اخترقت البيئات الرقمية حياة الشباب في جميع أنحاء العالم، وقد ناقش الجغرافيون ظهور مجموعة سكانية عالمية من الشباب الذين وُلدوا في العصر الرقمي، وينشأون باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في حياتهم اليومية. وغالبًا ما يُشار إلى هذه الفئة من الشباب المتصلين بالشبكة باسم السكان الرقميين (Digital Natives).
حتى الآن، لم يقم أحد بتحديد إجمالي عدد السكان الرقميين، خاصة في العالم النامي. وقد ترك ذلك بعض الأسئلة الرئيسية دون إجابة: ما حجم هذه الفئة من السكان الرقميين؟ وكيف يتم توزيعهم جغرافيًّا من حيث مستويات التنمية الاقتصادية؟ وماذا عن هذا الشباب، والشبكات، والتعليم، والسياسات، والقضايا الأوسع الأخرى؟ لذا يقدم هذا البحث محاولة أولى لقياس عدد السكان الرقميين في مدينة دمنهور.
يقوم مجتمع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على ملايين الهواتف والحواسيب المنتشرة، وملايين الوصلات الشبكية، ويتم فيه إرسال واستقبال عشرات المليارات من الرسائل المعلوماتية في جميع أنحاء العالم.
ولم تعد الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مجرد أداة لتسهيل وتيسير الأعمال المؤسسية والفردية، بل أصبحت ضرورة قصوى لمواكبة المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم. هذه المتغيرات باتت تشكّل أساس قرارات الدول والأفراد، كما أصبحت هذه التكنولوجيا عماد الاقتصاد في بعض الدول، وتشكل جزءًا مهمًّا من اقتصاد جميع دول العالم.
ويُعد السكان الرقميون المحركين الرئيسيين في تبنّي واستخدام وتأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وقد لعبت هذه التكنولوجيا دورًا مركزيًّا في صعود الشباب إلى الواجهة على المستوى العالمي، وساعدتهم على التعبئة خلف قضايا مشتركة، والتعاون، ومنحتهم صوتًا بعد أن كانوا بلا صوت. ومن ثم، فهم في حاجة إلى سياسات سكانية جديدة تلبي احتياجاتهم وتكبح جنوحهم.
والمواطنون الرقميون هم الجيل المتحدث بطلاقة لغة الأجهزة الرقمية، مثل الحواسيب، وألعاب الفيديو، والإنترنت. وبعبارة أخرى، هم الجيل الأول الذي نشأ مع التكنولوجيا الحديثة، وعاش حياته محاطًا بأدوات وألعاب العصر الرقمي. فالبريد الإلكتروني، والهواتف المحمولة، والرسائل الفورية ليست مجرد جزء من حياتهم، بل مكوّن أساسي فيها.
وفي جميع أنحاء أوروبا، لا تقل نسبة الشباب الذين يُعدّون من السكان الرقميين عن 79%، بينما تنخفض هذه النسبة في إفريقيا إلى 9.2%. ووفقًا لدراسة أُجريت عام 2024، بلغ عدد السكان الرقميين نحو 693 مليون نسمة من سكان العالم، أي بنسبة 7.2%، وهم الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا. وتمثل هذه الفئة نسبة كبيرة من مستخدمي الإنترنت، كما يزداد الاعتراف بهم من قبل الحكومات والمجتمع الدولي بوصفهم عوامل تغيير قوية، إذ إن إشراكهم في الحياة السياسية يُعد أمرًا حيويًّا لتحسين العمليات الديمقراطية.
والمتحدثون الأصليون للرقمنة هم الجيل الأول الذي نشأ مع التكنولوجيا الجديدة، حيث عاشوا حياتهم بأكملها في بيئة رقمية، مستخدمين أدواتها وألعابها. فالبريد الإلكتروني، والهواتف المحمولة، والرسائل الفورية ليست فقط جزءًا من حياتهم، بل عناصر لا تنفصل عنها.
ويُعرَّف المواطن الرقمي بوصفه مزيجًا من ثلاثة عوامل: العمر، والخبرة، والنطاق. وتشمل الخبرة الأشخاص الذين استخدموا الإنترنت لفترات طويلة، حتى وإن لم ينشؤوا معه منذ الصغر، إذ كانوا “مغمورين” به لفترات ممتدة. واستنادًا إلى هذا المفهوم، يمكن قياس الخبرة المطلوبة لتصنيف الفرد كمواطن رقمي بعدد السنوات التي قضاها على الإنترنت، أو بمقدار الوقت الذي يمضيه في استخدامه.
وتُظهر الدراسات الاستقصائية حول المراهقين أن استخدامهم للتكنولوجيا يتركز بشكل أساسي في الألعاب، والمراسلة النصية، واسترجاع المحتوى عبر الإنترنت، بينما يكون استخدام الأطفال الأصغر سنًّا أكثر بساطة، إذ يقتصر على الكتابة، وإنشاء الصور، والألعاب الأساسية.
ووفقًا لدراسة ستوكس (Stokes) في الولايات المتحدة، فإن جميع الأشخاص المولودين قبل عام 1980 يُعدّون مهاجرين رقميين؛ إذ لا يلجؤون إلى الإنترنت أولاً للحصول على المعلومات، ويفضلون قراءة الأدلة بدلاً من التعلم الذاتي، ويقومون بطباعة رسائل البريد الإلكتروني والمستندات القابلة للتعديل، ويميلون إلى عرض الروابط بشكل مادي بدلاً من إرسالها إلكترونيًّا، ويتحدثون بلغة تقليدية.
وفي ملخص لبرنامجه البحثي الذي استمر خمس سنوات، توصّل برينسكي (Prensky) إلى أن: “معظم الشباب يستخدمون الشبكات عبر الإنترنت لتوسيع دوائر صداقاتهم، ويتنقلون بينها، وغالبيتهم يستخدمون وسائل الإعلام الجديدة للتسكع (hang out)”.
ويتزامن ذلك مع “الثورة الرقمية”، حيث يتميز الجيل الرقمي بكونه “في قلب الثقافة الجديدة لوسائل الإعلام الرقمية”، ويتسم بفضولية استثنائية، واعتمادية على الذات، ونزعة تمرد، وذكاء، وتركيز، وقدرة على التكيف، وثقة عالية بالنفس، إلى جانب توجه عالمي.
وهناك عدة عوامل تؤثر في استخدام السكان لوسائل التواصل الاجتماعي، من أبرزها ثقافة المجتمع وتقاليده، ومستوى التعليم، ونوع المهنة، ومدى الانفتاح على العوالم الأخرى، ويتجلى ذلك فيما يلي:
1. التركيب العمري والنوعي للمستخدمين
عند التركيز على مجموعة من الأنشطة الرقمية، يرى ستوكس (Stokes) أن اتساع الاستخدام، والخبرة، والجنس، والتعليم، تُعد عوامل مهمة – بل قد تفوق العمر – في تحديد من هو الرقمي الأصلي. ويُنظر إلى الرقمنة الأصلية على أنها مزيج من عدة عوامل:
- العمر: الجيل الأصغر الذي نشأ مع التكنولوجيا
- الخبرة: من استخدموا الإنترنت لفترات طويلة أو انغمسوا فيه
- مدى وعمق الاستخدام: من أصبح الإنترنت جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية
2. النشاط الاقتصادي ومستوى المعيشة
توجد مصطلحات عديدة مرتبطة بالسكان الرقميين، مثل: الجيل التالي (Generation Next)، جيل جوجل (Google Generation)، المولودون رقميًّا (Born Digital)، الإنسان الرقمي (Homo Zappiens)، الجيل التكنولوجي (Technological Generation)، والشباب المتمرسون في الإنترنت (Net Savvy Youth).
كما كتب باحثون عن الشباب بوصفهم “متعلمي الألفية الجديدة”، الذين يعيشون “طفولة رقمية” (Digital Childhoods) داخل “عائلات إعلامية” (Media Families).
3. الفجوة بين الجنسين
في دراسة أجراها برينسكي (Prensky)، تبيّن أن عددًا أقل من النساء – مقارنة بالرجال – يعتقدن أن التكنولوجيا قد أثرت في نظرتهم للحياة، وأنها المجال الأهم للدراسة.
ويُعد هؤلاء الشباب مستقبل المجتمعات؛ ومن ثم، فإن النجاح يتطلب فهم اهتماماتهم، مثل تقليل الفجوة بين الجنسين، وتحسين جودة التعليم، وزيادة الوصول إلى التكنولوجيا، والعمل معهم لتحقيق تغييرات إيجابية ملموسة.
4. مهنة المستخدم
أسهمت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جمع الشباب استجابةً لمخاوف اجتماعية مشتركة، وربطتهم عبر حواجز جيوسياسية واسعة. كما أن ريادة الأعمال الشبابية – التي ييسرها الوصول إلى التكنولوجيا والإنترنت والمعلومات – تُعد حلًّا سريعًا لمشكلة توظيف الشباب.
ويستخدم الشباب في المجتمعات ذات الدخل المرتفع التكنولوجيا الرقمية والإنترنت عبر الهواتف المحمولة، والأجهزة اللوحية، وأجهزة الحاسوب للتفاعل مع الأصدقاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والدردشة أو المراسلة الفورية، وتنزيل الموسيقى والاستماع إليها، وممارسة الألعاب مع الأصدقاء أو مع آخرين حول العالم، وتصفح المواقع للترفيه، والكتابة والتدوين، بما في ذلك “التدوين المصغر” (Micro-blog).
ويرى الباحثون أن انتشار هذه التقنيات، والطريقة التي يستخدمها الأفراد في العمل والترفيه، يُعدّ جزءًا من تعريف الرقمي الأصلي، حيث إن السمة المميزة لهؤلاء هي قدرتهم المتقدمة على دمج هذه التقنيات في حياتهم اليومية.
المراجع:
عبد العظيم أحمد عبد العظيم ، جغرافية السكان، مكتبة الإسراء، الإسكندرية، 2024.
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار (2022)، استطلاع رأي الشباب حول استخدامهم للإنترنت، مجلس الوزراء المصري ، القاهرة.
International Telecommunication Union (ITU), (2018), measuring the information society, Report 2017.
Marc Prensky, (2001), “Digital Natives, Digital Immigrants Part 1”, On the Horizon, Vol. 9 Issue: 5, pp. 1-6.
Marilla Svinicki, (2017), Digital Natives: What Are They Learning, If Anything?. The National Teaching & Learning Forum 26:3, 11-12.
Stokes, P. J.G., (2010), Young people as digital natives: protection, perpetration and regulation. Children’s Geographies 8:3, 319-323.
UNDP, (2018), “The Real Wealth of Nations: Pathways to Human Development; Human Development Index (HDI)Frequently Asked Questions (FAQs).


