في عدد أخير من مجلة “حوار” الأمريكية، أثيرت قضية الاهتمام بالعصر الفرعوني وتمييزه عن كافة عصور الحضارة في مصر القديمة والحديثة، ولفتت المجلة الأنظار إلى أن الحضارة الإسلامية هي الأجدر بهذا الاهتمام، لأن فيها مفاتيح الشخصية المصرية المعاصرة التي هي عربية إسلامية قبل أن تكون أي شيء آخر، ولأن الاستمرارية التي يتصف بها الوجدان الإسلامي منذ القرن الأول الهجري -السابع الميلادي- حتى الآن مخالفة تمامًا لانقطاع مصر المعاصرة عن معظم مظاهر الحضارة القديمة.
في متحف الجزيرة بالقاهرة، كانت لنا جولة مع مقتنياته التي ترجع بتاريخها إلى القرن السادس عشر، وهي عبارة عن أوانٍ خزفية، وقطع زجاجية، ومعادن، وطنافس، وكلها حِرَف تشهد بعظمة الفن الإسلامي ومدى أصالته التي ظلت باقية بجمالها ورونقها رغم مرور مئات السنين. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، اتسمت نشاطات الفن الإسلامي ومنتجاته بالتعدد والتنوع، وتكوَّن لكل إقليم من الأقاليم التي خضعت للإسلام طُرُز وأساليب فنية محلية تميز بها.
ولقد كانت هناك سمات مشتركة عامة تجمع بين كل أنشطة الفن الإسلامي في مختلف بلاد الإسلام، لذا فإن الأصالة هي المظهر الأول الهام للفن الإسلامي، إلى جانب الاتجاه نحو التحوير الشديد، والتجريد الذي يتمشى مع طبيعة الفنان المسلم. وتتجسد هذه الاتجاهات التجريدية في الزخارف الهندسية البسيطة منها والمركبة، كالأطباق النجمية التي أصبحت السمة الظاهرة في الزخارف الإسلامية.
والعقيدة الإسلامية دعت إلى تبين مواطن الإبداع في السماوات، وفي الجبال وفي البحار وفي الإنسان نفسه وغيره من المخلوقات، وإلى تدبر خلق السماوات والأرض.
وإن الأواني الفخارية، أي المصنوعة من الفخار المزجج، أصبحت لها مكانة عظيمة بين الصناعات جميعها، ولعل ذلك راجع إلى تفضيلها -بعد الإسلام- على تلك المصنوعة من الذهب، أو الفضة وأواني الفخار المزجج هذه، إلى جانب جمال منظرها وسهولة تنظيفها، أصبحت من خير الوثائق التي تطلعنا على جمال الزخرفة الإسلامية في الأشكال المتناسقة الخطوط، الموزونة الأبعاد، والألوان التي تنمّ عن سمو الذوق ودقة الحس.
أما عن الأواني الزجاجية، فقد مدح سهل بن هارون الزجاج ووصفه في بعض مجالس الملوك فقال: “والشراب في الزجاج أحسن منه في كل جوهر، ولا يفقد معه وجه النديم، ولا يثقل في اليد، وقدور الزجاج أطيب من قدور الحجارة، وهي لا تصدأ، وإن اتسخت فالماء وحده لها جلاء”. وقد استعمل المسلمون النحاس والحديد والبرونز والذهب والفضة في صياغتهم المعادن، ولم يستخدموا إلا التخريم والتكفيت والترصيع في تزيينهم له. وقد بلغوا درجة عالية من التفنن والحرفية في صنع وزخرفة الأسلحة، لدرجة أنهم استطاعوا منافسة أبناء الحضارات الأخرى التي سبقتهم إلى هذه المجالات.
وعن الطنافس الإسلامية، فمن المعروف أن الأتراك هم أول من عرف نسج الطنافس، وكانت في البداية صناعة منزلية تقوم بها الأمهات والبنات والأولاد داخل المنازل، حتى اتسع نطاقها وأنشئت لها المصانع. وعلى الطنافس في العصر الإسلامي، نجد هناك تأثيراتٍ للفن الإيراني والفن المصري، فالسجاد تتوسطه صرة كبيرة مملوءة بالعناصر النباتية، أو مقسم إلى مناطق هندسية مملوءة بالزخارف النباتية. ولقد أعجب الأوروبيون بهذه الطنافس إعجابًا شديدًا، وحمل تجار البندقية منها الكميات الوفيرة، لكي يبيعوها في أسواق أوروبا، وفرشوها في القصور، وفي المتاحف.
هذه الأعمال لا تمثل فقط فصلاً رائعًا من كتاب الحضارة الإسلامية، بل هي أيضًا متعة للناظرين، وهي تحثنا جميعًا على رعاية الفنون الإسلامية، وعلى أن نسبق غيرنا في الاهتمام بها. فقد كان أبرز ما تتميز به تلك الحضارة، كثرة ما أنجبته من أصحاب الاختراعات والمتفننين في حقول الصنائع والفنون، ومنهم من سجل التاريخُ اسمَه بحروف من نور.
في منطقتنا العربية ظهرت أشياء كثيرة عمّ استعمالها في العالم، وقد عُرف العرب بولعهم الشديد أيضًا بعلوم الفلك ورسْم النجوم والكواكب التي انتشرت في كاتدرائيات أوروبا بعدما تأثر بها المعماريون الأوروبيون في كل المتاحف والمباني الدينية، ولا ننسى أن التأثير العربي والأوربي كان تأثيرًا متوازيًا ومتساويًا ما بين العرب وأوروبا، فكما تأثر فنانو أوروبا بفنون العرب، تأثر العرب بالفنون الأوروبية، مثل الثقافات البيزنطية والهيلينية في العصر الأموي، وبداية العصر العباسي، كما ظهرت الخطوط المعمارية والمقرنصات العربية في إيطاليا وفينيسيا، وفنون الفسيفساء التي انتقلت من بلاد المغرب والأندلس، وفي نفس الوقت عرف تصدير البنّ الذى اشتهر به الصوفيون (أفراد الطرق الصوفية).
هناك رسوم لفناني إيطاليا المستشرقين، منهم “فرديريكو باتوليني” الذي رسم المقاهي بعد أن عرف الإيطاليون البنّ وطقوس تناول القهوة ومشتملاتها من الكنكة والصواني والفناجين؛ حيث امتزجت حضارة المتوسطـ، وأسفرت عن نتاج تراث فريد متواصل بين شعوب المتوسط يربطها التجارة وتبادل الخبرة والتقنية في الحِرَف التقليدية. كما لعب الخزف التركي الشهير “إزنيك” دورًا اقتصاديًّا وتراثيًّا، ويعتبر من روائع الفن العثماني الذي انتقل فيما بعدُ إلى بلدان المتوسط في دمشق ورودس مع صناعة النسيج والسجاد والأشكال المعدنية، إلى أن أصبح في القرن التاسع عشر ذا أهمية كبيرة لصناعة الخزف في إيطاليا.
وهذا ما عرفناه عن طريق رحلات “ابن بطوطة”، كما أن الرسوم المنقوشة كانت السبب في معرفة الأثريين المتخصصين بأماكن ومراكز الورش التي جاءت نتيجة هجرة الصناع والحرفيين المهرة داخل المتوسط، مما أضاف إلى ثراء هذا التراث المتوسطي وأهميته، وأصبح سمة الثقافة البيزنطية والساسانية والقبطية.
حينما نتحدث عن التراث -سواء أكان ملموسًا أم غير ملموس مما تضمنته وثيقة حقوق الملكية الفكرية التابعة لمنظمة التجارة- فلا بد وأن نذكر ما يمثله التراث غير الملموس في الفولكلور والملاحم القشتالية والشعر العربي، وكيف كان تأثيرها على عمائر المدنيين في قشتالة وليون وأرجون في بلاد الأندلس. فإن المثل الذي نكرره، والغنوة التي نرددها، والحكاية التي نستعملها، والأسطورة التي نسمعها، والملحمة التي نرويها، كلها تعني باختصار” الفلكلور الشعبي” بأنواعه الذي يقال إنه صناعة نسائية؟ هذا ما تؤكده الآراء والحكايات.
ففي الأسطورة: ظلت ” بنيلوبي” زوجة البطل “أوليس” عشرين عامًا قابعة في بيتها لا تقترب من بابه، هي في الداخل والعرسان عشرات بالخارج، كل يطلب ودّها بعد أن غاب زوجها وطال السفر، لكنها ظلت طوال السنوات ممسكة بخيوط الصوف تصنع ثوبًا له، كلما طرقوا بابها قالت سأفكر في الزواج بعد أن أنتهي ما بيدي، وكلما أوشكت الخيوط أن تكون ثوبًا، فكّتها من جديد حتى لا تتزوج أبدًا بغير زوجها المنتظر. هكذا “بنيلوبي” في الأسطورة؛ وفيَّة، مخلصة، ومثلها “إيزيس” التي ملأت نهرًا بدموع الحب.
وفي الحدوتة كما في المثل هي دائمًا “ناعسة” الصابرة الكريمة الحنون، لها من الأهمية في الحياة درجة لا تنكر، ولها من الحكمة ما يحل بكلمة أعقد المشاكل، هكذا هو وضع المرأة في الفولكلور الشعبي مما يدفع بالتساؤل حقًّا: هل المرأة هي صانعة الفولكلور الشعبي المتمثل في الغنوة والحكاية والأسطورة والسيرة الشعبية؟ إن على الغنوة ينام صغيرها، وبالمثل الشعبي تستشهد على صدق حديثها، حتى إن الرجل إذا ما حاول الاقتراب من عالم الأمثال الشعبية مستعينًا بواحد منها، قيل إنه يتحدث كالنساء، وإذا ذكر مثلاً واحدًا أمام المرأة أمطرته بعشرات الأمثلة. لقد أحدث هذا التساؤل اختلافًا وإجماعًا في نفس الوقت.
وإن اختلفت الآراء حول “صانع الفولكلور”، إلا أنها اجتمعت على أن الأقدر على نقله امرأة، فهي قادرة على إحياء المثل بتطعيم أحاديثها به، والحكاية بروايتها في مجالس الجيران والصديقات، والغنوة بأن تهمس بها في أذن صغيرها قبل النوم.
إن المرأة أكثر راوية للأمثال، فهي ترى فيها وسائل التعبير المتاحة، تفرغ من خلالها شحناتها الانفعالية، لتقاوم بذلك الكثير من ضروب الكبت التي تعرضت لها خلال الأزمنة المختلفة. فالمثل في مثل هذه الحالة يتحول إلى نوع من المقاومة الأقل عنفًا، ويتناسب مع ما عرفت به المرأة من رقة ولطف ووداعة، وإن ظل المثل الشعبي عنصرًا من عناصر التراث أو الفولكلور الذي يصعب تحديد قائله أو زمن نشأته، فهو عرضة للحذف والإضافة والتغيير حسب الظروف الاجتماعية والثقافية السائدة.
ولا يعتقد أن الأمثال الشعبية إبداع نسائي بحت، بدليل أن هناك الكثير من الأمثال تدور حول مهن لم تزاولها المرأة، كتلك الأمثال التي تتحدث عن الحلاقين والملاحين والحدادين والسائقين والجزارين، وغير ذلك من المهن والحِرَف التي يستأثر بها الرجال في عالمنا العربي.
هناك رأي الآخر يقول بأن المرأة أكثر التصاقًا بالواقع الذي يخرج منه المثل الشعبي، فهي أكثر معايشة للابن والصديقة والجارة والجو الاجتماعي المحيط، في الوقت الذي ينصرف الرجل فيه إلى عمله بعيدًا عن الحياة الاجتماعية، فلا يستغرق فيها لدرجة تسمح له ببلورة المواقف في جملة أو حكاية، ولا ننكر دور النشأة وتأثيره على المرأة، فهي أكثر معاناة من المشاكل النفسية، ولا يعطيها المجتمع الحق في التعبير عن نفسها منذ نعومة أظفارها.
هذا يجعلها تلجأ لأسلوب التورية والمواراة، فتكون الحكاية والمثل، وهي بالتأكيد أكثر استخدامًا لهما لتتحدث عما بداخلها وتستشهد عليه من دون أن تصرح بأنه لها، لذا فهي التي بدأت بتغيير شخصيتها في الخيال وابتداع القصص والحكايات والأمثلة، لتملأ بها حياتها.وإذا رجعنا إلى خيال المرأة ولجوئها إلى إثبات ذاتها أمام ذات الرجل عن طريق الأمثال الشعبية والحكايات الخيالية والقصص التي تثبت مقدرتها وتشعرها بأهميتها في المجتمع، لوجدنا أن هذه الحكايات تظهر المرأة على أنها ذات قدرات كبيرة وأهمية أكبر.
أما ناقلة الحكايات فهي امرأة تحاول استخدام تلك الصور لتسهيل مهمتها، وحتى القصص والحواديت التي تصور المرأة في صورة البطلة، هي محاولة لتكون بها أكثر اقترابًا من الرجل، فهي فارسة في الأساطير ترتدي ملابس الرجل، ولها قوته الجسدية، بالإضافة إلى قوة الدهاء، وذلك كله محاولة لتعميق الثقة بنفسها. إنه تراث فلكلوري اعتنت به الأمم وحافظت عليه ووثقته.
——————–
(*) سفيرة بوزارة الخارجية المصرية / مصر.
المراجع
(1) Hillenbrand، Robert. Islamic Art and Architecture، Thames & Hudson World of Art series; 1999، London.
(2) Madden، Edward H. (2024). “Some Characteristics of Islamic Art”. Journal of Aesthetics and Art Criticism. 333 (4): 423–430.
(3) Mason، Robert B. (2024). “New Looks at Old Pots: Results of Recent Multidisciplinary Studies of Glazed Ceramics from the Islamic World”. Muqarnas: Annual on Islamic Art and Architecture. XII. Brill Academic Publishers.
(4) كتاب اللطائف والظرائف، لعبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي (ت:٤٢٩هـ)، دار المناهل للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ١٩٩٢م.


