يتكون الجسم البشري من تريليونات الخلايا، وكل خلية تتكون من نواة وسيتوبلازم وغشاء يحفظ هذه المحتويات. أما النواة فتتكون من الحامض النووي “دي إن إي” (DNA) الذي يتكون في البشر والرئيسيات من شريطين يلتفان حول بعضهما على هيئة سلم حلزوني، ويبلغ عدد الكروموسومات التي توجد في كل خلية في جسم الإنسان على ٤٦ كروموسومًا، وتكون هذه الكروموسومات في أزواج، حيث تحتوي على ٢٣ زوجًا من الكروموسومات.وكل كروموسوم هو جزيئة (DNA) طويلة لها مناطق فعالة تسمى الجينات. ويبلغ عدد المورثات (الجينات) الموجودة في نواة الخلية الواحدة ما يقرب من ١٠٠ ألف مورثة. وتحمل تلك الجينات (المورثات) جميع البروتينات اللازمة لجميع الكائنات الحية، وبدورها تحدد هذه البروتينات ضمن أشياء أخرى؛ كيف يبدو شكل الكائن الحي، وكيف يستقلب (Metabolize) جسمه الطعام أو يقاوم العدوى، وأحيانًا يحدد حتى الطريقة التي يتصرف بها.

وتتكون الجينات بدورها من سلسلة قواعد أو وحدات تسمى “نيوكليوتيدات” (Nucleotides)، وتتكون كل نيوكليوتيدة من قاعدة نتروجينية وجزيئة سكر خماسي وفوسفور. والقواعد النتروجينية على أربعة أنواع، هي الأذينين، والثايمين، والسيتوزين والجوانين ويرمز لها بالحروف A, T, C, G على التوالي. تتكرر هذه القواعد ملايين المرات في جزئية DNA.

وللأهمية العلمية والطبية لقراءة هذه المورثات، قامت مؤسسة في الولايات المتحدة الأمريكية بمتابعة هذا العمل أطلقت على نفسها Human Genome Organization، وقد خصصت لذلك مبلغًا قدره ٣ مليار دولار لهدف قراءة الخارطة الوراثية فقط (Gentic Mapping). وذلك يعني بالدرجة الأولى فتل الكروموسومات، وفك تلك الصيغ الكيميائية للجينات على كل كروموسوم، ومعرفة ترتيب المعلومات الوراثية الكاملة عند الإنسان، من خلال تحديد نوع وتسلسل الجينات الموجودة في الحقيبة الوراثية (Genome).

  • الجينوم البشري والتنبؤ بالأمراض قبل حدوثها

باكتشاف أسرار الجينوم البشري فتحت الأبواب أمام البحث العلمي، وأصبح بالإمكان معرفة استعداد الشخص للإصابة بمرض ما، كما سيكون بمقدرة الأطباء محاصرة أمراض وإيجاد علاج لأمراض أخرى حيرت العلماء، مثل السرطان أو الاكتئاب. فمفاتيح التركيبة الجينية تعطي الفرصة للتحكم أو على الأقل للتكهن بما قد يصيب الإنسان في المراحل المختلفة من حياته.

بكل بساطة وبدون مقدمات، يمكنك ويمكن لأي شخص كان، التنبؤ بالأمراض التي سيصاب بها مستقبلاً، ليس هذا فحسب، بل يمكن لأبويك معرفة الأمراض التي ستصاب بها أنت حتى قبل أن تولد. كيف ذلك؟ الإجابة على ذلك -وبكل بساطة- يأتي هذا من خلال فحص خريطتك الوراثية (الجينوم البشري) سواء كنت رجلاً أو طفلاً أو لا زلت في بطن أمك أو حتى يفكرون في إنجابك، إضافة إلى دراسة التاريخ الوراثي لعائلتك.

بقراءة هذه الخريطة تستطيع استلام تقرير كامل عن الأمراض التي ستصاب بها في المستقبل، أو التي سيصاب بها أولادك وأحفادك فيما لو فكرت بالزواج والإنجاب، حيث تحدِّد خريطة الجينوم كل التفاصيل الخاصة بكل جين: نوعه، موقعه من السلسلة الوراثية، تركيبه، علاقته بالجينات الأخرى.. ولن يتوقف اكتشاف الجينوم البشري على التنبؤ بالأمراض، ولكن سيحدث ثورات وانقلابات علمية وتكنولوجية وتقنية في علاج تلك الأمراض، وإجراء عمليات جراحة وراثية، إضافة إلى الثورات في تقنيات صناعة الأدوية.

وقد أكد العلماء أن من شأن رصد خلل في تكوين الحمض النووي، أن يسهّل عملية الوقاية من المرض قبل الإصابة به. وأشاروا إلى أن هذا الإجراء لا يعود بالفائدة في حقل الأمراض الوراثية فحسب، بل وفي غيرها من الأمراض التي قد يصاب بها الإنسان في حياته.

  • العلاج بالجينات لعبٌ بالناس أم نعمة؟

العلاج الجيني هو أحد تطبيقات الهندسة الوراثية، الذي يساهم في شفاء الكثير من الأمراض، بما فيها الأمراض الوراثية كالهيموفيليا (سيلان الدم)، وأمراض المناعة الذاتية كالروماتويد المفصلي والتـليف الحويصلي، والأمراض المزمنة كالسرطان والأمراض المعدية كالإيدز.

ويمكن أن يعتبر العلاج بالجينات الوراثية خطوة رائدة في العالم، وخطوة تسبق الهندسة الوراثية التي قد تساهم في التخلص نهائيًّا من أمراض فتاكة كالسرطان والتهاب الكبد ونقص المناعة.

ومن أهم الأمراض التي تناولها العلاج الجيني هو مرض السرطان، حيث نجح العلماء مؤخرًا في علاج فئران مصابة بالسرطان عن طريق العلاج الجيني. ويقول العلماء إن التقنية ذاتها، من الممكن أن تنجح على الإنسان، وقد بدأت بالفعل بعض التطبيقات تأخذ طريقها إلى النجاح.

وتعتمد فكرة العلاج الجيني لأمراض السرطان على خدعة بيولوجية يتم من خلالها زرع جين مدمر للخلايا السرطانية، بحيث تتعرف عليه الخلايا كأحد جيناتها الخاصة، وعندما تتم عملية ترجمة المادة الوراثية لهذا الجين، يعطي إشارة للخلية بالتدمير الذاتي، ويتم القضاء على الخلية السرطانية، بينما لا تتعرف الخلية الطبيعية على هذا الجين وبالتالي لا تصاب بالأذى.

وتعقد الكثير من الآمال المستقبلية على نجاح هذه التقنية لعلاج الكثير من الأمراض التي أصبح من الصعب علاجها.

  • فوائد العلاج الجيني

يمثل الجينوم ثورة علمية وقفزة في المعرفة، ومنافعه للبشرية هائلة إذا أُحْسِنَ استغلاله، من ذلك ما يلي:

أ- رسم خرائط الجينات البشرية، التي من خلالها يمكن التعامل مع السلوك البشري في توجيهه للأفضل والأكمل، مع كشف العلل والأمراض ومن ضمنها الأمراض المستعصية، والعمل على إيجاد العلاجات المناسبة والمباشرة لها، بل والوقوف على إمكانية الإصابة بالمرض في المستقبل قبل ظهور أعراضه. وفوق ذلك فإن “طب الجينات” يجعل من الممكن لأي شخص أن يتعرف على قائمة الأمراض التي سيصاب بها في حياته.

بـ- تعميق الاستفادة من خيرات الأرض، والتطوير للإنتاج الأفضل في الثروة الزراعية والحيوانية والمائية، وتسهيل فهم كثير من علل الأوبئة التي تصيب الطبيعة على وجه العموم فضلاً عن الإنسان.

جـ- فتح الآفاق للبحث في أسرار الكون، والإفادة من تسخيره للإنسان بغية الكشف عما يحقق مصلحته، فيتخطى البحث في علم الجينوم كوكب الأرض للنظر في إمكانية تطبيقه في الفضاء لملاءمة الظروف الفضائية لنجاح التجارب، وذلك بغرض إنتاج أجزاء من المادة الوراثية داخل الخلية بغية إيجاد معالِجات تساعد على إبعاد أعراض الشيخوخة، ولمحاولة إنتاج أنسجة وأعضاء بشرية.

د- استعماله في التحري الجنائي والطب الشرعي، وذلك عن طريق بصمة الجينات DNA، الأمر الذي لا يخفى ما له من الأثر على كشف الجناة الحقيقيين، وتبرئة المتهم، وقضايا إثبات البنوة، والنسب، والاغتصاب، والتعرف على ضحايا الحوادث، خاصة وأنّ نسبة النجاح لإثبات الحقيقة بهذه الطريقة تصل إلى ٩٦٪.

هـ- تتخطى فوائد هذا العلم إلى استزراع منتجات تساعد في الكشف عن الألغام وبقايا آثار الحروب القابلة للانفجار، كالنحلة أو الزهور الكاشفة عن القنابل والألغام، والنباتات المؤثرة في تفكيك تلك المواد، وإيجاد مصادر بديلة للوقود عن طريق نباتات الهندسة الوراثية.

ودون تردد، فجميع هذه المصالح معتبرة؛ ففي طرفها البحثي العلمي، فإن الله عز وجل قد أذن بها قدرًا وشرعًا فقال: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:٥). وفي طرفها التطبيقي، فإن أدلة الشريعة وأصولها التي تؤيد الفكرة لا تنحصر، فكل مصلحة راجحة لحفظ الحياة وبقائها فهي معتبرة، والرجحان تحسمه نسب النجاح أو الإخفاق.

  • المحاذير

وينبغي أن نستحضر أنه لا يوجد شيء في الحياة يخلو من جانبين؛ إيجابي وسلبي. فمع منافع علم الجينوم، فإنه ينطوي على محاذير كثيرة أبرزها:

_  ثورة الجينوم ليست أول اكتشاف علمي يصل إليه البشر يحقق الكثير من المصالح الضرورية والمهمة، ولكن خروج الإنسان عن قوانين الأخلاق، ربما أدى به إلى استغلال العلم للإضرار بعنصره البشري كالشأن في علم الذرة، فإنه لم يُقْتَصَر على استعماله في سياق منافعه، بل استُخْدِم لتدمير الإنسان في هيروشيما ونجازاكي باليابان.

كما ينبِّه أحد الباحثين أن هناك خوفًا وحذرًا حقيقيين من استعمال الأدوية الجينية خاصة، ذلك أنها قد تدخل إلى جينوم الخلايا التكاثرية للمصاب وعندها ستنتقل من جيل إلى آخر، ولا يُعْرَف مدى خطورتها على أجيال المستقبل، فهي مغامرة بمصير الإنسان.

زاد اهتمام المجتمع الأمريكي في الآونة الأخيرة بكل ما هو متعلق بالجينوم البشري، وأصبح معظم أفراد المجتمع يرون أنه لا بد من إجراء اختبار تتابع الجينوم البشري الكامل، خاصة بعد إصابة الممثلة الأمريكية “أنجلينا جولي” بجين مسبب لمرض السرطان، وتفضيلها استئصال ثدييها بدلاً من أن تنتظر حتى يداهمها المرض، خاصة أن والدتها توفيت بالمرض نفسه.

ورغم أن اختبارات الجينوم ستؤدي إلى ثورة في مجال الطب، إلا أنه تثار حولها كثيرًا من المحاذير الأخلاقية، خاصة المتعلقة بالأجنة ومدى شرعية إجهاضها، إذا اكتشف الآباء وجود أمراض في الجينات التي تحملها، والتي ربما لا تظهر بعد الولادة مباشرة ويتم اكتشافها بعد خمسين سنة أو أكثر.

إن تعديل الجينات البشرية يحمل أملاً واعدًا في علاج العديد من الأمراض الوراثية، لكنه سلاح ذو حدين، فتحرير الجينات قد ينجم عنه طفرات وراثية لا يُعرف تأثيرها إلا بعد عقود طويلة من الزمان. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ماذا كان سيفعل الأشخاص لو أن هذه المعلومات كانت متاحة عند مولدهم؟ كيف كانوا سيتعاملون معها؟ وهل اكتشاف الوالدين لأحد الجينات المرضيّة في الأجنة كانت ستعد مبررًا لقيامهم بعمليات الإجهاض؟ .