منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض وهو يبحث عن معنى القوة والجدارة، لكنّ المفاهيم تباينت وتغيّرت مع العصور. فالناس قد يظنون الرجولة في شدة البدن، أو في ارتفاع الصوت، أو في فرض السيطرة على الآخرين. غير أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قد أعادا تعريف الرجولة لتكون قيمةً إنسانيةً عاليةً تتجاوز المظهر والسن والجنس إلى الموقف والمبدأ والمسؤولية.
الرجولة الحقّة ليست لقبًا يُمنح، بل مقام يُكتسب بالصدق والثبات والعطاء.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾[الأحزاب: 23].
هذه الآية تجعل الرجولة شهادةً إلهية بالصدق والثبات على العهد، لا صفة بيولوجية ولا امتيازًا ذكوريًّا. فهي وصف نادر يبلغه من عاش لمبدئه، وثبت عند الفتن، ولم يبدّل أو يتراجع.
الرجولة في الوحي: مسؤولية وصدق
حين نفتح القرآن، نجد أن كلمة رجال تتكرر في سياقات عظيمة، دالّة على معاني التفرّد والسموّ. قال تعالى في وصف المصلين الذاكرين: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾[النور: 36-37].
فالرجولة هنا تعني الانتصار على غوايات التجارة والمال، والانتصار على شهوة الربح العاجل لصالح ذكر الله، أي إنها وعي بالغاية وسموّ في الأولويات.
أما السنة النبوية فقد ربطت الرجولة بالمسؤولية، فقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» [1]. هنا يقرر الرسول أن الرجولة ليست سلطة ولا استعلاء، بل تكليف ثقيل يقوم على الرعاية والرحمة والعدل.
رؤية العلماء والمربين
لقد حاول العلماء والمربّون أن يحددوا معالم الرجولة كما عرّفها الوحي. ففي إحدى محاضراته قال الشيخ حسن أيوب رحمه الله: “الرجولة أن تتكرم وتتجمل وتتحمل” [2].
وهي عبارة جامعة تلخّص معاني الرجولة في ثلاثية بديعة:
– التكرم: أي العزوف عن الدنايا، والترفّع عن صغائر الأمور.
– التجمل: أي حسن الخلق والتزين بالأدب والمعاملة الطيبة.
– التحمل: أي الصبر على أعباء الرسالة ومشقات الحياة.
أما الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا في كتابه صور من البطولة في حياة الصحابة، فقد جعل الرجولة مرادفًا للبطولة، واعتبرها الثبات على المبدأ ولو كان ثمنه الحياة ذاتها [3]. فهي ليست مجرد شجاعة في المعركة، بل بطولة في الموقف، وصبر في الطريق، ورفض للمساومة على القيم.
وفي رسائل النور يرى سعيد النورسي أن الإيمان هو الذي يحرر الإنسان من أسر الشهوات والذل، فيصنع منه رجلاً بحق. قال: “الإيمان الحقيقي يجعل الإنسان رجلاً، وينقذه من الذل، ويمنحه القوة والحرية” [4].
فكأن الرجولة عنده ثمرة للإيمان العميق الذي يمنح الإنسان شجاعة داخلية تجعله حرًّا أمام الشهوات والضغوط.
الرجولة في علم النفس والاجتماع
ينظر علم النفس الحديث إلى الرجولة من زاوية النضج الانفعالي. فالرجولة الحقّة هي القدرة على ضبط الغضب، وعلى اتخاذ القرار الشجاع دون تهور، وعلى تحمّل تبعات الاختيار. أما الانفعال المفرط أو الهروب من المواجهة فهما علامتان على الطفولة النفسية، لا على الرجولة.
أما علم الاجتماع الإسلامي فيربط الرجولة بالدور الاجتماعي؛ إذ إن الأسرة عماد المجتمع، والرجال هم ركنها الأشد ثباتًا. فإذا ضعفت الرجولة في الأمة، ضعفت معها القدرة على التضحية والإيثار، وغلبت الأنانية، وتفككت الروابط.
ومن هنا قال ابن القيم: “الرجولة صدق العزيمة، وصبر على المكاره، ووفاء بالعهد” [5].
نماذج من السلف
من يقرأ التاريخ الإسلامي يجد فيه نماذج للرجولة الحقة:
– أبو بكر الصديق رضي الله عنه: حين توفي النبي ﷺ ارتجّت المدينة، فثبت أبو بكر وخطب خطبته المشهورة: “من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت” [6]. كانت تلك لحظة رجولة فريدة، إذ وقف بثباتٍ حين انهار غيره.
– عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان رجلاً في عدله، حتى قال: “لو أن بغلة في العراق عثرت، لخشيت أن يسألني الله عنها” [7]. لقد تحمّل مسؤولية الأمة بأمانة، فجعل العدل معيار الرجولة.
– سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: حين ضغطت عليه أمه لتتركه الطعام حتى يكفر بمحمد ﷺ، قال لها: “لو أن لك مئة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني” [8]. هذا الثبات أمام الابتلاء العاطفي رجولة نادرة.
نماذج معاصرة
لم تنقطع مسيرة الرجولة عند السلف، بل استمرت في عصرنا، حيث ظهر رجال جسّدوا المعنى القرآني عمليًّا:
- عمر المختار (1858–1931م): أسد الصحراء وقائد المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي. لم تغره الدنيا، ولم يرهبه السجن، وظل يقاتل حتى استشهد شنقًا. رجولته تمثلت في الثبات والإصرار والوفاء للوطن والدين [9].
- الدكتور عبد الرحمن السميط (1947–2013م): قضى حياته في الدعوة والخدمة الإنسانية بإفريقيا، بنى المدارس والمستشفيات، وأسلم على يديه مئات الآلاف. رجولته تمثلت في البذل والإيثار والعمل بصمت [10].
- المهندس صلاح عطية (1932–2016م): من قرية مصرية، حوّل مشروعًا زراعيًّا صغيرًا إلى نموذج للتكافل، حيث كان يقتطع الشركاء جزءًا من الأرباح لبناء مدارس ومعاهد ومساجد، حتى خرجت من قريته آلاف الكفاءات. رجولته تمثلت في تحويل الاقتصاد إلى رسالة تربوية [11].
- فتح الله كولن (مواليد 1938م): مفكر تركي جعل التعليم والحوار محور عمله، فأسس مؤسسات تربوية وثقافية داخل تركيا وخارجها. رجولته تمثلت في نشر العلم والقيم بعيدًا عن العنف، وفي الإيمان بأن بناء الإنسان أصل كل إصلاح [12].
الرجولة مسؤولية متكاملة
الرجولة ليست غلظة في القول ولا قسوة في الفعل، بل هي مزيج من إيمان راسخ، وخلق حسن، وتحمل للأمانة، وعمل نافع للناس.
إنها القدرة على أن تكون ثابتًا حين ينهار الآخرون، رحيمًا حين يقسو غيرك، شجاعًا حين يتراجع الجميع.
ومن هنا نفهم كيف جعل القرآن الرجولة وصفًا نادرًا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، وكيف جعل النبي ﷺ الرجولة مسؤولية: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
خاتمة
الرجولة الحقة ليست صفةً جسدية ولا شعارًا خطابيًّا، بل هي مسيرة عمر. إنها التزام بالعهد، وثبات على الطريق، وعطاء متجدد.
وإذا أرادت أمتنا أن تستعيد عزتها، فعليها أن تستعيد معنى الرجولة في رجالها: رجولة الصدق، ورجولة التضحية، ورجولة الخدمة.
وحين يعود المسلمون إلى هذا المعنى، سيعودون إلى دورهم في قيادة العالم بالرحمة والعدل.
الهوامش والمراجع
1- البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأحكام.
2- حسن أيوب، محاضرات مسجلة: الرجولة الحقة.
3- عبد الرحمن رأفت الباشا، صور من البطولة في حياة الصحابة، دار الأدب الإسلامي.
4- سعيد النورسي، رسائل النور.
5- ابن القيم، مدارج السالكين، ج2.
6- ابن كثير، البداية والنهاية، ج5.
7- الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج3.
8- الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3.
9- محمد علي الصلابي، عمر المختار: قائد وجهاد.
10- علي العمري، عبد الرحمن السميط: رجل بأمة.
11- وثائق ومقالات حول تجربة المهندس صلاح عطية في التكافل وبناء المؤسسات (انظر: جريدة الأهرام، 2016).
12- فتح الله كولن، ونحن نبني حضارتنا.


