لما أحسّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنوّ أجله قال للصحابة الكرام رضي الله عنهم يومًا: “إن عبدًا خيَّره الله بين أن يؤتيَهُ من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده”، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله (رواه البخاري). وفي حجّة الوداع سأل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابةَ رضوان الله عليهم قائلاً: “أنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟” (رواه مسلم).

رغم أنه قام صلى الله عليه وسلم بمهمة جليلة، وأدى رسالة عظيمة، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إلا أنه مع ذلك كان يساوره القلق؛ هل أداها بحقها أم لا؟

إحساسه بالمسؤولية تجاه أمته يدفعه ويحركه.. حتى إنه سألهم وأراد أن يطمئن “فما أنتم قائلون؟”.

وعندئذ صاحت كل القلوب المؤمنة معترفة بفضله؛ حتى ترددت أصداؤها في كل جنبات ذلك الوادي الفسيح قائلة: “نشهد أنك قد بلَّغتَ، وأديتَ، ونصحتَ، ثم قال بأُصْبُعِه السبَّابة يرفعها إلى السماء ويَنْكُبُها إلى الناس: “اللهم اشْهدْ، اللهم اشْهدْ، اللهم اشْهدْ”. (رواه مسلم)

حقًّا، بهذا القلق البالغ تحدّث النبي صلى الله عليه وسلم عن تلك المهمة التي تسع دائرة الأمة كلها، وأشهدَ أصحابَه رضوان الله عليهم أجمعين على ذلك.. فيا ترى لو سُئلنا نحن أيضًا عن أولادنا الذين تكفلنا بمسؤوليتهم ورعايتهم، فهل نحن في وضعٍ يسمح بأن نقول لهم: ستُسألون عنا، فبِمَ ستجيبون؟ أو هل نتوقع منهم جوابًا أن قد أدّينا واجبنا تجاههم؟

إن هذا التصرف المحمدي والإشهادَ على أداء الأمانة ليرسّخ ويجسّد على أرض الواقع معنى قوله عليه الصلاة والسلام: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، فهو صلى الله عليه وسلم راعي الأمة، وقد جزم بأنه مسؤولٌ عنها إلى أن أشهدَ ربَّه على جواب الرعيل الأول من أمته في الدنيا قبل الآخرة.

روي عن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه في بعض نصائحه أنه قال: “وأما حقُّ ولدِك: فأنْ تعلمَ أنه منك، ومضافٌ إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وَليتَهُ به من حُسن الأدب، والدلالةِ على ربه عز وجل، والمعونةِ له على طاعته، فاعمل في أمره عملَ من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه”.

لأن الأهمّ بالنسبة للإنسان هو الارتقاء بأفراد أسرته إلى أعلى مراتب الكمالات الإنسانية، وإشعارهم بمتعة الوجود الأبدي في الآخرة.

أحيانًا نشتري لأولادنا الهدايا في محاولةٍ لإدخال السرور عليهم، بل إننا نفتقدهم حتى عند زيارة بيت الله الحرام أو مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأعمال المباركة والخدماتُ الجليلة لا تمنعنا من تذكّرهم، غير أن أعظم هدية لا بد أن نقدّمها لأبنائنا، هي تلقينهم الآداب الإسلامية والأخلاق المحمدية، فلا شيءَ يُعادل مثل هذه الهدية التي تكون سببًا في سعادتهم الأبدية في الآخرة. يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَكرِموا أولادَكم وأحْسنوا أدبَهم” (رواه ابن ماجه).

  • الأسوة الحسنة

لا شك أن كل أم مؤمنة أو أب مؤمن يبتغي تربية أولاده تربيةً صحيحة؛ ليكونوا جزءًا من المنظومة السليمة في ذلك المجتمع المثالي الذي نحاول أن نرسم حدوده، ونضعه في إطار يتوافق مع ما جاء في القرآن والسنة.. غير أن مشاعر هذين الأبوين إن لم تنعكس على حياتهما العملية، ولم تتعمق بالعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحجّ ..إلخ، والأحرى إن لم تتأكد الأقوال الحسنة التي ترددها ألسنتهما بالأفعال الحسنة، أو إن لم تكن أفعالهما أصدق من أقوالهما، فلا تأثير حينذاك لكلامهما في أولادهما، بل قد يؤدي هذا الأمر إلى ظهور رد فعل معاكس. ولذا يجب على كل الآباء والأمهات الذين يطمحون إلى بسط سيطرتهم على أولادهم أن يُفعّلوا ويُطبّقوا بأنفسهم بدايةً ما يريدون قوله، ويتحرّوا الدقة البالغة في هذا الأمر، وبعد ذلك يطلبون من أولادهم تنفيذَ ما يقولون.

من الضروري جدًّا أن يصدِّق العملُ القولَ؛ لأنه إن وقع تضادٌّ بين أقوالنا وأفعالنا، اهتزت ثقة الأولاد بنا، فإن لاحظوا كذِبَنا أو مغايرةَ أقوالنا مع أفعالِنا -ولو مرة واحدة- فقدوا ثقتَهم بنا طالما احتفظَت أذهانُهم بهذه الذكرى. وقد تتسبب هذه الذكرى السيئة في شيءٍ من الاستياء منا في المستقبل إبان صدور ما يثير غضبهم منا، فلا تجد أقوالُكم صدًى في أنفسهم ألبتة.

من أجل ذلك لا بد أن نضبط سلوكياتنا حتى يعتبرنا أولادُنا في البيت كالملائكة لا مجرّدَ والدَيْن لهم، يجبُ أن يرَوا فينا الجدية والوقار والدقة، وأن يثقوا بنا ثقةً كاملة، فإن نجح الأبوان في نقل هذه المشاعر والأفكار وتمثيلها تمثيلاً صحيحًا، فقد يُعدّان من أعظم المعلمين.

ولا أقصد بذلك مجرَّدَ التمثيل أمام الأبناء والالتزامَ بذلك في حالة تواجدهم وعدمَ الالتزام في حالة غيابهم، ولكني أقصد أن تُصبحَ السلوكياتُ الصحيحةُ جزءًا لا يتجزأ من طبيعتنا، وأن تتماهى الأخلاق العالية مع شخصيتنا، فنعيشها في كل لحظاتنا عن قناعة.

  • العدل بين الأبناء

يأتي على رأس الشعور بالمسؤولية مبدأُ عدم تفضيل أحد الأبناء على الآخر. أجل، إن أيّ تقصير في هذا الأمر كفيلٌ بأن يُفقِدَنا السيطرة على أبنائنا، وتوجيهاتُ النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع لها مغزًى كبير وعميق: فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: أعطاني أبي عطيّةً، فقالت عمرة بنت رواحة رضي الله عنها (وهي أمُّ النعمان وزوجة البشير): لا أرضى حتى تُشهد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال رضي الله عنه: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً، فأمرتني أن أُشهِدك يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: “أَعْطيتَ سائرَ وَلدِك مثْل هذا؟”، فقال رضي الله عنه: لا، قال صلى الله عليه وسلم: “فاتقوا الله واعْدِلوا بين أولادكم” (رواه البخاري).

أيْ راعِ كلّ أبنائك وليس واحدًا منهم فقط، فإن وجّهتَ عنايتك واهتمامك بواحدٍ منهم فقط، وأجزلتَ له في الهبة والعطية، ضعُف شعور البِرّ لدى باقي الأولاد تجاهك وتزعزَعَتْ ثقتُهم بك.

حقًّا، إن تفضيل أحد الأبناء على الآخرين، من شأنه أن يثير مشاعر الآخرين نحوه، بل ويجعلهم أعداءً له. لا نشرح هذه المسائل اعتمادًا على المبادئ لعلم النفس فقط، وإنما نحنُ نركّز هنا على عالمية الحقائق التي يريد القرآن والسنة أن يرسّخاها في أرواحنا، وعلى موافقتها لطبيعة الإنسان ومعقوليتها ومنطقيتها وإنسانيتها.

وبعيدًا عن مناقشة الحكم الشرعي للمسألة، فبعضُ الفقهاء حرَّم وبعضهم أجاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى قال: “أَشهِدْ عليه غيري”، فلو كان حرامًا لما سمح حتى بإشهادِ غيره عليه.. وبغضِّ النظر عن الحكم، إلا أن أصل هذا الأمر قد يكون مدعاة واستثارة لمشاعر الحقد أو الحسد أو التنافس لدى الأولاد.

وكما هو معلوم، فإن نبي الله يوسف بن يعقوب عليهما السلام رأى في منامه أن النجوم والشمس والقمر يخرّون له ساجدين، فما كان من أبيه الذي كان من المفترض أن يسعد ويفتخر بهذا الأمر إلا أن ¨قَالَ: يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ” (يوسف:٥)، لأن هذا النبي العظيم كان يدرك بنبوته كنهَ الطبيعة البشرية، فأحسّ أن هذا الأمر سيثير غيرةَ إخوته نحوه، فقصُّ مثلِ هذه الرؤيا لا بد وأنه سيفضي إلى غيرة الذين لـم يبلغوا بعدُ مرتبةَ تزكية النفس.

ومع الأسف فقد تحقَّق في النهاية ما كان يخشاه عليه السلام؛ حيث ألقوا أخاهم يوسف في غيابة الجُبّ، وقد كشفوا بصنيعهم هذا أثر الغيرة في الإنسان حتى وإن كان في بيت النبوة.

من البدهي أن تفضيل أحد الأبناء على إخوته، سيثير لديهم شعور الغيرة والحسد وكرهًا لا شعوريًّا بسبب اختلاف المعاملة.

ويمكننا أن نستوعب هذه الأفكار بشكل أفضل، من خلال العوامل النفسية الشعورية واللاشعورية التي ينتج عنها حبُّنا وكرهُنا وصداقتُنا وعداوتُنا المجتمعية: ولنفترض أن لنا صديقًا عزيزًا وغاليًا علينا، لكنه ذات مرّة لم يتعامل معنا بما اعتدناه منه من روح الإيثار، وتغلب عليه شُحُّه وبُخلُه، فقام بتصرّف غير متوقع، فلا شك أن هذا التصرّف سيظل محفورًا في ذاكرتنا شئنا أم أبينا، لأن كل حادثة تمضي بعد أن تترك أثرًا في حفيظة الإنسان، فإذا ما أعقَبَتْها حادثة أخرى سرعان ما تنبعث وتحيا من جديد.. وهكذا نحن؛ إن قابلَتْنا حادثة حرَّكَت هذه المشاعر البغيضة التي تنام في سكون ضمن دائرة اللاشعور عندنا؛ ثارت ثائرتُنا على الفور، وإن تراكمت هذه الحوادث السلبية فوق بعضها وانبعث عددٌ منها من جديد، فإننا سرعان ما نقوم بتوبيخ هذا الشخص ونجتهد في الدفاع عن أنفسنا.

هكذا الأطفال! فأيُّ موقف سلبي بيننا وبينهم يستدعي أفكارًا مترسخة في عقولهم أو في منطقة اللاوعي عندهم، ومن ثم يتسبب هذا الموقف في حَنَقِ الطفل علينا وعدم إطاعته لنا بالكلية.

إن ما ذكرناه، يشكّل جانبًا واحدًا فقط للمسألة، فإذا ما فكّرنا في المسألة على أنها شاملة لكل مراحل حياة الطفل، بات الأمر أكثرَ تعقيدًا، وخاصة إذا ما اعتبرناه طفلاً لا يفهم، ولم نقدّر الوضع الذي سيكون عليه في المستقبل، فسيأتي يوم نتضرر فيه نحن وأبناؤنا بسبب خطئنا هذا.

الطفل ذكي مهما كان صغيرًا أو مهما ظننتم أنه لم يفهم.. إنه يفهم ويسجل كل شيء، والذي يشهده الطفل في البيت من أقوال وأفعال متناقضة تظنون أنه لا يدركها، تثبت في ذاكرته وكأنها مقيدة في دفتر، فإذا ما آنَ أوانها برزت كلُّها إلى الوجود على الفور.. إنها تَظهر لدرجة أنها تجرف العائلة والأبوين وتنحدِر بهم إلى الجحيم.

ومن ثم فعلى كل مَن يبغي أن يكون أبًا أو أمًّا، أن يأخذ قسطًا من علوم النفس والتربية، ويتعلم المبادئ الأساسية للقرآن والسنة في هذا الشأن إجمالاً على الأقل، ثم يشرع في حياته الجديدة؛ لأن تربية الأبناء ليست أمرًا بسيطًا، وإنما هي أمانة الأمانات وجيلُ الغد ومستقبلُ الأمة.