لما أشرقت شمس النبوة في مدينة “يثرب” التي سميت من أجل ذلك بـ”المدينة المنورة”، وانعقد فيها للإسلام جماعة تعتقده وتمثله وتدافع عنه، تغيرت الموازين، وانقلبت المقاييس، وتميز الناس إلى ثلاث فرق: فرقة آمنت ظاهرًا وباطنًا، وفرقة كفرت ظاهرًا وباطنًا، وفرقة ثالثة آمنت ظاهرًا وكفرت باطنًا. ومن هذه الفرقة الثالثة كان “عبد الله بن أُبي بن سلول”، الذي مثل فيما بعدُ ظاهرة فريدة ومحورية في التاريخ الإسلامي المبكر، لا لكونه مجرد مخالف فحسب، بل لكونه القائد الأبرز لهذه الفرقة الثالثة التي عُرفت بـ”المنافقين”.
كان يسع “ابن سلول” أن يجاهر بالكفر ويستمسك به، إذ كانت له من المكانة في قومه، والقوة في عشيرته، وما اجتمع له من أسباب المنعة والجاه، ما يكفل له الثبات على المخالفة والكفر غير هياب ولا متوارٍ، إلا أنه اختار طريق النفاق فأظهر الإسلام وأبطن خلافه.
وهنا يأتي السؤال: ما سبب ذلك الاختيار مع قدرته الاجتماعية على المخالفة العلنية؟ من الواضح أن سبب ذلك، يكمن في أن نفاقه لم يكن مجرد تردد بين الإيمان والكفر، بل كان خيارًا واعيًا مدفوعًا بمزيج من الدوافع السياسية والاجتماعية والنفسية، التي جعلته يؤثر ستر ما يبطنه بالموافقة الظاهرية للإسلام على الجهر بالكفر، خشية ما يترتب عليه من تبعات. لكن ما هذه الدوافع التي حولت الرجل من سيدٍ متوقع للمدينة إلى زعيم للنفاق؟ من خلال مطالعة سيرته وما ورد في أخباره، تتجلى جملة من الدوافع التي حفزته على السير في درب النفاق، والتي منها:
١- الدافع السياسي السلطوي
يُعد الدافع السياسي هو حجر الزاوية في نفاق “ابن سلول”؛ إذ ارتبط نفاقه ارتباطًا وثيقًا بإجهاض مشروع زعامته على يثرب، وكانت يثرب قبل الهجرة تعاني من حروب أهلية مدمرة بين قبيلتي “الأوس والخزرج” كحرب “بُعاث”.. وفي خضم هذه الفوضى، اتفقت القبيلتان على توحيد الصف تحت قيادة “عبد الله بن أبي”.
وتشير الروايات التاريخية إلى أنه كان على وشك أن يتوَّج مَلِكًا، بل وتم إعداد التاج له بالفعل، غير أن وصول النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، مثَّل زلزالاً سياسيًّا له ولأتباعه. فالتفاف “الأوس والخزرج” حول العقيدة الجديدة، وإلغاء الانقسامات القبلية لصالح الأخوة الإسلامية، سحب بساط السلطة الشعبية من تحت قدمي “ابن سلول”، فبدلاً من أن يكون الملك الأوحد، وجد نفسه تابعًا للنبي صلى الله عليه وسلم. كان هذا الإحباط السياسي، هو الوقود الرئيس الذي أشعل نيران النفاق في نفس “ابن أُبي”.
ولم يقتصر الأمر على فقدان السلطة الدنيوية، إنما تعدّى ذلك إلى الحسد على المكانة الروحية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أدرك “ابن سلول” أن قوة النبي صلى الله عليه وسلم تكمن في كونه رسولاً من السماء، وهي مكانة لا يمكن منافستها عبر الزعامة القبلية التقليدية، فأصابه الإحباط الذي تحول إلى حقد وحسد على هذه المنزلة الإلهية. فكان نفاقه يهدف إلى تقويض هذه المكانة للنبي صلى الله عليه وسلم عبر إثارة الشكوك، والطعن في الأحكام والقيادة العسكرية له؛ لإثبات أن القيادة الدنيوية القديمة التي يمثلها أكثر كفاءة من القيادة النبوية الجديدة، ومن ثم أراد فشل هذا النموذج الجديد، وعودة الأتباع إلى زعامته المفقودة.
٢- الدافع الاجتماعي القبلي
كانت التزامات “ابن سلول” الاجتماعية والقبَلية، عاملاً حاسمًا في اختياره البقاء ظاهريًّا في صفوف المسلمين، فبدلاً من الانعزال التام، أراد أن يحافظ على عشيرته وأتباعه، حيث كان له كثير من الأنصار والأتباع، ومعظمهم دخلوا في الإسلام، ولو أعلن كفره الصريح لفقدهم بالكلية، ولتخلَّت عنه حتى عائلته القريبة (فابنه “عبد الله” رضي الله عنه كان من كبار الصحابة)، فسمح له النفاق بالحفاظ على ولاء الأتباع الذين ترددوا في الالتزام الكامل بالإسلام.
كما أنه أراد أن يتجنب العزلة الاجتماعية.. فبعد أن أصبحت المدينة دار هجرة ومركزًا للدولة الإسلامية، صار الوجود الاجتماعي مرتبطًا بالانتماء للجماعة المؤمنة، ومن ثم كان الانفصال التام يعني النبذ والعزلة الاجتماعية والسياسية، وهو أمر لا يطيقه رجلٌ اعتاد أن يكون سيدًا.
ولم يكن نفاق “ابن سلول” موجهًا ضد النبي صلى الله عليه وسلم كشخص فقط، إنما ضد مرجعية الشريعة التي باتت تحكم المدينة؛ حيث شعر “ابن سلول” بأن القواعد والأعراف الاجتماعية القديمة التي كان هو سيدها، قد استُبدلت بقواعد إلهية جديدة لا يمكنه التلاعب بها، فاستخدم النفاق وسيلة للطعن في شرعية هذه القواعد الدينية، وإظهارها كقواعد غير عملية أو غير عادلة.
٣- الدافع الاقتصادي والتجاري
كانت التجارة في “يثرب” تعتمد على شبكة معقدة من العلاقات مع القبائل اليهودية (بني قينقاع، بني النضير، وبني قريظة) من جهة، وكذلك مع مشركي العرب في القوافل من جهة أخرى، فلو أعلن “ابن سلول” كفره، لربما انقطعت صلته بالمجتمع المسلم الذي يُعلي من شأن الأمانة والوفاء. فكان التظاهر بالدين يمنح “ابن سلول” صفة “الائتمان”، ليظل تاجرًا مقبولاً في السوق الإسلامية الناشئة.
ولو أخلص إسلامه، لوجب عليه معاداة شركائه التجاريين من المشركين واليهود الذين يعادون الإسلام. وكذلك فإن تكلفة التظاهر بالإسلام -مثل دفع الزكاة أو الخروج الشكلي في بعض الغزوات- هي تكلفة زهيدة مقارنة بالعوائد التي سيجنيها من شركائه غير المسلمين، لذا كان النفاق هو “المنطقة الرمادية” التي تسمح له بمواصلة التجارة مع الجميع دون خسارة أي طرف، فهو مسلم أمام السلطة الجديدة، لكنه لا يزال الحليف الموثوق للقبائل اليهودية والمشركين الذين يشاركونه المصالح المالية.
٤- الدافع النفسي والشخصي
كانت شخصية “عبد الله بن أبي” مهيأة لاستيعاب النفاق بسبب سمات نفسية وذاتية مركبة، أبرزها مزيجٌ من الكبْر والغطرسة والحسد والبًغضاء. فكان لدى “ابن سلول” شعور بالتفوق على الغير، وكان يعتقد أنه أذكى وأكثر دهاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أعز وأرفع مقامًا منه ومن أصحابه. هذه الغطرسة جعلته لا يقبل الإسلام ويذعن لأحكامه، وظن أنه قادر على التلاعب بالمواقف وإدارة الأزمة من وراء ستار، فهذا الشعور بالنخبوية هو ما دفعه للتمادي في نفاقه.
وكذلك كان “ابن سلول” يفتقر إلى الشجاعة اللازمة لمواجهة النبي صلى الله عليه وسلم علانية، خصوصًا بعد الانتصارات المتتالية للإسلام، حيث تشير الروايات إلى أنه كان في البداية يظهر بعض الشدة في معاملته للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أن انتصر المسلمون في “بدر” فأعلن النفاق قائلاً: “هذا أمر قد توجه”. ولا أدل على جبنه من كونه لما لم يستطع أن يؤثر في المجتمع المسلم بشتى الوسائل، بدأ بنشر الشائعات، كما حدث في حادثة “الإفك”، محاولاً تشويه سمعة النبي صلى الله عليه وسلم والبيت النبوي الطاهر.. فكان النفاق هو آلية الهروب الجبانة؛ حيث يسمح له بالاعتراض والانتقام، دون تحمل عواقب الكفر الصريح أو التمرد المسلح.
وختامًا: إن تأمُّل دوافع “ابن سلول” للنفاق، التي انطوت على نوازع متشابكة بين سلطان ضائع، وجاهٍ مهدور، ومصلحة خاف عليها من الضياع، ونفسٍ خبيثة، يفتح للمتدبر بابًا واسعًا لفهم سنن النفوس.. فلم يكن نفاقه حادثة معزولة في سجل التاريخ، بل كان مثالاً جاريًا لما تؤول إليه النفوس إذا آثرت المطامع على المبادئ. وإن في استحضار هذه الدوافع اليوم لعبرة بليغة، إذ تتكرر صور النفاق بأشكال جديدة، وتلبست ثوب المبادئ والشعارات، بينما تحركها في الباطن دوافع مشابهة: حرصٌ على المكاسب، أو قلقٌ على المكانة الاجتماعية، أو اضطرابٌ نفسي بين ما يعلن وما يضمر.
فمن وعى سرّ تلك الدوافع لم يغتر بزخرف القول، ولم يأنس إلى ظاهر المواقف حتى يمتحنها بميزان المصالح والمقاصد، وعرف أن كثيرًا مما يُرفع من شعارات إنما تحركه خشيةُ فَقْد، أو طلبُ جاه، أو صراعٌ مكتومٌ في باطن النفس.. والفائدة الأسمى من معرفة ذلك ليست في التشهير بالأشخاص، ولا في اجترار الوقائع، إنما في تقويم البصائر، وترشيد الأحكام، وتزكية النفوس من عبودية المصالح.. وبهذا يغدو التاريخ مرآة للواقع، ومصباحًا للمستقبل، لا يُتلى للعظة فقط، بل يُستنطق ليهدي، ويُستحضر ليحفظ الأمم والأفراد من أن تلدغ من الجحر نفسه مرةً بعد أخرى.
——————–
(*) عضو هيئة التدريس، جامعة الأزهر / مصر.


