إنَّ هذا الذى يتتبَّعُ ذلك التطوُّر المُتسارِع لأُسُس التفكير العربي في القديم، يُمكن أن يلمَحَ مجموعةً مِن المُؤثِّرات، والتي تبدوا في الظاهِرِ مُبايِنَةً لبعضِها، ولكِنَّها في حقيقة الأمر تُعَدُّ روافِدًا مُتماثِلَةً، ساهمت جميعُها في تطوُّر العقل العربي خِلال العُصُور الإسلامِيَّة الأولَى، تلك العُصُور التي ساد فيها العَرِبُ جُلَّ العالَم القديم مِن الناحِية المعرِفِيَّة.

ويُعَدُّ المِزَاجُ العربي بِخَصائِصِهِ المعروفة هو المُؤثِّرُ الأولُّ فيما يتعلَّقُ بِتَأسيسِهِ للتفكير والحضارة العربِيَّين، واللذان خَطَيا بالفِكر الإنساني تلك الخُطوَة المُذهِلَة، التي تمثَّلَت في تأصيل القوانين بِوَاسطة البحث والتجريب وحدَهُما، وذلك مِن حيثُ إنَّ القانون – والذى هو العلاقة الضروريَّة التي تنشأُ عن طبائِع الأشياء – لا بُدَّ وأن يُؤصَّلَ مِن واقِعِ البحث والتجريب وحدهُما، وليس بِوَاسطة أفكار مُسبَقَة قد لا تكون مُؤصَّلةً أصلاً على شيء. ومِن ثَمَّ، فإنَّ “البحث والتجريب” في الفِكر الإنساني لم يَكُن إلَّا ابنًا شرعِيًّا للعَرَب، والذين لم يتقيَّدُوا كغيرِهم مِن الأُمُمِ بأي موروثٍ ديني أو ميتافيزيقي في تحليل المسائِل العلمِيَّة الخالِصَة، تلك المسائِل التي لا تتعلق تعلُّقًا مُباشِرًا بالعقيدة وأُصُولِها، وذلك على اعتبار أن لا اجتهاد مع وُرُود نصّ. 

العُلُوم التي استَحدَثها العَرَب

ومِن ذلك فإنَّهُ يتبيَّنُ لنا أنَّ “خصائِصَ المِزَاج العربي الأصلي”، وهى تلك الخصائِص التي تنبني على تقوية الذِهن، وقُوَّة الذاكِرَة، وطلاقة اللسان، وقُوَّة الخيال، والتي تفاعلت مع طلاقة الشرع الحنِيف وقِلَّةِ تقييده للنشاط الإنساني، مِن أجل إنتاج ذلك الموروث المعرفي الذى أصَّل أربَعًا وعشرين عِلمًا طبيعِيًّا وعقلِيًّا. نَعَم، فقد كان العَرَبُ، ومَن استَعرَبَ مِن الأعاجِم فيما بعد الإسلام، هُم مَن وضعُوا عُلُوم الحَرَكة، والسُكُون، والحِيَل “الميكانيكا”، والبَصَرِيَّات، وذلك العِلم المعروف بـ “الهيدروستاتيك” – والذي إن شِئنا أن نُعيد له مُسمَّاهُ العربي الأصيل لسمَّيناهُ [عِلمُ خصائِص حركة السوائِل]. كما وكان العربُ هُم من وضعوا أُسُسَ عِلم المعادِن، والذي صار فيصلاً لتمييز نفيسِها مِن وفِيرِها، فقد كان لاكتشاف العَرَب ذلك العِلم الفضل الأول في تمييز نفاسة معادِن تُعَدُّ أساسًا لكثيرٍ مِن الصِناعات الدقيقة في أزمِنَتِنا الحاضِرَة كمعادِن ” الليثيوم”، و”الكوبالت”، و”التيتانيوم”، والذين يُعدُّون مُكوِّناتٍ رئيسيَّةٍ في صِناعة الرقائِق الحاسوبيَّة “الإلكترونيَّة”، وتلك الصناعات التي تعتمد التكنولوجية الرقمِيَّة، والتي انبَنَت في أساسِها على ذلك التوليف الدقيق بين “الخصائِص الحرارِيَّة للمعدن مِن جانِب” و”كيفيَّة حركة جُزَيئات المعدن وما تحويه مِن إليكترونيَّاتٍ مِن جانِبٍ آخر” .

فلسفة الفِكر التطبيقي العربي

لقد أكَّد القُرآن العظيم على تلك الحقيقة العِلمِيَّة، وهي تلك التي تتعلَّق بـ “وِحدة المعرفة الإنسانيَّة”، تلك الوِحدَة التي تنبثِقُ مُباشرةً عن ذلك الواقِع العملي لتلك الحياة المُعَاشة، وهي الحياة التي لا يمكن تنظيمُها سِوَى وفقًا لتلك المنظُومَة المُنظِّمَة لحياة الكائِن البَشَرِي وغيرِه مِن الكائِنات، وهي أيضًا تلك المنظومة التي يتعلَّقُ أساسُها بالمَعَاش والسعي في الأرض نهارًا والكُمُون ليلاً، وهو ما يفهم مِنه أنَّ تأطير الحياة في ذلك الإطار الفطري يستلزِمُ تنظيم طاقات الفَرد البَشَرِي، والذى استُخلِفَ بِدورِه على غيرِهِ مِن المخلوقات الموجودة على سطح هذا الكوكب، ويُعَدُّ تنظيم الطاقات الكهرومغناطيسيَّة – وَفقًا لأحدَث اكتشافات العِلم الحديث – هُو جوهر تنظيم طاقات الفرد، بِما يستلزِمُ أن يتبَع ذلك الفرد نِظَامًا بالِغَ الدِقَّة في معاشِه، وذلك مِن حيث عاداتِه وأنماط حياتِه. ولم تنشأ تلك العُلُوم التطبيقيَّة الأربع والعشرون في أساسِها سِوَى على أساسٍ مِن مُحاولة تنظيم طاقات الفرد البَشَرِي، وذلك مِن خِلال البحث في القوانين المُنظِّمَة لِحَركة الحياة الإنسانيَّة.

ثَمَرات الفِكر التطبيقي العربي

ومِن ثَمَّ ، فقد كان البَحث في أُسُس “عِلم الفِلاحَة”،  والتي وإن وُجِدَت بطبيعة الحال في أقدَم المُجتَمعات البشريَّة مُنذُ أقدَم العُصُور، إلَّا أنَّ العُلماء العَرَب قطعوا شوطًا هائِلاً في أبحاث “جيولوجيا التُربَة”، وتوصَّلُوا مِن واقِع أبحاثِهم إلى تلك الصِلَة القويَّة بين تلك الطاقة الكهرومغناطيسيَّة التي سَبَقَت الإشارة إليها مِن جانِبٍ، وطبيعة التُربَة الحاوِيَة للبيئات الإنسانيَّة المُختلفة مِن جانِبٍ آخَر، وذلك على اعتبار أنَّ التُربَة الطينيَّة تُعتَبرُ أهدأ مِن حيث امتصاصِها لتلك التأثيرات الكهرومغناطيسيَّة التي تحدُث للإنسان بتأثير اكتمال القَمَر في مُنتصف شهرِه، تلك التأثيرات التي تُصيب أيضًا سُكَّان المناطِق الصحراويَّة ذات التُربَة الرملِيَّة، ولكِنَّ امتصاص تلك الطاقات الكهرومغناطيسيَّة، والذى يَتِمُّ بِبُطءٍ مِن أجساد سُكَّان البيئات الطينيَّة الزراعية بِفِعل تناوُلهم تلك الأطعِمَة ذوات التركيبات الكربوهيدراتيَّة والدُهنيَّة العالية، يُؤدِّي إلى تنظيم توارُد تلك الموجات الكهرومغناطيسيَّة إلى داخِل جَسَد الكائِن البَشَرِي، بِما يُؤدِّي إلى انضباط آلِيَّات عَمَل جَسَدِه. وذلك ما قال بِه الطبيب الأندلسي الشهير “أبو القاسِم خَلَف ابن عبَّاس الزهراوي”، ومِن ثَمَّ فقد اندَفَع ذلك الطبيب العالِم أيَضًا بـ “عِلم الفِلاحة” إلى تكريس جَهدِه في تطوير زِرَاعة ثمرتي الأفوكادو والموز في بلاد الأندلُس ذات التُربَة الطينيَّة الخِصبَة، وذلك لِما لِوَفرة المواد الدُهنِيَّة إضافةً لِعُنصُر الحديد الموجود أيضًا في هاتين الثَمَرتَين في تحقيق انتظام توارُد الموجات الكهرومغناطيسيَّة داخِل أجساد مِن يناولهما بِكَثرة، وهو ما يفسر أيضًا إدخال ثَمَرة الأفوكادو بِكَثرة في أطعِمَة أهل الأندلُس، فقد كانوا يطبُخُونها مَع المَرَق والطماطِم المُحتوِيَة بِدَورها لِعُنصُر الحديد، والذي لم تَكُن خصائِصُهُ الإيجابيَّة لِتتبيَّن للـزهراوي وغيرِه مِن العُلماء العرب سِوَى بالتبحُر في عُلُوم المعادِن، والتي قطع العرب في اكتشافاتِها أيضًا بَونًا بعيدًا. فقد اكتَشَف العَرَب جُلَّ المعادِن المعروفة في عالمِنا اليوم، وأقصِدُ باكتشاف العَرَب لتلك المعادِن أنَّهُم اكتشفُوا قيمة تلك المعادِن وخصائِصَها، وذلك مِن حيث إنَّ أغلَب جداوِل المعادِن المُميِّزَة للفلزي مِنها والمُتعادِل الشِحنات هي مِن وضع عُلماء عَرَب، حيث إنَّهُم ميزّوا المعدن الفلزي مِن حيث كون البروتونات المُوجَبَة داخِلَ جُزيئاتِه أكثر مِن النيوترونات المُتعادلة الشُحنَة، بِما يعني إمكانيَّة صِناعة سبائِك مُحكَمة مِن تلك المعادِن الفِلِزِيَّة، وهو ما كان مِن شأنِه تعظيم الاستفادة الاقتصادية مِن المعادِن المُختلفة، وبِخاصَّة معدنَي الحديد والنحاس، والتي كوَّنَت “سبيكتَهُما البرونزيَّة” أقوى السبائِك المعروفة حتى يومِنا هذا، وذلك مِن حيث استحالة صَدَأ تلك السبِيكة مهما كانت العوامِل الجويَّة أو نِسبَة الرُطُوبة، ويُذكَرُ أنَّ العالِم المُسلِم “مُحمَّد ابن عبد المُنصِف الغنوي الأصبهاني” كان أولَّ مِن صَنَع تلك السَبيكة في القرن الخامِس الهجري. كما ويُذكَرُ أيضًا أنَّ “جابِر ابن حيَّان”، الكيميائي العربي، كان أول مَن أصَّل لضرورة تحقيق عمليَّة السَبك وَفقَ دَرَجة حرارة لا تقل عن أربعة آلاف دَرَجةٍ مِئوِيّة، حيث إنَّهُ اكتَشف أنَّ وُصُول المعادِن المسبوكة إلى دَرَجةٍ عالِيَة هو الكفيل وحدَهُ بتحقيق التساوي بين عدد البروتونات المُوجَبَة والنيوترونات المُتعادِلَة داخِل جُزيئاتِها، وهو ما لا تتحقق عمليَّةُ السَبك مِن دُونِه.