يمم المكي على عادته صوب الجبل بحثًا عن مرتع وفير شحت به الأرض بعد سنوات الجفاف، وما إن أطل على الهضاب المترامية خلف القمة حتى تفرق القطيع مُزَعًا، فالنعاج والخراف انبثت بين شجيرات إكليل الجبل والحلفاء، بينما تسلق معظم الماعز أشجار الغابة التي أنهكها الرعي وهدتها أيدي الحاطبين…

جلس المكي إلى جذع شجرة كبيرة ذات ظل ظليل، فقد أخذ منه التعب مأخذًا بعد ليل ألْيَل قضاه في حراسة القطيع، بعد أن صالت الذئاب وجالت ب”مراح الدار” غير آبهة بنباح الكلاب الهزيلة، وما هي إلا لحظات حتى وجد نفسه متجولاً في السوق الأسبوعي لأقرب بلدة، كان يمشى وعينه على أكوام الخضروات والفواكه، فأخذ يتفحص المعروضات، ويسأل عن الأثمة التي ارتفعت كثيرًا بعد شحت الأمطار، وارتفت مصاريف الإنتاج، وعلا ثمن الوقود… وفي لحظة خاطفة همَّ بإخراج ورقة نقدية زرقاء من جيبه، وإذ بيد محترفة سريعة تخطفها منه في لمح البصر، قام فزعًا، فتح عينه، نظر يمنة ويسرة وتساءل في فزع جارح: أين القطيع يا ترى؟! أهو حلم أم حقيقة؟! وأضاف في أسى موجع: ليتها كانت الحقيقة…

هو لم يزر البلدة منذ شهور، لقد كان يحول بينه وبين ذلك الحلم بعد المسافة وقلة الزاد والراحلة، وشغل السخرة لدى أرباب الأغنام، زيادة على أنه قل ما يحظى بالأوراق النقدية، وقد كفاه مهمة التسوق مُشغّله الحاج بوعزة، يأتيه بمؤونته أسبوعيًّا: ما قل من خضار وقطاني… فيستهلك أجرته الهزيلة قبل الأوان غالبا…

نهض مسرعًا، حاول أن يأخذ توازنه الذهني، ويسترجع هيبة مالت إلى زوال بعد أن مرّغها نوم مباغت، ومزقها ذئب مفترس… وانطلق مهرولاً من دون أن يدرك وجهة معلومة… توقف هنيهة وغمغم دامعًا: ماذا سيكون المآل يا ترى لو أن القطيع وقع فريسة جماعة من الذئاب الجائعة؟ أين المصير؟ بماذا أجيب؟ ومن يثق بي؟!… لَم أكذب ولا جربت الكذب، فهل يا ترى أقع بين فكي خطيئته؟!… ثم تقدم إلى الأمام إلى أن أطل على هضبة مكسوة بأشجار العرعار والبلوط، هناك عثر على معظم القطيع وما إن قاده قليلاً تداعت النعاج والخراف إلى بعضها. أكمل العدّ فعاد إليه توازنه… وتنهد قائلاً: الحمد لله، وأضاف في ارتياح: أما الماعز فلا خوف عليها.

وقبل أن يعود بالقطيع حيث كان أول الأمر تذكر الخروف الأسحم الذي طالما اهتبل به الحاج بوعزة… فعاوده الشعور بالأسى وانطلق متفحصًا أثر القطيع إلى الخلف إلى أن عثر على قطرات دم لزج عالقة بأعواد يابسة، فأيقن أن الخروف وقع فريسة للذئب، وواصل في ذات الاتجاه، وعلى بعد أمتار قليلة بدأ مشهدٌ أشبه بشريط مقتطف من حياة البرية: ذئب مفتول يهوي برأسه في حركة سريعة متوالية، لا شك أنه يلتهم فريسته المفضلة! جرى متوشحًا عصاه القصيرة الغليظة إلى أن أطل على المشهد فأرسل العصا بحرارة، لكنه أخطأ الهدف، فعوى الذئب وانتفض هاربًا كالبرق الخاطف. 

وقف المكي يتأمل جثة الخروف الأسحم الملقاة على خشاش الأرض، وحدث نفسه: لقد أودى به سلوكه، كان دائمًا يتخلف عن القطيع، لا يهمه إلا أكل الأخضر واليابس، لطالما كابدت عناء البحث عنه بعد كل غفوة… وسرت في عروقه برودة دم بعد أن ابتلع غصة الأسى، وتابع بصوت عال: ليكن ما كان، كل شيء انتهى الآن: حياة الرعي المذلة، والتعب والنصب بلا طائل، الغربة، الحرمان… ربما كانت هذه هي فرصة الخلاص…

وعاوده التوتر وهو يهم بالانصراف، وتذكر سطوة الحاج بوعزة التي قد تصل إلى العنف الجسدي أو السجن… فمشى يلوك الأسى تارةً ويعلن التحدي وينوي الصمود تارةً أخرى… إلى أن بلغ مرتع القطيع فألفاه عاد إلى الاستقرار كأن لم يروعه حادث.

مالت الشمس إلى المغيب، وأخذ المكي يلملم القطيع مؤذنًا إياه بالإياب، كان من عادته أن يمشي في الميمنة أو الميسرة تاركًا حرية الانتقال البطيء لأفراد القطيع حتى لا يروعها، لكنه بعد أن تلقى الدرس القاسي اليوم أخذ يتحرك في يقظة بالغة متجاهلاً هدير فكره المتموج بين هواجس الخوف والشك والرجاء…

وصل القطيع إلى مأواه الليلي، فأسرع المكي بتنفيذ كافة العمليات الروتينية التي اعتاد القيام بها: عدّ أفراد القطيع، وفتح الباب لذوات الخراف لترضعها، وقدم لها ما قل من أعلاف، وأعادها، وأحكم غلق الزريبة… وانصرف بخطى بطيئة منهكة…

دخل خيمته مكفهر الوجه على غير عادته، لم يلاعب ابنه الصغير، ولم يكلم زوجته حتى بعد أن قدمت له وجبته القارة من الشاي والفطير اليابس وقليل من الزبدة، وداعبته بكلماتها المعتادة…

تناول طعامه على عجل، وقام مسرعًا ليلقي بنفسه على فراشه بعد هدته الهواجس واشتد إضراب مزاجه، لم يكن يظن أنه سينام بسهولة هذه الليلة، ولكن جسده المنهك لم ينصت لصخب عقله…

نام إلى منتصف الليل، ولم يوقظه إلا نباح مسترسل لكلاب جاره، فانتفض وتلمس عصاه وهرول إلى فناء الخيمة، فأبصر شيئًا غريبًا يتحرك بمحاذاة القطيع، اقترب منه في هدوء وثقة إلى ضبط هدفه، فأرسل عصاه بمنتهى القوة هاتفًا: خذ يا لقيط.

دوى عواء مزعج، وسقط الهدف أرضًا. تنهد المكي وانتشى بطعم الانتقام قائلاً: أكيد أنك لست هو، ولكن أنت أيضًا من فصيلة الذئاب المفترسة! أكيد أنك لست فاعل الأمس، ولكنك تفي بالغرض وزيادة.