“وشغلتي شيخ الأزهر”.. حين يعرِّف التواضع صاحبه

رنَّ الهاتف في بيت إحدى الطالبات الأوائل في الثانوية الأزهرية، وجاء الصوت هادئًا يسأل عن الأسرة والطالبة، لم تتعرف الأم إلى المتصل، فسألته بتلقائية: حضرتك مَن؟ فجاءها الجواب في بساطة آسرة: “أنا اسمي أحمد الطيب، وشغلتي شيخ الأزهر”.

جملة قصيرة، خرجت على سجيتها، فبلغت من القلوب ما لا تبلغه خطب طويلة عن التواضع، وانتشرت على منصات التواصل؛ لأنها لم تكن عبارة مصنوعة للكاميرا، بل بدت تعبيرًا صادقًا عن طبيعة رجل يعرف قدر المنصب، لكنه لا يجعل منه حاجزًا بينه وبين الناس، وقد لقيت المكالمة تفاعلاً واسعًا وإشادة لافتة.

والذي استوقفني في العبارة ليس تعريف الإمام الأكبر باسمه فحسب، وإنما اختياره كلمة “شغلتي”؛ لم يقل: منصبي شيخ الأزهر، ولا أنا صاحب المقام الأكبر، ولا سبق اسمه بطابور من الألقاب التي اعتدنا أن تتقدم بعض المسؤولين قبل أن يتقدموا هم إلى الناس. قال ببساطة: “شغلتي شيخ الأزهر”.

وكأن مشيخة الأزهر في وعيه عمل يؤديه، وأمانة يحملها، وخدمة يقوم بها؛ لا مرتبة يتعالى بها على الخلق. قدم اسمه أولاً: أحمد الطيب، الإنسان القادم من صعيد مصر، ثم ذكر وظيفته بعد ذلك. وهذه وحدها رسالة في فقه القيادة: يبقى الإنسان هو الأصل، ويظل المنصب تكليفًا عارضًا، مهما عظم قدره.

الهيبة التي يصنعها التواضع

يظن بعض الناس أن التواضع ينتقص من الهيبة، وأن صاحب الموقع الكبير ينبغي أن يحيط نفسه بمسافات من البروتوكول والصمت والوجوه العابسة، غير أن التجربة تعلمنا أن الهيبة المصنوعة بالمظاهر تزول بزوال المنصب، أما الهيبة التي تقوم على العلم والصدق والتواضع فتزداد رسوخًا كلما اقترب صاحبها من الناس.

ولم يكن فضيلة الإمام الأكبر محتاجًا إلى أن يعرّف بنفسه؛ فاسمه ومكانته معروفان في مصر والعالم الإسلامي، لكنه فعل ذلك حتى لا يحرج أمًّا فوجئت بالمكالمة، وحتى يبدأ الحديث من أرض إنسانية مشتركة، لا من علٍ؛ فالتواضع هنا لم يكن نزولاً عن المقام، بل كان ارتفاعًا به إلى معناه الحقيقي.

وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ”. والرفعة المقصودة لا تكون دائمًا في لقب أو منصب، بل قد تكون محبة يضعها الله في قلوب الناس، وقبولاً لا تصنعه إدارات العلاقات العامة، ولا تشتريه حملات الدعاية.

فرحة تدخل البيوت

أجرى فضيلة الإمام الأكبر اتصالاته بالطلاب الثلاثة الأوائل في القسمين العلمي والأدبي، وبالحاصلين على المركز الأول من ذوي البصائر وفئات الدمج والدمج البصري، ولم يكن تخصيص هؤلاء بالتهنئة مجرد تفصيل إداري، بل رسالة بأن أبناء الأزهر جميعًا حاضرون في قلب مؤسستهم، وأن ظروف الطالب الخاصة لا تضعه على الهامش، ولا تحجب عنه حقه في التكريم.

كان يستطيع أن يكتفي باعتماد النتيجة، أو إصدار بيان رسمي للتهنئة، أو تكليف أحد معاونيه بإبلاغ الأوائل، لكنه اختار أن يحمل إليهم الخبر بصوته، وأن يشارك الآباء والأمهات فرحتهم، وأن يسمع دهشتهم ودعواتهم وضحكاتهم الصادقة.

وهذه لحظات قد تبقى في ذاكرة الطالب أطول من الدرجات نفسها، سوف تمضي سنوات، ويلتحق هؤلاء الطلاب بالجامعات، ويخوضون معارك الحياة، وربما تُنسى الأرقام والنِّسب، لكنهم لن ينسوا اليوم الذي رنَّ فيه الهاتف، وكان شيخ الأزهر على الطرف الآخر يخبرهم أنهم من أوائل الجمهورية.

وقد ذكّرهم الإمام الأكبر بأن وطنهم يعقد عليهم الآمال للنهوض بمستقبل أمتهم، وأن التفوق لا يكتمل بالدرجات وحدها، وإنما يقترن بالأخلاق والقيم وخدمة الوطن. وبذلك لم تكن المكالمة تهنئة فحسب، بل كانت أول درس يتلقونه بعد إعلان التفوق: أن النجاح مسؤولية، وأن العلم الذي لا يتحول إلى نفع للناس يظل نجاحًا ناقصًا. وقد نقل الأزهر تفاصيل الاتصالات ورسالة الإمام إلى الطلاب.

صورة الأزهر التي نحبها

هذه هي صورة الأزهر التي يعرفها المصريون ويحبونها: عالِم قريب من الناس، يحمل العلم من غير كِبر، ويحفظ للمقام جلاله من غير أن يحوله إلى ستار كثيف. فالأزهر لم يحتفظ بمكانته طوال هذه القرون بقوة المباني أو الألقاب، وإنما بعلمائه الذين عاشوا بين الناس، وعرفوا آلامهم، وخاطبوهم بلغتهم، ولم يروا في العلم سببًا للاستعلاء.

لقد كشف السؤال العفوي: “حضرتك مَن؟” عن جواب يتجاوز التعريف بصاحب المكالمة. كان يمكن أن يكون الجواب اسمًا ووظيفة، لكنه أصبح درسًا في القيادة والأخلاق.

قالها فضيلة الإمام الأكبر في كلمات قليلة: “أنا اسمي أحمد الطيب، وشغلتي شيخ الأزهر”. فازداد الاسم حضورًا، وازداد المنصب جلالاً؛ لأن صاحبه لم يتكئ عليه، بل حمله كما تُحمل الأمانة.

وهكذا يكون الكبار حقًّا: كلما ارتفع مقامهم، اقتربوا من الناس.