الإسلام، الحرب، وكرامة الإنسان

يقول الأديب الفرنسي “فولتر”: “ليس بصحيح ما يدعى من أن الإسلام استولى قهرا بالسيف على أكثر من نصف الكرة الأرضية، بل كان سبب انتشاره شدة رغبة الناس إليه بعد أن أقنع عقولهم، وأكبر سلاح استعمله المسلمون لبث الدعوة هو اتصافهم بالقيم العالية اقتداء بالنبي محمد”(١).

إن انتشار الإسلام کان بالدعوة لا بالسيف، أي إن انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وخارجها، كان وفق معدلات متناسبة تمامًا من الناحيتين الكمية والكيفية، مع التطور الطبيعي لحركة الدعوة الإسلامية، ولا يوجد في هذه المعدلات نسب غير طبيعية أو طفرات تدل على عكس هذه الحقيقة. وما كان مطلب النبي صلى الله عليه وسلم من جهاده قريشًا وغيرها من المشركين، إلا أن يتركوه وما اختار من عقيدة، ويخلي الرافض منهم لدعوته بينه وبين بقية الناس يدعوهم فإن اختاروا الإيمان فلا يفتنوهم فيه ولا يردوهم عنه. أما مظاهر القيم الإنسانية في الجهاد فهي كالتالي:

تحريم البدء بالقتال في الأشهر الحرم وفي المسجد الحرام

جعل الشارع ثلث العام زمان سلام وهدنة يتوقف فيها القتال إلا في حالة رد العدوان أو صده. قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:36)، وقال تعالى: (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (البقرة:191).

وإن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: “أيها الناس، إن الله تعالى حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، لم تحلَّ لأحد قبلي ولا تحلَّ لأحد بعدي، وإنما أُحلَّت لي ساعة من نهارٍ ثم عادت حرامًا إلى يوم القيامة”. وفي بعض الأخبار: “فإن ترخص مترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما أُحلَّت لي ساعة من نهارٍ” (رواه البخاري). فثبت بذلك حظر القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا.

نبذ العهد إلى العدو إن بدرت منه خيانة وقبل الشروع في جهاده

فلو أن قومًا خانوا عهدهم مع المسلمين وهمُّوا بالغدر بهم، لا يحلُّ للمسلمين أن يحاربوهم إلا بعد نبذ العهد إليهم وإعلامهم بالحرب بمدة كافية لبلوغ الخبر إلى جميعهم، لينظروا فيما بدر منهم من انتقاض للعهد، فربما رجعوا عن غدرهم وطلبوا تجديد الصلح والعهد، وعزموا على الالتزام بشروطه.

قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال:58). وقال الإمام ابن العربي في هذه الآية: “… أي غشًّا ونقضًا للعهد، إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها وجب نبذ العهد لئلَّا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورة، وأما إذا علم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عام الفتح لما اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم”. وقد اختلف العلماء هل يجاهد مع الإمام الغادر على قولين، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقاتل معه بخلاف الخائن والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه، والقولان في مذهبنا (٢).

البدء بالدعوة إلى الإسلام قبل القتال

وليست الدعوة إلى الإسلام كما يفهما بعضهم فرضًا للعقيدة أو إكراهًا عليها، ولكنها تعريف وإعلام وغير مرتبطة بالقتال؛ لأن المسلمين مطالبون بالدعوة إلى دينهم في حال السلم وحال الحرب، ولكنها توجبت قبل البدء في القتال، لأنها قد تكون سببًا في السلام وانتهاء الحرب قبل أن تبدأ، وهي أيضًا تبين للخصم صدق قضية المسلمين ونزاهة دعوتهم.

يقول ابن رشد: “ويشترط قبل البدء في القتال مراسلة العدو ودعوته إلى الإسلام، وشرط الحرب بلوغ الدعوة باتفاق، أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شيء مجمع عليه من المسلمين لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15) (٣).

أ- لم يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط حتى يدعوهم إلى الله ورسوله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط إلا دعاهم. (رواه أحمد)

بـ- عن عبد الرحمن بن عائد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث بعثًا قال: “تألَّفوا الناسَ وتأنَّوا بهم، ولا تُغِيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل بيت، من مدر ولا وبر، إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم”(٤).

جـ- عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال “اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم” (رواه مسلم).

والمقاتل المسلم يتوجه بهذه الاختيارات أو البدائل السلمية الكثيرة، إلى القوم الذين هموا بمقاتلته وناصبوه العداء رغبة منه في السلم، وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم جنوده أن يداوموا عرض هذه البدائل على خصومهم، لتجنب الحرب وسفك الدماء.

عدم الاعتداء على المدنيين

إن الله عز وجل قد أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال الله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة:٢١٧)، أي إن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله، لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه (٥). وعليه فإن الإسلام -وبنص القرآن- قصر القتال على المقاتلين ولم يمتد إلى المدنيين أو العزل. وقوله تعالى: (وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة:190) فيها ثلاثة أوجه:

الأول: لا تقتلوا من لم يقاتل. وعلى هذا تكون الآية منسوخة بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) (التوبة:36)، و(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة:5).

الثاني: أن معنى قوله تعالى: (وَلاَ تَعْتَدُوا (، أي لا تقاتلوا على غير الدين، كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) (البقرة:190) يعني دينًا.

الثالث: ألا يقاتل إلا من قاتل، وهم الرجال البالغون، فأما النساء والولدان والرهبان فلا يقتلون، وبذلك أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية (٦).

ولا تقتل امرأة ولا شيخ فانٍ، وبذلك قال مالك وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق ومجاهد، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلاَ تَعْتَدُوا) يقول: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير، ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلاً ولا امرأة” (رواه أبو داود). وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أوصى يزيد حين وجهه إلى الشام فقال: لا تقتل امرأة ولا صبيًّا ولا هرمًا”. وعن عمر رضي الله عنه أنه أوصى سلمة بن قيس فقال: لا تقتل امرأة ولا صبيًّا ولا شيخا هرمًا. (رواهما سعيد)، ولأنه ليس من أهل القتال فلا يقتل كالمرأة. وقد أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه العلة في المرأة فقال: “ما بالها قتلت وهي لا تقاتل؟”، والآية مخصوصة بما روينا، ولأنه قد خرج عن عمومها المرأة والشيخ الهرم في معناها، وحديثهم أراد به الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال ومعونة عليه برأي أو تدبير جمعًا بين الأحاديث، ولأن حديثنا خاص في الشيخ الهرم، وحديثهم عام في الشيوخ والخاص يقدم على العام (7). ومدار الاختلاف بين الفقهاء هو اختلافهم في علة القتل أهي القتال أم الشرك.

ذهب جمهور الفقهاء من مالكية وحنفية وحنابلة إلى أن مناط القتال هو الحرابة والمقاتلة والاعتداء وليس الكفر، فلا يقتل شخص لمجرد مخالفته للإسلام، وإنما يقتل لاعتدائه على الإسلام. وغير المقاتل لا يجوز قتاله، وإنما يلتزم معه جانب السلم. ولكن الشافعية خالفوا جمهور العلماء؛ حيث يرون أن علة قتل المشركين هي الكفر، ويرى الجمهور أن العلة هي الانتصاب للقتال. والراجح رأي الجمهور؛ لأنه لو كانت العلة هي الكفر، فإنها متحققة في النساء والرهبان والشيوخ والأعشى والأعمى وقد وردت النصوص بمنع قتلهم في الحرب. وأيضًا فقد علل النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن قتل النساء بقوله: “ما كانت هذه لتقاتل”، وهذا صريح في أن علة النهي عن قتلها أنها لا تقاتل.

وجاء في نهاية المحتاج في فقه الشافعية: يحرم قتل صبي ومجنون وامرأة، ولو لم يكن لها كتاب، خلافًا لمن قيدها بذلك، وخنثى مشكل، ومن به رق ما لم يقاتلوا (٨).

ويرى الحنفية أنه في حال القتال لا يحل قتل امرأة ولا صبي ولا شيخ فانٍ، ولا مقعد ولا يابس الشق، ولا أعمى ولا مقطوع اليد والرِّجل من خلاف، ولا مقطوع اليد اليمنى ولا معتوه ولا راهب في صومعة، ولا سائح في الجبال لا يخالط الناس، وقوم في دار أو كنيسة ترهبوا وطبق عليهم الباب (٩). قوله تعالى (وَلاَ تَعْتَدُوا (؛ فعن سعيد بن جبير وأبي العالية: المراد بذلك النهي عن قتال من لم يقاتل. وعن الحسن البصري: المراد بذلك، النهي عن ارتكاب المناهي من المثلة والغلول. وكذلك أفادت الآية بمفهوم المخالفة -وهو حجة شرعية عن غير الحنفية- عدم قتل من لم يقاتلنا، كالمرضى والنساء والصغار والشيوخ.

وبناء على ما سبق فلا يجوز بأي حال قتل المدنيين الذين لا يشاركون في القتال ولا ينصبون أنفسهم إليه.

وجوب الامتناع عن التخريب والعبث

ومنع الشارع من إتلاف البيئة بأي شكل، فحينما شيع أبو بكر جيش أسامة بن زيد بمجرد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له”(١٠). وقال الأوزاعي فقيه الشام الذي كان معاصرًا لأبي حنيفة رضي الله عنه إنه يمنع قطع الشجر والثمر وأي تخريب اتباعًا لكلام الصديق، والصديق حجة (١١).

تحريم المثلة والإحراق بالنار

إن الله عز وجل أمرنا بالمعاملة بالمثل، قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة:194). و”التمثيل” هو قطع الأطراف أو الآذان والأنف وتشويه جثة القتيل. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية يقول لهم: “اغْزُوا بسم الله في سبيل الله قاتِلوا مَنْ كفر بالله، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تُمَثِّلُوا ولا تَقْتُلُوا وليدًا” (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: “ولا تعذبوا عباد الله” (رواه مسلم)، وقال أيضًا: “إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار” (رواه أبو داود). ومن ذلك أمر الشارع بإحسان القتلة وعدم ترك العدو يعاني الألم والعذاب. وأمر صلى الله عليه وسلم باجتناب الوجه في الضرب والقتال فقال: “إذا قاتلَ أحدُكمْ أخاه فَلْيَجْتنِب الوجهَ” (رواه مسلم).

معاملة الناس بالظاهر وحقن دمائهم بكلمة الإسلام

فقد أمرنا الشرع الإسلامي بالأخذ بالظاهر وعدم التفتيش عن قلوب الناس، ففي أثناء الجهاد لو أظهر أحد المقاتلين الشهادة عصم دمه وأمن. فالإيمان وإن كان ظاهريًّا يُعْطِي صاحبه كل حق وجب للمسلم. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) (النساء:٩٤).

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: بَعثَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَريَّة فَصَبَّحْنا الْحُرَقاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فأدركتُ رجلًا فقال: لا إله إلا الله، فطعَنْتُه، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرتُه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أقالَ لا إله إلا الله وقتَلْتَهُ!”. قَالَ: قلتُ: يا رسول الله إنما قالها خوْفًا من السلاح. قال: “أفلا شقَقْتَ عن قلبه حتى تَعْلَمَ أقالها أمْ لا”. فما زال يكررها عليَّ حتى تَمنَّيتُ أني أسلمتُ يومئذ (رواه مسلم). وبناء عليه فإن حفظ حياة الناس وصيانة أموالهم وأعراضهم بمجرد إعلانهم الإسلام في حال السلم هو آكد وأولى.

منع النهب والتصرفات الوحشية والهمجية

فعن رجل من الأنصار قال: خَرجْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فأصابَ الناسَ حاجةٌ شديدةٌ وجَهْدٌ، وأصابوا غَنَمًا فانْتَهَبوها، فإنَّ قُدورَنا لَتَغْلي إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قَوْسه، فأكْفَأَ قُدورَنا بقوسه، ثم جعل يُرَمِّلُ اللَّحْمَ بالتراب ثم قال: “إِنَّ النُّهْبَةَ ليستْ بأحَلَّ من المَيْتَةِ” أو “إِنَّ الْمَيْتةَ ليست بأحَلَّ من النُّهْبَةِ” (رواه أبو داود).

التواصل الإنساني مع العدو

يقول ابن قدامة: “وإذا دخل حربيٌّ دارَ الإسلام بأمان، فأَوْدع مالَه مسلمًا أو ذميًّا، أو أَقْرضَهما إيَّاه، ثم عاد إلى دار الحرب، نظرنا؛ فإنْ دخل تاجرًا، أو رسولاً، أو متنزِّهًا، أو لحاجة يقضيها ثم يعود إلى دار الإسلام، فهو على أمانه في نفسه وماله، لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام، فأشْبَهَ الذميَّ إذا دخل لذلك، وإن دخل مستوطنًا بطل الأمان في نفسه وبقي في ماله، لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه، فإذا بَطَل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله، لاختصاص المُبْطِل بنفسه، فيَخُصُّ البُطْلانَ به(١٢). فالحربي يجوز أن يدخل دار الإسلام تاجرًا أو رسولاً أو متنزِّهًا إن أعطاه مسلم الأمان، وهو في حال أمانه محفوظ النفس والمال قياسًا على الذمي.

سرعة قبول دعوة السلام بمجرد جنوح العدو لها

قال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال:61). ومعنى الآية أنهم إن مالوا إلى المسالمة وهي طلب السلامة من الحرب، فسالمهم واقبل ذلك منهم، وإنما قال: “فاجنح لها”، لأنه كناية عن المسالمة (١٣). ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة:193).

الوفاء بالعهود

قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (النحل:91)، وقال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:4). وقال صلى الله عليه وسلم: “مَن كان بينه وبين قوم عهدٌ فلا يَشدُّ عُقْدةً ولا يَحُلُّها حتى يَنقَضي أمَدُها أو يَنبِذَ إليهم على سواءٍ” (رواه أبو داود)، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغدر والخيانة، قال: “لكلِّ غادرٍ لواءٌ يُنْصَبُ لِغَدْرَتِه” (رواه البخاري). والعهد يراعى مع الكافر كما يراعى مع المسلم، وأن الكافر إذا عقد لك عقد أمان فقد وجب عليك أن تؤمنه ولا تغتاله في دم ولا مال ولا منفعة (١٤).

احترام السلام وعقد الأمان

عقد الأمان هو عقد بين المسلم والمشرك على الحصانة من لحاق الضرر من كل منهم للآخر، ولا ممن وراءه، ومن حق كل مسلم أن يعطي حق الأمان سواء كان شريفًا أو وضيعًا رجلًا أو امرأة، وفي العبد والصبي خلاف، ولا أمان للمجنون ونحوه لقوله صلى الله عليه وسلم: “وذِمَّة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمَنْ أخْفَرَ مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبَل منه صَرْفٌ ولا عدلٌ” (رواه البخاري).

وقد أجاز عمر بن الخطاب أمان العبد في المعركة؛ فعن فضيل بن زيد قال: كنا مصافي العدو قال: فكتب عبد في سهم أمانًا للمشركين فرماهم به، فجاؤوا فقالوا: قد أمنتمونا، قالوا: لم نؤمنكم إنما أمنكم عبد. فكتبوا فيه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن العبد من المسلمين، وذمته ذمتهم. وَأَمَّنَهُمْ (رواه البيهقي).

ويصحّ أمان المرأة لما روي عن أم هانئ أنه لَمَّا كان يوم فتح مكة أجَرْتُ رَجُلَين من أحمائي، فأدْخلتُهما بيتًا، وأغلقتُ عليهما بابًا، فجاء ابنُ أُمِّي عليّ بن أبي طالب فتفلَّتَ عليهما بالسيف. قالتْ: فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فلم أجدْهُ، ووجدتُ فاطمةَ، فكانتْ أشدَّ عليَّ من زوجها. قالتْ: فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعليه أثر الغُبار، فأخبرتُه، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أُمَّ هانئٍ، قد أجرْنا مَن أجرْتِ وأمَّنَّا مَن أمّنْتِ” (رواه البخاري).

احترام الإنسان وتقدير كرامته

قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء:70). فالإسلام لا يلاحظ هذه الكرامة بين الناس حال السلم فحسب، بل وفي حال الحرب أيضًا؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من المسلمين أن يحفروا ليواروا جسمان القتلى من المشركين، فلا يتركوهم نهبًا للوحوش.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لمَّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يُطرحوا في القَلِيب، طُرحوا فيه إلا ما كان مِن أُمَيَّةَ بن خَلَف، فإنه انتفخَ في دِرْعه فملأها، فذهبوا لِيُحرِّكوه فتزايل لَحْمُه فأقَرُّوه وألقَوْا عليه ما غيَّبَه مِن التراب (١٥).

الرحمة في معاملة الأسرى والنهي عن الاعتداء عليهم

الأسرى هم الرجال والنساء المحاربون الذين يقعون في قبضة عدوهم أحياء، والسبايا هم غير المحاربين من الشيوخ والنساء والصبيان وقد ظفر بهم العدو أحياء كغنائم في الحرب. ويجب على المسلم معاملة الأسرى والسبايا بالرحمة والاحترام؛ قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (الإنسان:8-9).

وعن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اسْتَوْصُوا بالأَسَارَى خَيْرًا”. وكنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني البر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه الطبراني). وعن عليّ رضي الله عنه قال يومَ الجمَل: لا تَتْبعوا مدبرًا ولا تَقتلوا أسيرًا، ولا تُدَفِّفوا على جريح، ولا يُكْشَف سِتْرٌ، لا يؤخَذ مالٌ.

وبهذا كله نأخذ فنقول: إذا قاتل أهلُ العدل أهلَ البعي فهزموهم، فلا ينبغي لأهل العدل أن يَتْبعوا مدبرًا؛ لأنَّا قاتلْناهم لِقطْع بغيهم، وقد اندفع حين ولَّوا مدبرين، ولكنَّ هذا إذا لم يبق لهم فئةٌ يرجِعون إليها (١٦).

(*) مفتي الديار المصرية الأسبق / مصر.

الهوامش

(1) رسالة في التسامح، فولتير، ترجمة: هنرييت عبودي، دار بترا للنشر والتوزيع بشراكة مع رابطة العقلانيين العرب، دمشق، ط١، 2009م، ص:101.

(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/23، دار الكتب العلمية 1993م.

(٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، 1/448، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، المكتبة الأزهرية للتراث 1991م.

(٤) شرح السير الكبير، السرخسي، 1/58.

(٥) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ابن تيمية، 1/159.

(٦) أحكام القرآن، أبو بكر بن العربي، 1/147، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية.

(7) الشرح الكبير على متن المقنع، ابن قدامة، 10/٣٩٩، دار الكتاب العربي.

(٨) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، محمد بن أبي العباس، 8/64، مطبعة الحلبي 1967م.

(٩) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الكاساني 7/101.

(١٠) كنز العمال، المتقي الهندي، حديث رقم: 30268.

(١١) العلاقات الدولية في الإسلام، الشيخ أبو زهرة، ص100.

(١٢) المغني، ابن قدامة، 13/80.

(١٣) أحكام القرآن، الجصاص، 4/254.

(١٤) عون المعبود، 7/311.

(١٥) السيرة النبوية، ابن هشام، 1/638.

(١٦) المبسوط، السرخسي، 10/126، دار المعرفة، ط2.