، وأسقط العرب حرف V، ليصبح اسم المنطقة الأندلس (Al-Andalus)، ومن هذا الاسم العربي المركب انحدر الاسم الإسباني الحالي Andalusia المعروف عالميًّا.

وتساعد اللغة في إعادة صياغة المشهد الطبيعي (Landscape) كما كان في الماضي، من خلال أسماء الأماكن. ويتضح ذلك في أن أسماء محلات العمران، في الريف والحضر بأوروبا، يعكس بعضها عملية تطهير الغابات وإزالة الغطاء النباتي الطبيعي في الماضي، لإقامة محلات العمران أو ممارسة النشاط الزراعي.

ويظهر ذلك في وجود لواحق (Suffixes) تلحق بالكلمات الألمانية، مثل: Rod، Rot، Rodt، Roth، Routh، Rede وغيرها، وكلها ترتبط بأفعال في اللغة الألمانية الحديثة، مثل Roden، الذي يعني يقتلع أو يطهر، في إشارة إلى قطع الغابات في الماضي. ولهذه المقاطع نظائر في اللغات الهولندية والفلمنكية والنرويجية.

ولا تشير أسماء الأماكن من هذا النوع إلى مجرد تطهير الغابات، بل تشير أيضًا إلى الطريقة التي تم بها ذلك. ويتضح هذا إذا اشتملت أسماء الأماكن على لواحق أو سوابق (Prefixes) مثل: Brand، Brent، Brind وغيرها، مما يدل على أن التطهير كان يتم بالحريق. وهذه الأسماء مشتقة من جذور كلمات جرمانية تعني النار أو الحريق (Fire).

ويمكن أن نجد أمثلة مماثلة بالمئات في اللغات الأخرى، مثل اللغة السلوفاكية، التي تضم أسماء أماكن ولاحقات مثل Kopanice وTrebynja، وتعني قطع الأشجار. وقد بقيت هذه الدلالات اللغوية في أسماء المدن، مثل مدينة Trebenje، لتشير إلى تطور المشهد الطبيعي في الماضي من خلال إزالة الغطاء النباتي.

وبالمثل، مثلت المستنقعات (Marshes) ملاجئ للغات في أوقات الخطر؛ إذ وفرت هذه المناطق الرديئة الصرف الحماية للجماعات السلافية، أو Sorbs، أمام زحف الجماعات الجرمانية نحو الشرق، من خلال التراجع والاحتماء بتلك المناطق الغدقة، مثل المستنقعات القريبة من برلين.

كما ساعدت المناطق الشمالية المتأثرة بفعل الجليد الجماعات الناطقة باللغات البلطيقية على الحماية من التوسع السلافي والجرماني. ومن الجدير بالذكر أن الحدود اللغوية (Linguistic Borders) توافقت، في بعض الأحيان، مع هذه المناطق المستنقعية.

وقد يُسمى المكان باسم يرتبط بالماء، لأهمية الماء في قيام المحلات العمرانية. ومن ذلك وجود عدة مدن أمريكية تحمل اسم Watertown في ولايات متعددة، وكذلك محلات عمرانية تحمل اسم Waterville، مثل المدينة التي تحمل هذا الاسم في ولاية أوهايو.

وفي مناطق التعقد الطبيعي في التضاريس، كثيرًا ما نجد تعقدًا لغويًّا مماثلًا. ومن ذلك أن السلاسل الجبلية تفصل بين اللغات، كما هو الحال بين الإسبانية والفرنسية على جانبي جبال البرانس، حيث تعكس أسماء الأماكن لغة كل جانب، إلى جانب لغات ما زالت تكافح من أجل البقاء، مثل اللغة القطلانية على جانبي البرانس في قسمها الشرقي، ولغة الباسك على جانبيها في قسمها الغربي.

وفي كل موضع تهيمن فيه لغة معينة، تعكس أسماء الأماكن هذا التعقد اللغوي المصاحب للتعقد الطبيعي. ومن الأمثلة الأخرى أن الجبال تفصل بين الألمانية والفرنسية من جهة، والإيطالية من جهة أخرى، كما تفصل جبال الألب بين اللغات السلافية الجنوبية واللغة الألمانية.

ولكي نعرف لماذا تتنوع أسماء الأماكن في المناطق الجغرافية المختلفة، نضرب المثال التالي: فبالمرور في ممر سان جوثار الشهير في سويسرا، فإن ذلك يعني الانتقال من منطقة تتحدث الألمانية إلى منطقة تتحدث الإيطالية، وبالتالي تختلف أسماء الأماكن لتعكس سيادة اللغتين في منطقتيهما.

وفي شبه جزيرة أيبيريا نجد أن السطح المضرس الخشن قد ساعد في عزل المناطق الناطقة باللغة القشتالية (Castilian)، التي تُعد اللغة الإسبانية الفصحى، وكانت اللهجة المفضلة من الإسبانية بعد أن تطورت عن اللغة اللاتينية، إثر الغزو الروماني لإسبانيا. وقد ساعدت الظروف التضاريسية المعقدة على عزل هذه اللغة والحفاظ عليها من التأثر باللغات الأخرى، مثل القطلانية والبرتغالية.

وقد ساعد إقليم الفوج، بما يتميز به من تلال وغابات، على أداء وظيفته بوصفه حدًّا لغويًّا بين الفرنسية والألمانية لأكثر من ألف عام، وفي الوقت نفسه عكست أسماء الأماكن التباين اللغوي على جانبي هذا الحد.

وعلى عكس المناطق الجبلية، فإن المناطق السهلية أكثر عرضة للتغير في أسماء الأماكن تبعًا للتغير الذي يطرأ على اللغات؛ لأن الحدود اللغوية في السهول أكثر قابلية للتبدل. وعلى خلاف مثال إقليم الفوج، الذي شكّل حدًّا ثابتًا نسبيًّا بين اللغات الجرمانية والرومانسية، فإن الحدود اللغوية في المناطق السهلية لم تكن بهذه الدرجة من الثبات. ففي مناطق قريبة من أعالي وادي الرون في سويسرا، تقدمت اللغة الألمانية غربًا من قرية إلى أخرى، في حين كانت الفرنسية تتراجع.

وعن العلاقة بين الظروف المناخية واللغات، يُلاحظ أن المناخات القاسية قد تحفظ اللغة من الاندثار أو التغير، وفي ذلك يتشابه أثر المناخ مع بعض العناصر المورفولوجية التي سبق الحديث عنها. ويتمثل هذا الأثر في أن معظم المناطق القطبية وشبه القطبية لم تكن جاذبة للغزاة، بخلاف المناطق الأكثر دفئًا، مما حافظ نسبيًّا على لغات الجماعات التي تسكن تلك الأصقاع من التأثيرات الخارجية. وينطبق هذا النموذج على شعوب مثل اللاب والفنلنديين، الأمر الذي أسهم في الحفاظ على لغاتهم.

ومن أسماء الأماكن ذات الدلالة المناخية تسمية Icy Bay في ألاسكا، الواقعة في خليج ألاسكا، حيث جاءت التسمية من الصفة المناخية السائدة، وقد أطلق عليها هذا الاسم الكابتن جورج فانكوفر. وكذلك تسمية أحد المواقع في ولاية ويسكونسن باسم Wind Point، في إشارة إلى الرياح القوية التي تجتاح المكان، والقادمة من بحيرة ميشيغان.

كما أن من أسماء الأماكن التي تشير إلى المطر اسم Rainy، بمعنى “ممطر”، وهي تسمية منحدرة من كلمة في إحدى لغات الهنود الأمريكيين، تدل على أن المنطقة كثيرة الأمطار طوال العام. وينطبق الأمر نفسه على إحدى البحيرات في ولاية مينيسوتا بأمريكا الشمالية، حيث يحيط بها الضباب (Mist) وتوجد بها شلالات أو مساقط مائية، وقد أطلق الفرنسيون على هذا المكان اسم La Pluie، بمعنى “المطر”.

كما أن التغيرات المناخية العالمية أحدثت تغيرات في خريطة توزيع اللغات، ويدل على ذلك أن التغير المناخي والتدهور في الأحوال المناخية، الذي استمر نحو ألف عام، فيما بين 500 ق.م و500م، دفع القبائل الجرمانية جنوبًا، بسبب صعوبة العيش في مواطنها الأصلية، ولا سيما الشمالية منها، وأدى ذلك إلى تغير واضح في أسماء الأماكن التي استقرت فيها تلك القبائل.

وتحفظ اللغة ذاكرة الشعوب التي تحدثت بها، حتى وإن بادت تلك الشعوب ولم يعد لها وجود. وتُعد بعض المقاطع اللغوية في المصرية القديمة، والقبطية، واللغات الكلتية القديمة، دليلاً واضحًا على ذلك.

ولعل المثال الأمريكي (الولايات المتحدة) خير شاهد على العلاقة بين اللغة والبيئة الاجتماعية والحضارية، باعتبار هذه الدولة حديثة النشأة نسبيًّا. وبحكم ارتباطها باللغة الإنجليزية، لغة المستعمر الذي سيطر عليها، جاءت معظم أسماء الأماكن فيها بهذه اللغة، ولم يمنع ذلك من تأثرها بأسماء السكان الأصليين من الهنود الأمريكيين.

وكمثال على ذلك، فإن البطالمة في مصر ميّزوا أسماء المديريات المصرية، رغم احتفاظهم بتقسيماتها الجغرافية السابقة، إلا أنهم عمدوا إلى تغيير الأسماء أو تحريفها؛ لتنسجم مع الذوق الإغريقي. وفي حالات أخرى أطلقوا عليها أسماء جديدة؛ تشبيهًا لآلهتها المحلية بآلهة الإغريق.

وتؤدي الثورات والحركات الشعبية أيضًا إلى تغيرات جذرية في أسماء الأماكن، وأحيانًا تتكرر هذه التغيرات أكثر من مرة، كما حدث في الصين بعد انتشار الشيوعية، وكما حدث في الاتحاد السوفيتي السابق. فنجد أن مدينة سان بطرسبرغ، في عهد القياصرة، أصبحت بعد الثورة البلشفية عام 1917م تُعرف باسم لينينغراد نسبة إلى الزعيم الشيوعي لينين، ثم عادت إلى اسمها القديم بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

وفي مصر، وبعد ثورة 1952م، تغيرت أسماء العديد من الأماكن والشوارع والميادين التي كانت تحمل أسماء مرتبطة بالعهد الملكي السابق، إلى أسماء تعبر عن الثورة. ومع ذلك، فمن الصعب أحيانًا أن تندثر الأسماء القديمة اندثارًا كاملًا.

وتتنازع بعض الأماكن أحيانًا مسميات متصارعة؛ فمن ذلك أن أسماء محلات العمران واللافتات في أيرلندا تُكتب، في معظم الحالات، باللغتين الأيرلندية والإنجليزية معًا، بوصف ذلك نوعًا من الاحتجاج والتعبير عن الشعور القومي. كما تطالب أقليات عديدة في أوروبا بالمعاملة نفسها، إذ تُمنع اللغة المجرية في بعض أقاليم رومانيا، ولا سيما عند كتابة أسماء الأماكن بها في مناطق تجمع المجريين بغرب رومانيا.

المراجع

  • Barnard, A., & Spencer, J. (eds.) (2002): Encyclopedia of Social and Cultural Anthropology. Routledge, London and New York.
  • Norton, W. (2006): Cultural Geography: Themes, Concepts, Analysis. Oxford University Press.
  • Pedersen, H. (1931): The Discovery of Language. Harvard University Press.