من بين فيديوهات اليوتيوب، التي ظهرت وانتشرت خلال السنوات الأخيرة، منظر طفلة عمرها عام واحد، تلعب بجهاز آيباد، حيث تجول بأصبعها على شاشة اللمس، وتلخبط مجموعات من الأيقونات، وتظهر في المشاهد اللاحقة وهى تسحب بأطراف أصابعها صفحات مجلة ورقية، ثم تصفعها وتدفعها بعيدًا، كما لو كانت هذه الصفحات نفسها هي شاشات أيضًا، وقد علق العديد على هذا المقطع بالقول بأن الكتب الورقية أصبحت عصية الفهم بالنسبة إلى المواطنين الرقميين، أي بالنسبة إلى أولئك الأشخاص الذين يتفاعلون مع التقنيات الرقمية منذ نعومة أظفارهم، والتي لا تحيط بهم الكتب والمجلات الورقية، وإنما الهواتف الذكية والكندلزات والآيباد، الأمر الذى رسخ فى أذهان البعض بأن ثقافة الورق باتت فى طريقها إلى الزوال مع الأجيال الجديدة، إلا أن الأبحاث العلمية التي نشرها مؤخرًا باحثون متخصصون في علم النفس وهندسة الحاسوب، وعلوم المكتبات والمعلومات، جاءت لتصب في صالح ثقافة الورق التي لا تزال تحمل من المزايا، ما يعجز الرقميون بتقنياتهم الحديثة عن تحقيقها، وخلصت هذه الأبحاث إلى أن معظم الناس يفضلون الورق خاصة عندما يكونون بحاجة إلى التركيز لفترة طويلة، وأن الورق من حيث كونه وسيلة للقراءة لا يزال يتفوق على الشاشات، فالتجارب المختبرية واستطلاعات الرأي وتقارير المستهلكين، تشير معًا، إلى أن الأجهزة الرقمية تعيق الناس عن تصفح النصوص الطويلة بطريقة مثمرة، الأمر الذى يثبط القدرة على فهم القراءة بآلية لا يزال يكتنفها الغموض، ومقارنة بالورق فإن الشاشات قد تستنزف أيضًا المزيد من مواردنا العقلية أثناء القراءة، وتسبب لنا بعض الصعوبات في تذكر ما قرأناه بعد الانتهاء من القراءة سواءً كان الناس يعُون ذلك أم لا، فإنهم أثناء تعاطفهم مع الحواسيب والأجهزة اللوحية غالبًا ما يكونون في حالة ذهنية، لا تتيح لهم التذكر إلا بدرجة أقل عما تسمح به حالتهم الذهنية خلال تعاطفهم مع الورق، كما أن القراءة الإلكترونية ليس بوسعها أن تمدنا بتلك الخبرات اللمسية التى تزودنا بها القراءة الورقية، والتي يرى البعض أن غيابها يؤدي إلى الإرباك الذهني الذي يحدث نتيجة أن الذين يقرؤون من الشاشات لا يبذلون دائمًا جهدًا ذهنيًا يوازي الجهد الذي يبذلونه عندما يقرؤون من الورق، ذلك أنهم يشغلون أنفسهم بالعديد من الممارسات المتجزأة كقضاء وقت أطول في تصفح مواقع الإنترنت والمسح الضوئي والتفتيش المحموم عن كلمات مفتاحية مقارنة بقراء النصوص الورقية، الذين على الأرجح لا يقرؤون سوى وثيقة واحدة فقط، من حيث إن القراءة من الشاشات تجعل القارئ أقل استعدادًا للانشغال بما يسميه علماء النفس تنظيم التعلم الميتامعرفي، والذي يعني القيام بوضع أهداف محددة وإعادة قراءة المقاطع الصعبة، والوقوف على ما تم فهمه من النص في لحظة معينة، ومن النتائج المهمة التي توصلت إليها هذه الأبحاث والدراسات، بأن الورق لا يجذب الانتباه إليه بصفته ورقًا فقط، ولكن نظرًا لبساطته يشكل نقطة ارتكاز محورية للوعي، ونلمس ذلك من خلال أن القراء دائمًا ما يصرحون باستمرار أنهم عندما يريدون التركيز حقًّا على نص من النصوص، فأنهم يقرؤونه من الورق، ففي إحدى الدراسات التي أجريت على طلبة الدراسات العليا في جامعة تايوان، أفاد غالبية هؤلاء الطلاب، بأنهم لا يتصفحون سوى بضع فقرات من الموضوع على الإنترنت، قبل قيامهم بطباعة النص كاملاً لقراءته بعد ذلك بطريقة أكثر عمقًا إضافة إلى الاعتبارات السابقة، فقد جاءت هذه الدراسات لتؤكد أن طبيعة شعورنا حيال الكتاب الورقي، أو جهاز القراءة الإلكترونية، والإحساس الذي ينتابنا حين نمسكهما بأيدينا يسهمان أيضًا فيما إذا كنا سنشتري أحد الكتب الأكثر مبيعًا  بنسخته الورقية، أو بنسخته الإلكترونية فالدراسات المسحية وتقارير المستهلكين تشير إلى أن الناس يهتمون بالجوانب الحسية للقراءة، أكثر مما قد يظن البعض كالإحساس بالورق والحبر وحرية الاختيار وبين تلميس الصفحة أو طيها بالأصابع والصوت الذي يصدر عند تقليب الصفحات، وحتى الآن لم تستطع النصوص الرقمية توليد نسخ مرضية تحمل هذه الأحاسيس، فالكتب الورقية لها أيضًا حجم قابل للإدراك مباشرة، ولها شكل ووزن يمكننا أن نتحدث عنه، وفي المقابل فإن النص الرقمي مع أنه من الممكن استعراض طوله بالتمرير بواسطة شريط التقدم، ليس له شكل واضح، ولا سماكة كالتي نشعر بها حيال الكتاب الورقي، كما أن جهاز القراءة الإلكتروني لا يتغير وزنه سواء كنا نقرأ كتابًا كبيرًا أو صغيرًا، فقد اكتشف بعض الباحثين، أن مثل هذه المفارقات تكون لدى القراء، قدرًا كافيًا فيما يسمى “التنافر اللمسي”  الأمر الذي يدفع ببعض القراء إلى عدم تفضيل القراءة الإلكترونية، وإزاء هذه المزايا التي صبت في مجملها لصالح الورق والكتاب الورقي، تبذل الآن جهود حثيثة من قبل المصممين الرقميين، لجعل خبرة القراءة الإلكترونية من الألواح وغيرها من الأجهزة تقارب خبرة القراءة الورقية، إلى أعلى درجات ممكنة، وذلك عبر عدد من الوسائل كان من أبرزها، جعل الحبر الإلكتروني ِشبيهًا بالحبر الكيميائي النموذجي، وبات مظهر الشاشة البسيط في لوح كندل يماثل صفحة في كتاب ورقى على نحو لافت، هذا إلى جانب قيام شركة آيل فى برنامجها التطبيقى بتطوير كتبها الإلكترونية بطريقة تجعلها تحاكي إلى حد ما التصفح الحقيقي للورق، ولا تقتصر جهود بعض المبتكرين الرقميين عند حدود محاكاة الكتب الورقية، بل باتت تشمل أيضًا محاولات لتطوير القراءة المبينة على الشاشة إلى شيء آخر مختلف كليًّا، ومع أن تقنية التمرير قد لا تكون هي الطريقة المثلى لتصفح نص طويل وسميك الأوراق، فقد ابتدعت صحيفة نيويورك تايمز وصحيفة واشنطن بوست الفضائية الأمريكية، ووسائل إعلام أخرى مقالات تعتمد كليًّا، على تقنية التمرير وتتمتع بمظهر حسن ودقة بصرية عالية، ولا يمكن طباعتها لكونها تضم إلى جانب النص مزيجًا من الأفلام ومقاطع الصوت لتكوين مناخ سينمائي، وتقنية التصفح هذه ابتكرها R سلون وهي تقنية تعتمد على التأثير الفيزيائي لتسيير العمل بطريقة لا تسمح بظهور كلمات وجمل وصور جديدة، إلا عندما يقوم أحدنا بالنقر على شاشة اللمس لأحد الهواتف أو لأحد الألواح، ويعمل بعض الكتاب اليوم  بمشاركة مبرمجي الحاسوب على إنتاج كتب تفاعلية أدبية وغير أدبية، أكثر تطورًا من أي وقت مضى تتيح للقارئ تحديد ما يرغب في قراءته أو مشاهدته، أو سماعه بصورة مباشرة. والسؤال الذي يطرح نفسه على الأذهان الآن، هل سينجح الرقميون بتقنياتهم الحديثة في مواجهة مميزات ثقافة الورق، هذا ما سوف تسفر عليه السنوات القادمة، والتي تحدد بشكل أو بآخر شكل كتاب هذا القرن، والقرن القادم، ولكن الأمر معقود في النهاية بأيدي القراء أنفسهم ماذا يفضلون!