خرجتُ إلى الشارع هائمًا على وجهي بغير وِجهة معلومة أو اتجاه صحيح.. كنتُ في حال يُرثى لها، وكنت أظنُّ أنني أكثر الناس بؤسًا في تلك اللحظة.. كان ضوء النهار قد خَفَت وأوشك سيف الظلام أن يسحب رمق النهار الأخير.

منذ أيام فقدتُ ابنتي الكبرى، وواريتها تحت الثرى بيديّ وأنا أُغرق رَمَس قبرها بدمعاتي الحارة.. كنت أبكي وأنا أرثيها وأُعَدِّد محاسنها وأُذَكّرها بلحظاتنا السعيدة سويًّا، لكن صوت بكائي لم يبلغ آذانها ولو بلغ فما يُجدي صوتي أمام جدار الموت العملاق. كانت ستكمل عامها السابع بعد أيام، وكُنت أُحَضّر لمفاجأتها في ذلك اليوم، لكن الموت كان أسرع مني في مفاجأته لها.

مَرّ أكثر من شهر على فراق ابنتي وما زلتُ على حالي. غابت شمس حياتي وأضحى كل شيء باهتًا. شعرتُ أن حياتي قد توقفت عند تلك اللحظة ولن يتحرك قطارها مرة أخرى. مع أن الله قد رزقني بابنة أخرى في الثالثة من عمرها الآن، إلا أنني كنت غاضبًا مضجرًا ساخطًا على ما حدث للكبرى، وكنت من هول الصدمة لا أطيق النظر للصغرى، ليس كرهًا لها ولكن خوفًا من التعلق بها ثم يخطفها الفقدان مني.

كانت وساوس نفسي تتمادى في العراك داخل أركان صدري، وكانت الخواطر بعقلي تصل إلى حد يُفضي إلى مبارزة قضاء الله.

لِمَ ابنتي؟ لِمَ هي بالتحديد والعالم مليء بالآلاف من العَجزة والشيوخ الذين عاشوا حياة طويلة اكتفوا من كل شيء فيها؟ ولِمَ أنا الذي يُحرم من ابنته وقد انتظرت قدومها بفارغ الصبر؟ لَمْ يكن لدي سواها وأختها، وغيري لديهم الكثير ولم يصبهم شيء.

غالبتني تلك الخواطر الشيطانية وامتزجت بدمعات حارة أفرزتها عيني التي أوشكت على الجفاف.. أخذني شارع إلى آخر، وفوتتني حارة إلى أختها دون عِلْم أين أنا أو ماذا أفعل.. دَثّر الظلام صفحة السماء بغطائه الأسود، وسكنتْ أصوات النهار واستيقظتْ أصوات الليل.. شعرتُ أنني فقدت بصري كما فقدت مشاعر قلبي وعنفوان روحي، كانت قدماي تَحُثّ من سيرها رغم جهلها بأي وجهة أريد، وكانت سلواي في تلك الفترة في الخروج إلى الشوارع والسير دون هدى.. كنت أهرب من البيت لئَلا أرى ذكرياتها التي تنتشر في كل أركانه، وكنت أخرج لأتأمل فضاء السماء هربًا من داعي الجنون الذي صار يطاردني بضراوة.

وبينما كنتُ أسير في تلك الحال وجدتُ نفسي في شارع ضيق مظلم، لم أكن بالفعل أرى أمامي لكني أكملت السير حتى اصطدمتُ بشيء ما أو على الأرجح شخص ما.. عرفت ذلك من صوت آهاته التي صاح بها حين وقع أرضًا على أثر ارتطامنا معًا.. كانت نبرة صوته وأنّاته تشير بوضوح أنه عجوز، دققتُ النظر قليلاً وانحنيتُ نحوه لآخذ بيده حتى أقمته واقفًا.. كانت حركة أنفاسه سريعة وانحناء قامته يوحي بضعفه الشديد.. أخذتُ بيده حتى أساعده في الوصول إلى وجهته، فطلب أن أحضر له عُكّازه الذي فقده حين انكفأ.. تحَسستُ الأرض حتى وجدت العُكّاز، فأعطيته له ثم أخذت بيده ومشيت بجواره.

لم يتحدث معي ولم يوجّه لي أي كلمات حتى إنه لم يلُمْني على الارتطام به، فقط كان يتمتم ببعض الكلمات التي يرددها من يئسوا من الدنيا واتجهوا نحو الآخرة قبل أن يُعَاجلهم الموت بأخذهم إليها.. سار الرجل بجواري ممسكًا بيدي لمسافة طويلة وكأنه لا يدري أن هناك من يأخذ بيده، حتى وكأنه يجهل المكان الذي يريد الذهاب إليه، حينها قررتُ أن أسأله.

إلى أين تريد الذهاب يا عم؟

لم يَردّ عليَّ وكأنه لم يسمعني، فهززتُ يده التي أمسك بها وأنا أُعيد السؤال ذاته بنبرة صوت أعلى.

توقف فجأة ونظر نحوي ثم قال متعجبًا.

إلى أي مكان يا بني، فكل مكان هو أرض الله.

تأكدتُ في تلك اللحظة أن هذا الرجل من المجاذيب أو من المعتوهين منزوعي المأوى.

أنت إذن ليس لك مسكن.

كل مكان في أرض الله هو مسكني يا بني.

وأين هم أهلك؟

ومن هم أهلي؟

زوجتك، أبناؤك، أقاربك؟

سكت الرجل على أثر كلماتي، تاه قليلاً وبدا عليه أنه يسترجع ذكرياته، ثم قال بغير مقدمات:

أجلسني.

لم أناقشه الأمر أيضًا، ونظرت حولي فوجدت أن هناك مقهى صغيرًا يقابلنا، فسحبته نحوه وأجلسته فوق أحد المقاعد وجلست قبالته.. نظرت جيدًا في عيون الرجل التي تَدلّت عليها حاجباه الأشيبان التي رأيتها بوضوح مع نور مصباح المقهى.. قرأت في تلكما العينين كُتبًا من الذكريات التي أدمَع ذكرها تلك العين حتى يبدو أنها جفّت عن البكاء أخيرًا. طلبت لنا الشاي وشربناه سويًّا دون حديث، ثم سألته السؤال ذاته.

أين هم أهلك؟

تنهد العجوز بعمق حتى كادت زفرته أن تطيح بي، ثم نظر في وجهي وأظن أنه قد رأى فيه شيئًا ما شَجّعه على الحديث، وبعدها نظر في الأرض وبدأ يتحدث:

تلك الحياة ليست آمنة على الإطلاق، فأي شيء تمتلكه فيها هو في النهاية ليس لك، وأي شيء تظن أنه يسعدك يومًا ما قد يكون سببًا في تعاستك أيامًا أخرى، أهلي يا بني ذهبوا مع كل شيء يذهب.

كنتُ شابًّا ناجحًا في حياتي، مهندسًا مرموقًا أشيّد البناءات العملاقة لساكنيها، وكأي شاب ناجح في عمله قررت أن أبني عائلة أيضًا، بالفعل تزوجت من أجمل امرأة في الدنيا، كنا في أسعد حال بل ظننتُ حينها أن الدنيا قد بَسَطت أجمل فُرُشها لي.. مَرَّ عام زواجنا الأول ثم الثاني ولم ننجب أطفالاً، كانت سعادتنا ببعضنا تكفينا في تلك الحياة، إلا أن الوقت طال وفِطرة حب الولد التي زرعها الله بداخلنا كانت أقوى.. بدأنا في مراجعة الأطباء، والغريب أنه لم يوجد عندي أو عندها سبب يمنع من الإنجاب، فقط أخبرونا أن الأمر مسألة وقت وتوفيق من الله فقط. قررنا الصبر أكثر، ومرت السنون على أثر ذلك.. ومع كل عام يمر كان صبرنا ينفد وغضبنا وسخطنا يزداد.. كنا كأي إنسان في الدنيا يتمنى الإنجاب والذرية، وكنت أسأل نفسي حينها لماذا أنا؟ لماذا يحرمني الله دُونَ الباقين؟

انقضت عشر سنوات من زواجنا وانقضى معها كل الرضا الذي كان لدينا، حتى أوشكنا على أن نفترق ثم كانت المفاجأة؛ حَمَلت زوجتي.. حَمَلت وأنجبت طفلاً جميلاً (آدم)، كنا نرى سعادتنا فيه فقط، وكنا نشعر أنه شعاع النور الذي أضاء أعيننا بعد سوادها، أحببناه بشدة، أعطيناه كل شيء.. ظننا أن تلك الحياة في ظل آدم الصغير هي أسعد حياة وبالفعل كانت وقتئذ.. كبر آدم وجاوز صباه حتى صار شابًّا، لكن آدم خيب أملنا فيه.

فشل في دراسته، فقلنا لا يهم سيرث مال أبيه.. شرب الدخان، فقلنا ليست مشكلة سينضج قريبًا.. لكن آدم سقط في بئر المخدرات دون أن يصعد ثانية، تغير سلوكه بشدة بل تَوحَّش؛ مد يده على أموالي وحُلِي أمه وأثاث البيت.. لم نَعُد قادرين على منعه أو زجره.. وفي يوم من الأيام عُدتُ إلى البيت لأجد زوجتي غارقة في دمائها بيد آدم الذي مسخته المخدرات إلى حيوان دون البشر.

سكتَ العجوز بعد نُطقه لتلك الكلمات وهو ينظر إلى الأرض دون أي حركة أخرى.. كانت دمعاته تنهمر على جلبابه المتسخ وصوته قد بُحَّ من أثر الحديث.. لم أحاول أن أقاطعه وأظن أنني لو حاولت لَمَا توقف.. فقد كان في عالم آخر بعيدٍ عني، كان الرجل يشاهد كل ما يحكيه لي أمامه كأنه يحدث الآن، هدأ قليلاً ثم أردف مُكْملاً.

قتل آدم أمَّه، قتل زوجتي ودخل السجن على إثر ذلك.. نعم، لقد أبلغت الشرطة عنه ليثأروا لأمه منه، أمه التي لم يستحق أبدًا أن يكون ابنها.. حكم القاضي على آدم باللحاق بأمه فأصبحتُ وحيدًا من جديد، وحيدًا في تلك الدنيا التي ظننتُ يومًا أنني من أقرر كيف السعادة فيها.. مكثتُ سنوات أتمنى قدوم آدم وأشعر بالسخط لتأخره ولم أعلم أن آدم قد يكون سببًا لتعاستي الأبدية.. لم أدرك أن الخير في الرضا بما قدّره الله وليس فيما أرجو أنا أو أتمنى. الآن أنا أنتظر اللحاق بهم، بفارغ الصبر أنتظر حتى أراهم ثانية في العالم الآخر.

ما إن أنهى الرجل كلمته تلك حتى قام مستندًا على عكازه وهَمّ ليغادر، قمت مسرعًا لآخذ بيده فدفعني لأجلس، لم ينظر إليَّ وغادر منفردًا ومبتعدًا عني.

جلستُ أتأمل ظهر الرجل وهو يبتعد عني والدموع تغرق وجنتي، تأثرت بكلامه وظننتُ بل أيقنتُ أن الله قد أرسله لي لينبهني لأرضى بقسمته لي.. أيقنت أن الرضا بقضاء الله هو الثوب الوحيد الذي إذا ارتديته سيريحني إلى الأبد.. قمتُ مسرعًا نحو بيتي، وللمرة الأولى منذ شهر كنت مبتسمًا.. ابتعت حلوى لابنتي الصغرى وطِرتُ حتى أفاجئها بها.. فالله قد أخذ واحدة وترك لي أخرى وما لي الآن سوى الرضا بقضائه والطمع في حسن جزائه.

 

(*) كاتب وأديب مصري.