إنعاش القلب والإنقاذ من الموت

أظهرت الدراسات الاستقصائية التي أجريت بين أطباء الإسعاف وأجهزة الإنعاش في المستشفيات أنه أثناء ممارساتهم وجدوا أن ما يصل إلى نصف الذين تم إسعافهم واجهوا ظاهرة متلازمة بعث الحي من الميت (لازاروس) التي توصف علميًّا بأنها تأخر عودة الدوران التلقائي بعد توقف الإنعاش القلبي الرئوي، وكانت أول حالة تم الإبلاغ عنها في تاريخ الطب عام 1982، واستخدمت لأول مرة من قبل براي في عام 1993 وقد صيغ هذا المصطلح من قصة (لعازر) الذي ظل ميتًا أربعة أيام، وتم إحياءه من قبل سيدنا المسيح عليه السلام.

إن القلب عبارة عن مضخة، تدفع الدم عبر الأوعية الدموية إلى جميع أعضاء وأنسجة الجسم، وعندما يتوقف عن الضرب، تتوقف الدورة الدموية، وتبدأ كل الأعضاء بالفشل لأنها لم تعد تحصل على الأكسجين الكافي لبقائها حية.

عادة، لا يمكن تصحيح علاج سبب توقف القلب، وحتمًا سيأتي الموت قريبًا على الرغم من الإنعاش القلبي الرئوي إلا أنه في بعض الأحيان، يكون الإنعاش القلبي الرئوي ناجحًا ويعيد تنشيط القلب، خاصة إذا كان السبب مشكلة قابلة للتجاوب مع التنشيط ونادرًا ما تحدث مشكلة أثناء الإنعاش القلبي الرئوي تمنع القلب من إعادة التشغيل. وتحدث متلازمة لازاروس عندما تحل هذه المشكلة من تلقاء نفسها بعد فترة وجيزة من توقف الإنعاش القلبي الرئوي، ويبدأ القلب في النبض مرة أخرى.

العودة من الموت

في كولومبيا وللمرة الثانية تم إدخال كولومبية إلى وحدة العناية المركزة في مستشفى جامعة كالي حين تعرضت لهجوم نوبة قلبية ثانية، ثم أعلن عن وفاتها. وبعد ساعات قليلة، لاحظ مسؤولو وكالة إعداد الجنائز أن الجثة تتحرك فأعادوها إلى المستشفى.

أيضًا انتهى الأمر بالأمريكي أنتوني ييل في وحدة العناية المركزة بعد أن عانى من توقف التنفس أثناء النوم وبعد ساعات قليلة توقف قلبه لمدة 45 دقيقة، عولج المريض دون جدوى للإنعاش وفي النهاية تم إعلان وفاته بعد أن توقف الأطباء عن بذل كل الجهود، وعندما دخل ابنه لرؤيته لاحظ عودة نشاط القلب على الشاشة فاستمر الأطباء بالإنعاش ونجا الرجل في النهاية.

هذان مجرد مثالين لظاهرة تسمى في الطب “متلازمة لازاروس” أو إنعاش الذات – وهي طريقة استعادة تلقائية لمعدل ضربات القلب الطبيعي بعد محاولات فاشلة للإنعاش الطبي للقلب ووفاة مريض سريريًّا وبيولوجيًّا.

وقد سجلت أول مرة “متلازمة لازاروس ” أو “ظاهرة لعازر” عام 1982، وحتى وقت قريب كان يعتقد أن هذه الظاهرة حدثت 38 مرة، ومع ذلك، قام أربعة علماء أوروبيين هم “ليس جورودون، ماتيو باسكوييه، هيرمان برجر وبيتر بال” بعد البحث في الأدبيات الطبية، بإحصاء 65 حالة موصوفة لهذه المتلازمة وعودة بعض الأشخاص من الموت إلى الحياة، ونتيجة لذلك، نجا 22 ميتًا من الموت، 18 منهم دون أي عواقب عصبية أو جسدية، وعادوا للحياة بشكل كامل كما كانوا للعمل والنشاط وألغيت شهادات وفاتهم.

إنها ظاهرة ما زالت غامضة علميًّا ولا تزال أسباب “متلازمة لعازر” مجهولة، لكن العلماء على يقين من أنه من الضروري أولاً جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول هذه الظاهرة، وثانيًا، نقلها إلى أجهزة الإنعاش، استنادًا إلى البيانات الخاصة بالحالات الـ 65 التي تمكنوا من تحديدها.

أجرى فريق العلماء البريطانيين حسابات إحصائية ووجدوا أن المتلازمة تحدث غالبًا في المرضى الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، وفيما يقرب من نصف المرضى ظهرت علامات الحياة لمدة خمس دقائق بعد نهاية الإنعاش، وفي خمس حالات أخرى في وقت من 6 إلى 10 دقائق، ومع ذلك، في بعض الأحيان ظهرت “متلازمة لعازر” في غضون ساعات قليلة.

الرجوع التلقائي للحياة

إن متلازمة “الإنعاش القلبي الذاتي بعد فشل الإنعاش القلبي الرئوي”، وهو الرجوع التلقائي للحياة تكررت كثيرًا في العديد من دول العالم فهذه امرأة إيرانية عادت إلى الحياة مجددًا بعد توقف قلبها إثر إصابتها بأزمة قلبية، ووضعها في ثلاجة الموتى لمدة 18 ساعة قبل دفنها، في ظاهرة نادرة.

وقال عبد الرضا شاهبازي رئيس قسم العلاقات العامة بجامعة لورستان للعلوم الطبية إن الطبيب الشرعي ذهب إلى المشرحة في الصباح لفحص الجثة وإصدار تصريح الدفن، لكنه رأى المرأة الميتة تتنفس بأعجوبة، وأضاف شاهبازي أن المرأة التي قضت 18 ساعة ميتة رسميًّ ا نقلت إلى مستشفى في خرم آباد حيث تمكن الأطباء من إنعاشها.

إن متلازمة لازاروس هي متلازمة نادرة ولا يوجد هناك أدنى شك بأنها متلازمة حقيقية لكن لا يوجد لها أي تفسير علمي كافي حتى الآن والتفسير الوحيد المعقول على الأقل في بعض الحالات هو احتباس الغازات في الأسناخ الرئوية في نهاية التنفس واختلال العود الوريدي. طالما أن أغلب حالات عودة الدوران التلقائي حدثت خلال 10 دقائق، لذا يجب مراقبة المريض جيدًا لمدة 10 دقائق بعد التوقف عن الإنعاش القلبي الرئوي وقبل تأكيد وفاة المريض.

إلى الآن تمّ تسجيل 38 حالة تم فيها تأخر عودة الدوران التلقائي، كان منهم كان 13 حالة مصابة باحتشاء العضلة القلية و8 حالات مصابة بمرض انسداد الشعب الهوائية، أما التشخيصات الأخرى فكانت تتضمن تمزق أم الدم للأبهر البطني، تمزق الشريان الرئوي، نزيف معدي معوي، القلاء بسبب فشل كلوي، الصدمات النفسية، تسمم بالديجوكسين، الإنتانات والجرعات الزائدة من تناول الأفيونات والكوكائين.

تشير متلازمة لازاروس إلى عودة الدورة الدموية تلقائيًّا بعد توقف القلب عن النبض، وفشلها في إعادة التشغيل على الرغم من الإنعاش القلبي الرئوي. (CPR).

فما هي متلازمة لازاروس؟

يعتقد الكثير من الناس أن الموت يحدث بمجرد توقف القلب عن النبض وتوقف التنفس.

لكن في الواقع، الموت هو عملية تفشل فيها جميع أعضاء الجسم الضرورية للحياة تدريجيًّا. لا تعتبر ميتًا في الواقع حتى تتوقف وظيفة جميع أعضائك، بما في ذلك دماغك، بشكل لا رجعة فيه، وإعلان وفاة شخص ما فور توقف الإنعاش القلبي الرئوي يترك الباب مفتوحًا لحدوث متلازمة لازاروس.

يمكن للأطباء تجنب ذلك عن طريق:

– الانتظار لمدة 10 دقائق على الأقل بعد توقف الإنعاش القلبي الرئوي قبل إعلان وفاة شخص ما.

– الاحتفاظ بجهاز مراقبة القلب متصل بالشخص لتأكيد فقدان نظم القلب لمدة 10 دقائق أو أكثر.

– فصل الجهاز المستخدم للتهوية لمدة 10 ثوان لتخفيف احتباس الهواء عند الاشتباه به.

– الأهم من ذلك، يحتاج العاملون في المجال الطبي إلى تأكيد فقدان وظائف أعضاء متعددة قبل إعلان الوفاة، وهذا يتضمن:

– قلة عدد نبضات أو أصوات القلب المسموعة.

– عدم وجود نبض واضح.

– عدم الاستجابة للألم

ليس معروفًا حتى الآن سبب حدوث متلازمة لازاروس، ولكن هناك العديد من النظريات التي قد تفسرها. دعونا نلقي نظرة على بعض الاحتمالات.

حبس الهواء:

حبس الهواء هو التفسير الأكثر شيوعًا لمتلازمة لازاروس. من المرجح أن يحدث ذلك عند الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن ((COPD.

عندما يتم دفع الهواء إلى الرئتين بسرعة كبيرة أثناء الإنعاش القلبي الرئوي (فرط التنفس)، فلا يوجد وقت لإخراج الهواء، وبالتالي يتراكم، وهذا ما يسمى محاصرة الهواء.

مع تراكم الهواء، يزداد الضغط داخل صدرك وفي النهاية يرتفع الدم لدرجة أنه يواجه صعوبة في الانتقال عبر أوردة الصدر إلى القلب، فيواجه القلب مشكلة في ضخ الدم إلى أعضاء الجسم، وبالتالي يحدث:

– توقف الدورة الدموية.

– يسبب السكتة القلبية.

– منع القلب من إعادة التشغيل أثناء الإنعاش القلبي الرئوي.

عندما يتوقف الإنعاش القلبي الرئوي، يبدأ الهواء المحبوس في مغادرة الرئتين، مما يقلل الضغط في الصدر، وفي النهاية، يمكن أن يتدفق الدم من الجسم إلى القلب ويتم ضخه إلى باقي أجزاء الجسم وحينها تعود الدورة الدموية، ويمكن أن القلب قد أعاد تنشيط نفسه.

الأدوية والصدمة والعكس

يجب أن تصل الأدوية التي يتم إعطاؤها أثناء الإنعاش القلبي الرئوي إلى القلب حتى تعمل، وعندما يمنع حبس الهواء الدم من العودة إلى القلب، لا يمكن لأي شيء في دمك بما في ذلك الأدوية التي يتم إعطاؤها عن طريق الوريد في الذراعين أو الساقين، الوصول إلى القلب.

بمجرد أن يتحلل حبس الهواء ويصبح الضغط في الصدر منخفضًا بدرجة كافية، يتدفق الدم إلى القلب حاملاً الدواء معه، وإذا كانت الأدوية فعالة، فستعود الدورة الدموية بشكل تلقائي.

أثناء الإنعاش القلبي الرئوي، يمكن استخدام مزيل الرجفان لإرسال صدمة كهربائية إلى القلب لمحاولة إعادة تشغيله أو إعادة ضبط نظم القلب غير المنتظم المعروف باسم عدم انتظام ضربات القلب.

في بعض الأحيان يكون هناك تأخير بين الصدمة وتأثيرها. إذا كانت طويلة بما يكفي، فيبدو أن الدورة الدموية تعود تلقائيًّا وليس بسبب الصدمة.

وهناك أسباب أخرى قابلة للعكس، إذ يمكن لبعض الحالات مثل ارتفاع مستوى البوتاسيوم أو وجود الكثير من الأحماض في الدم أن تتسبب في توقف القلب عن النبض، وعادة ما يتم علاج هذه الحالات أثناء الإنعاش القلبي الرئوي، ولكن قد يستغرق حلها بعض الوقت. إذا لم تتحسن حتى يتوقف الإنعاش القلبي الرئوي، فإن الدورة الدموية قد تعود تلقائيًّا.

إن متلازمة لازاروس نادرة جدًّا. وقد وجد تقرير حالة واحد لعام 2015 وتم الإبلاغ عن 32 حالة بين عامي 1982 و200، وفي معظم الحالات الموثقة لمتلازمة لازاروس عادت الدورة الدموية في غضون 10 دقائق من إيقاف الإنعاش القلبي الرئوي.

 

مراجع:

*Hornby K, Hornby L, Shemie SD (2020). “A systematic review of autoresuscitation after cardiac arrest”. Crit. Care Med.

*Ben-David M.D., Bruce (2018). “Survival After Failed *Intraoperative Resuscitation”: A Case of “Lazarus Syndrome”.

Woman Declared Dead, Still Breathing in Morgue”. Fox News. 2018-10-07. *