جميعنا يقلق من وقت إلى آخر، ولكن إذا لم تستطع التخلص من هذا القلق، وبدأ بعد بضعة أسابيع في عرقلة عملك وحياتك المنزلية، تحدث إلى طبيبك؛ حيث يمكن للقلق أن يوثر بشكل كبير على صحتك، ومن الممكن أن يكون مُقترنًا باضطراب القلق.

يُعدُّ الشعور بالقلق أو العصبية جزءًا من حياة العديد من الأشخاص، بيد أنه حين يصبح الشعور بالقلق مستمرًّا ومزعجًا ومعرقلاً للحياة اليومية، فإن العلاج قد يصبح ضروريًّا. والقلق شائع، إذ تُعتبر اضطرابات القلق الأكثر شيوعًا في أمراض الصحة العقلية في الولايات المتحدة، مؤثرة في قرابة أربعين مليون شخص.

في دراسة منشورة في مجلة “لانست” الطبية، لاحظ الباحثون انتشار وصفات علاج القلق في الرعاية الأولية في المملكة المتحدة بين عامي 2003-2018، وكان ارتفاعًا حادًّا في وصفات علاج القلق، خاصة في أوساط الشباب. وذهب مؤلفو الدراسة إلى أن بعض هذه الوصفات تتعارض مع الإرشادات، وقد تسبب أضرارًا غير مقصودة.

يؤثر القلق بشكل خطير على رفاهية الشخص، ويجب أخذه على محمل الجد.

ومع ذلك، تُظهر الأبحاث أن هناك إستراتيجيات ذاتية، وتغييرات في نمط الحياة يمكن أن تحسن أعراض القلق. ولكي تتمكن من الحفاظ على صحتك العقلية سليمة نسبيًّا -حتى مع ارتفاع تكلفة المعيشة ومشاكلها المتراكمة- عليك باتباع نصائح الطب النفسي لمكافحة مشاكل الصحة العقلية الشائعة.

وجد الباحثون ارتفاع الوصفات الجديدة للعقارات من كل الفئات، متضمنة وصفات مضادات الاكتئاب -خاصة بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا- وكذلك البنزوديازيبينات.

وذكر باحثوا الدراسة وجود عدة أسباب محتملة لارتفاع الوصفات في هذه الفئة العمرية، وهي ارتفاع معدلات القلق، وارتفاع قابلية العلاج بعد التعرف على القلق بصورة أفضل.

تقول الباحثة الرئيسة في الدراسة، والتي تعمل باحثة في الرعاية الأولية في كلية طب “بريستول” بالمملكة المتحدة، د. شارلوت آرتشر: “إنه قد تعكس الزيادة أيضًا، الحاجة السابقة التي تلب لهؤلاء المرضى نتيجة للضغوط الواقعة على خدمات الصحة العقلية للأطفال والمراهقين”.

وأوضحت أن أكثر من ربع الإحالات إلى خدمات الصحة العقلية للمراهقين خلال عامي 2018-2019 قد رفضت، الأمر الذي أدى إلى تدفق الأشخاص الباحثين عن مساعدة الرعاية الأولية.

وقد حذر الباحثون من أن بعض الوصفات لا تستند إلى أدلة قوية، وربما تتعارض مع الإرشادات، فعلى سبيل المثال، لاحظوا ازديادًا ملحوظًا في وصفات البنزو ديازيبينات بين الشباب، على الرغم من تبعياتها الخطيرة.

مخاطر علاج القلق بالأدوية

كما حذر الباحثون من الاستخدام الطويل الأمد لمضادات الاكتئاب، حيث إنها قد يكون لها أعراض جانبية خطيرة غير مرغوبة، وتوجد أدلة متزايدة عن صعوبة توقف المرضى عن تناول العلاج، حيث يعاني بعض المرضى من أعراض الانسحاب بعد توقف العلاج التي من الممكن أن تؤدي إلى تفاقم أعرض القلق.

وذهبت د. أرتشر إلى أنه توجد حاجة لتوفير خيارات علاجية أوسع لمرضي القلق، حيث نعلم أن العلاجات النفسية قد تكون فعالة لعلاج القلق، ولكننا في حاجة إلى زيادة مثل التدخلات العلاجية، والتأكد من قبولها، خاصة بين الشباب.

ولمجابهة هذه المخاطر، طالب العلماء بمزيد من الأبحاث لفهم أسباب ارتفاع وصفات القلق، خاصة في أوساط الشباب، وذهبوا إلى أنه من الضروري وجود طرق غير دوائية للعلاج.

وأوضحت “أرتشر” أنه توجد مؤلفات كبرى توضح فوائد العلاج السلوكي المعرفي للقلق للفئات العمرية كلها، لكن يمثل الوصول لمثل هذا العلاج، تحديًا في المملكة المتحدة بسبب طول قوائم الانتظار.

وأضافت أنه أصبحت العلاجات النفسية متاحة لأكثر المرضى في المملكة، لكن قوائم الانتظار الطويلة تدفع بعض الشباب إلى تناول الأدوية -رغم تفضيلهم للعلاج النفسي- لسرعة توافره.

لقد أوضحت الأبحاث الحديثة ارتفاع وصفات الاكتئاب قد بلغت ثلاثة أضعاف في العشرين عام الأخيرة فقط، ومع ذلك، لا تزال طرق وصف علاج القلق غير مفهومة جيدًا.

وللتأكد من ذلك، قيم فريق بحثي من جامعة “بيستول” في المملكة المتحدة، وأوضحت نتائجه -التي نشرت في المجلة البريطانية للممارسة العامة– ارتفاعًا حادًّا في وصفات القلق بين عامي 2010-2020، خاصة في أوساط الشباب، وازداد انتشار وصفات مضادات القلق إلى الضعف تقريبًا خلال تلك الفترة.

سبب هذا الانتشار هو زيادة المرضى الجدد الذين شرعوا في علاج القلق، خاصة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-35 عامًا.

وذكرت البروفيسورة “ثاليا إيلي”، أستاذ علم الوراثة السلوكية التنموية لمجلة أخبار الطب اليوم، أن زيادة أعداد الأشخاص المشخصين بالقلق، وأضافت أن الأبحاث السابقة أشارت إلى أن اضطرابات القلق المشخصة، في ازدياد بين الشباب وخصوصًا النساء، وأن زيادة الحاجة إلى العلاج تلبي -ولو جزئيًّا على الأقل- عن طريق استخدام الأدوية.

توجد بعض الاختلافات بين الوصفات المنتشرة استنادًا إلى فئة العقار، حيث ازدادت وصفات مستقبلات بيتا أثناء فترة الدراسة، بينما قلت وصفات البنزوديازيبينات.

سلبية الإستراتيجيات العلاجية

وعلى الرغم من أن الباحثين أدخلوا فقط الوصفات المعطاة للمرضى الذين ظهرت عليهم أعراض القلق، أو شخصوا به إما قبل ثلاثة شهور من بدء الوصفة، أو بعد ستة أشهر من بدئها، إلا أنهم غير متأكدين من معرفة ما إذا كانت هذه الدوية موصوفة لعلاج القلق.

فقد تكون بعض الأدوية التي تناولها الباحثون في دراستهم وصفت لعلاج حالات مرضية أخرى مثل الاكتئاب، حيث توصف مضادات الاكتئاب بشكل شائع لعلاج القلق، لذا من الممكن أن بعض الأشخاص الذين شملتهم الدراسة يعالجون اكتئابهم وليس القلق، لذا ربما تكون الأرقام المذكورة في الدراسة مبالغة.

تجدر الإشارة إلى أنه -كما هو الحال مع العديد من الإستراتيجيات العلاجية- قد يعاني بعض الأشخاص من آثار جانبية سلبية أو حتى تفاقم الأعراض بالتأمل. ووجدت دراسة أجريت عام 2020 أن 8.3٪ من الأشخاص، لديهم تجارب سلبية مع التأمل، وعادة ما يكون ذلك في شكل تفاقم أو أعراض اكتئاب أو قلق جديدة بعد ممارسات التأمل.

فالجهاز العصبي هو عبارة عن شبكة مراسلة لهذه الدماغ، ويتكون من الحبل الشوكي، الأعصاب وخلايا خاصة تُدعى بالخلايا العصبية. وازدياد القلق عن الحد الطبيعي يمكن أن يؤدي إلى إطلاق “هرمونات التوتر” التي تسرع معدل ضربات القلب والتنفس، وترفع نسبة السكر في الدم، وترسل المزيد من الدم إلى ذراعيك وساقيك. وبمرور الوقت، يمكن أن يؤثر ذلك على قلبك وأوعيتك الدموية وعضلاتك والأنظمة الأخرى.

كما أن العضلات تتأثر بشكل مباشر عندما يكون الشخص منزعجًا من شيء ما، فمن الممكن أن تتوتر عضلات كتفه ورقبته، ويؤدي ذلك إلى الصداع النصفي أو الصداع التوتري. وقد تساعد تقنيات التدليك والاسترخاء في التخفيف من الأعراض، مثل التنفس العميق وممارسة اليوغا.

وعندما تكون قلقًا بشدة، قد تتنفس بعمق أكبر دون أن تدرك ذلك. على الرغم من أن هذا غالبًا لا يشكل مشكلة حقيقية، إلا أنه قد يشكل خطرًا إذا كنت تعاني بالفعل من مشاكل في التنفس مرتبطة بالربو، أو أمراض الرئة أو غيرها من الحالات.

كذلك يتأثر القلب، حيث إن بقاء القلق لفترة طويلة، يجعل التفاصيل الصغيرة والعابرة في اليوم أكثر تأثيرًا على القلب. ويمكن للقلق أن يجعل الشخص أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم، أو نوبة قلبية أو سكتة دماغية. كما يمكن أن تؤدي المستويات العالية من القلق، إلى هرمونات التوتر التي تجعل القلب ينبض بشكل أسرع وأصعب. حدوث ذلك مرارًا وتكرارًا، يؤدي إلى التهاب الأوعية الدموية، الذي يقود بدوره إلى تصلب جدران الشرايين، ومستويات الكوليسترول غير الصحية، ومشاكل أخرى.

مضاعفات القلق بالجملة

سكر الدم: عندما تكون قلقًا من شيء ما، تمنحك هرمونات التوتر دفعة من الطاقة (على شكل سكر الدم)، يمكن أن يكون هذا أمر جيد إذا كنت بحاجة إلى الهروب من الخطر، ولكن ماذا يحدث إذا كنت لا تستخدم هذه الطاقة؟ عادة ما يخزنها جسمك لاستخدامها لاحقًا. وفي بعض الأحيان، إذا كنت تعاني من زيادة الوزن أو مرض السكري -على سبيل المثال- يمكن أن يظل مستوى السكر في الدم مرتفعًا لفترة طويلة جدًّا. وهذا يمكن أن يؤدي إلى أمراض القلب والسكتات الدماغية أو أمراض الكلى.

الجهاز المناعي: إذا تأثر جسمك بالآثار الجسدية للقلق، فقد يتوقف عن محاربة الجراثيم. مجرد التفكير في الأشياء التي جعلتك غاضبًا أو مكتئبًا في الماضي يمكن أن يكون له تأثير.. يصبح من الصعب عليك مقاومة الأنفلونزا، الهربس، القوباء المنطقية، والفيروسات الأخرى.

المعدة: قد تشعر بـ “الفراشات” في معدتك عندما تكون عصبيًّا -في أوقات أكثر خطورة قد تشعر بالغثيان أو حتى القيء- إذا حدث هذا في كثير من الأحيان، فقد يؤدي إلى ألم في المعدة، وقروح في بطانة المعدة (القرحة). وإذا كنت تأكل الكثير من الأطعمة الغنية بالدهون والسكر، فيجب على معدتك أن تعمل بجد لهضمها، وهذا يؤدي لزيادة في نسبة الحمض. ويمكن أن يسبب هذا ارتجاع الحمض، أي عندما يتدفق الحمض إلى حلقك.

الأمعاء: يمكن أن يؤثر القلق المستمر على حركة الأمعاء لديك، قد تصاب بالإسهال أو تجد صعوبة في الذهاب إلى الحمام. يمكن أن يساعد النظام الغذائي والتمارين الرياضية والأدوية، التي لا تستلزم وصفة طبية في كثير من الأحيان، ولكن قد تتمكن من منع حدوث هذه المشاكل إذا وجدت طرقًا لتخفيف قلقك.

الصحة الجنسية: القلق يمكن أن يتعبك ويشتت انتباهك، فتكون أقل اهتمامًا بالجنس على المدى الطويل، يمكن أن يخفض مستويات هرمون التستوستيرون الجنسي لدى الرجل. ويمكن أن يؤثر ذلك على نمو الحيوانات المنوية، ويبطئ أو يوقف الاستجابة الطبيعية لجسمهم عندما يريدون ممارسة الجنس. بالنسبة للنساء اللواتي مررن بانقطاع الطمث، يمكن للقلق أن يجعل الهبات الساخنة ومشاكل النوم أكثر سوءًا.

 

(*) باحثة وكاتبة مغربية.

المراجع

(1) Proceedings of the National Academy of Sciences.

(2)  Current Directions in Psychological Science.

(3) Psychosomatic Medicine.

(4) Personality and Social Psychology Review.

(5) Nature Public Health.

(6) Lancet Psychiatry.

(7) Frontiers in Human Neuroscience.

(8) Nature Human Behavior.

(9) BMC Psychiatry.